لم تُكشف أسرار المومياوات المصرية على مر العصور إلا عبر أعين الباحثين وعلم التحنيط، لكن اليوم، يتجه العلم إلى حاسة أقل تقليدية: الشمّ. المومياوات، التي حفظت أجساد المصريين القدماء لآلاف السنين، تحمل معها روائح فريدة لم يسبق أن لاحظها أحد، وهذه الروائح تُعد بمثابة مفتاح لفهم تقنيات التحنيط والمواد المستخدمة في طقوس الموت القديمة.

يستخدم العلماء الحديثون تقنيات متقدمة لتحليل المركبات العضوية المتطايرة (VOCs) المنبعثة من المومياوات، دون الحاجة إلى أخذ عينات مدمرة من الأنسجة أو لفائف الكتان. هذه المركبات، التي تشكل «بصمة عطرية» لكل مومياء، تساعد الباحثين على التعرف إلى الزيوت والراتنجات والشموع والبيتومين، وكل ما استخدمه المصريون القدماء للحفاظ على أجساد موتاهم. وبهذه الطريقة، يمكن دراسة المومياوات بدقة علمية عالية، مع الحفاظ على سلامتها التاريخية، وفقا لموقع "sciencealert".

تحليل العينات ومركبات الروائح

شمل البحث 35 عينة مأخوذة من 19 مومياء تعود لفترات زمنية مختلفة، تمتد من حوالي 2000 قبل الميلاد وحتى القرن الثالث الميلادي. تم وضع كل مومياء أو قطعة من لفائف الكتان في حجرات مغلقة، حيث تُطلق المركبات العضوية المتطايرة إلى الهواء المحيط. بعد ذلك، تم جمع الغازات وتحليلها باستخدام الكروماتوغرافيا الغازية ومطيافية الكتلة لتحديد مكونات الزيوت والراتنجات والشموع والبيتومين المستخدمة في التحنيط.

أظهر التحليل أن كل مومياء تحمل بصمة كيميائية فريدة، تعكس وصفات التحنيط المختلفة عبر العصور. في الفترات المبكرة، اعتمد التحنيط على الزيوت والدهون، بينما تضمنت التركيبات لاحقًا مواد معقدة مثل راتنجات الصنوبر والعرعر والأرز، إضافة إلى البيتومين المستورد، ما يكشف عن مدى التطور التقني والمعرفة بالمواد الطبيعية لدى المصريين القدماء.

تطور وصفات التحنيط عبر الزمن

تشير الدراسات إلى أن وصفات التحنيط لم تكن ثابتة، بل تطورت لتعكس المعرفة العلمية والدينية للمصريين القدماء. لم تقتصر أهمية الروائح على الحفظ فقط، بل كانت رمزية، حيث استخدمت للتعبير عن الطهارة والاستعداد للحياة الأخرى، ولحماية الجسد من التحلل والميكروبات، ما يظهر حرص المصريين على تفاصيل الطقوس funerary ومستوى عالٍ من التنظيم العلمي المبكر.

وباستخدام هذه الأساليب غير المدمرة، يستطيع العلماء اليوم قراءة عبق آلاف السنين المحبوس داخل المومياوات، وتحويله إلى نافذة على حياة ومعتقدات المصريين القدماء، وفهم المواد والتقنيات المستخدمة في التحنيط دون المساس بسلامة الأثر التاريخي.

بهذا الشكل، لم تعد المومياوات مجرد جثث محفوظة، بل مختبرًا زمنيًا حيًا يروي أسرار الكيمياء والحرفة والدين في مصر القديمة، لتكشف أن كل رائحة مخبأة داخل هذه الأجساد تحمل قصة يجب للعلم أن يفسرها ويكشف خفاياها.