قد تبدو المسافة بعيدة بين مراهق يعيش في دبي وفتى خيالي وُلد في صفحات القصص المصورة الأمريكية قبل أكثر من ستة عقود، في حي كوينز بنيويورك، لكن بيتر باركر، الذي عرفه العالم لاحقاً باسم «سبايدرمان»، نجح في عبور تلك المسافة بسهولة لافتة، حتى أصبح واحداً من أكثر الأبطال الخارقين حضوراً في وجدان أجيال مختلفة، ليس في الولايات المتحدة فقط، بل في ثقافات ومجتمعات لا تشبه البيئة التي وُلد فيها.

والسؤال هنا لا يتعلق بقدرة شخصية أمريكية على الانتشار عالمياً فقط، بل بما هو أعمق: لماذا يمكن لمراهق عربي أو إماراتي أن يجد شيئاً من نفسه في بيتر باركر؟ وهل تكمن جاذبية «سبايدرمان» في القوى الخارقة التي يمتلكها، أم في الضعف الإنساني الذي لم يفارقه حتى بعد أن أصبح بطلاً؟

بالنسبة إلى د. كريمة مطر المزروعي، المستشار في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، فإن نقطة البداية الخطأ هي النظر إلى مثل هذه الشخصيات بوصفها مجرد منتج ترفيهي، فنجاح الشخصية، في رأيها، يبدأ من فهم عميق للإنسان، وخصوصاً الطفل واليافع، واحتياجاته النفسية وصراعاته وما يبحث عنه في كل مرحلة عمرية.

وتشير إلى أن هذا الأمر لم يبدأ مع «سبايدرمان»، مستعيدة شخصيات عرفتها أجيال عربية مثل «الكابتن ماجد» و«عدنان ولينا» و«ساسوكي» و«سالي»، وهي شخصيات جاءت من بيئات ثقافية مختلفة، لكنها وجدت طريقها بسهولة إلى الأطفال واليافعين العرب.

وترى المزروعي أن السر يكمن في أن أعمار هذه الشخصيات وتجاربها لم تكن بعيدة عن جمهورها، فالطفل يرى أمامه شخصاً يواجه الخوف أو الفقد أو التحدي أو الرغبة في إثبات الذات، مضيفة أن الشخصية لا تعبر الحدود، لأنها أمريكية أو يابانية، «بل لأنها تنجح في الوصول إلى حاجة إنسانية لا جنسية لها».

البطل الذي لا يبدو بطلاً

ربما كانت المفارقة الأساسية في شخصية «سبايدرمان» أن القوة الخارقة ليست وحدها ما صنع شعبيته، بل إن الإنسان الذي يختبئ خلف القناع هو الذي منح الشخصية استمراريتها.

وتقول المزروعي إنه لا يوجد «زر سحري» يحول شخصية ما إلى رمز عالمي، وإنما هناك بناء ذكي للبطل، يبدأ من عدم تقديمه باعتباره قوياً طوال الوقت، فالبطل الناجح، بحسب رأيها، يمتلك نقطة ضعف وخوفاً وفشلاً واختيارات صعبة، ومن هنا يبدأ الارتباط النفسي، لأن المتلقي يستطيع أن يسقط شيئاً من ذاته على الشخصية.

وتضيف: «الطفل لا يتعلق بـ«سبايدرمان» لأنه يستطيع تسلق الجدران، بل قد يتعلق ببيتر باركر لأنه شاب عادي مثله، واستطاع أن يكون بطلاً؛ يريد أن ينجح، وأن ينتمي، وأن يكون مقبولاً، ويخطئ ويتعلم ويتحمل نتائج قراراته. القوة الخارقة تجذب العين، لكن الإنسان داخل الشخصية هو الذي يبني العلاقة معها».

وهذا تحديداً ما يراه أيضاً د. موسى برهومة، أستاذ الإعلام في كلية محمد بن راشد للإعلام، بالنسبة لأحد أسرار بقاء الشخصية، إذ يعتقد أن جاذبية «سبايدرمان» تقوم على «ثبات وتجوهر النواة الأخلاقية» للشخصية، وأن التعاطف معه تأسس أساساً على الضعف لا القوة.

ويقول، إن بيتر باركر «ابن نيويورك»، لكن مشاعره لا تحتاج إلى «جواز سفر أمريكي» لكي يفهمها الآخرون، فالوحدة، والحاجة إلى القبول، والخوف من الفشل، والقلق بشأن المستقبل، والحيرة أمام الحب والمسؤولية، ليست تجارب أمريكية بقدر ما هي تجارب إنسانية، يعيشها المراهق في دبي أو القاهرة أو الرياض أو الدار البيضاء، حتى وإن اختلفت الظروف الاجتماعية المحيطة به.

من نيويورك إلى دبي

هذا الانتقال العاطفي من ثقافة إلى أخرى لا يتطلب، بحسب المزروعي، تطابقاً ثقافياً كاملاً، لأن اليافع لا يبحث دائماً في الشخصية عما يشبه تفاصيل حياته، بل ما يشبه مرحلته النفسية.

فأسئلة مثل «من أنا؟»، والرغبة في الاستقلال، والحاجة إلى القبول، واكتشاف القدرات، والخوف من الفشل، والانتماء والحاجة إلى التقدير، تتجاوز حدود المكان.

وترى أن أحد أسرار قوة صناعة الترفيه الأمريكية هو نجاحها في وضع أسئلة إنسانية عامة داخل قصص محلية جداً. قد تدور الأحداث في نيويورك، لكن القلق من الفشل والصداقة والأسرة والخسارة والمسؤولية ليست حكراً على سكانها.

وهنا يرى برهومة أن الثقافة الشعبية لا تنقل إلى الجمهور مجرد تفاصيل عن ثقافة أخرى، بل تمنحه أحياناً فرصة للتعرف إلى نفسه عبر شخصيات تنتمي إلى تلك الثقافة.

ويقول: «نحن لا نتعاطف مع بيتر، لأنه يعيش في كوينز، بل لأننا نرى في حياته قبساً من حياتنا».

الضعف ليس عيباً في البطل

حين ظهر «سبايدرمان» للمرة الأولى في قصص «مارفل» المصورة عام 1962، كان يمثل تحولاً مهماً في شكل البطل الخارق، فبحسب برهومة، ارتبط كثير من الأبطال قبل ذلك بصورة الشخصية الاستثنائية الواثقة التي تواجه الخطر انطلاقاً من موقع القوة، بينما جاء بيتر باركر مختلفاً: مراهق يتعرض للتنمر، ويشعر بالحرج، ويقلق بشأن المال، ويواجه صعوبات اجتماعية وعاطفية، ولا يبدو في حياته اليومية وكأنه مرشح طبيعي للبطولة.

الأهم أن هذه المشكلات لا تختفي حين يرتدي القناع، فـ«سبايدرمان» لا يصبح شخصاً مكتملاً بمجرد أن يكتسب قدراته الخارقة، بل تزداد حياته تعقيداً. يفوّت المواعيد، يخطئ، يتردد، يخاف، ويضطر إلى اتخاذ قرارات لا تملك دائماً إجابات سهلة.

ويرى برهومة أن هذا كان من التحولات المهمة في السرد، لأن البطل لم يعد نموذجاً للكمال، بل شخصاً عادياً يمكن أن يكون ناقصاً ومضطرباً، ومع ذلك يظل بطلاً، وهنا تصبح العبارة الأشهر المرتبطة بالشخصية: «مع القوة العظيمة تأتي مسؤولية عظيمة»، أكثر من مجرد جملة درامية، فالمزروعي ترى أنها تفسر جانباً مهماً من استمرارية الشخصية، لأنها تنقل البطولة من امتلاك القوة إلى أخلاقيات استخدامها.

والسؤال يصبح: ماذا تفعل بما لديك من قدرة؟ هل تستخدمها لمصلحتك فقط، أم تتحمل مسؤوليتك تجاه الآخرين؟

وترى أن مثل هذه القصص يمكن أن تحمل قيماً تربوية مهمة مثل الشجاعة والمثابرة وحماية الأضعف، وتحمل نتائج القرار، لكنها تحذر في الوقت نفسه من التعامل مع أي محتوى باعتباره محايداً، فالطفل لا يستقبل القصة وحدها، بل يتلقى معها تصورات عن النجاح والجمال والقوة والعلاقات والهوية.

ولهذا ترى أن السؤال ليس: هل يشاهد أطفالنا هذه الشخصيات أم لا؟ بل: هل نعلّمهم أن يقرأوها بوعي ويأخذوا منها القيمة الإنسانية من دون أن يفقدوا مرجعيتهم الثقافية؟

القناع وسؤال الهوية

لكن «سبايدرمان» يحمل طبقة أخرى تفسر ارتباطه باليافعين، وهي الهوية السرية، فبيتر باركر يعيش بصورة دائمة بين شخصيتين: شاب عادي يعرفه الآخرون، وبطل خارق لا يعرفون حقيقته.

ويرى برهومة أن الهوية السرية لا تؤدي وظيفة تشويقية فقط، بل تفتح سؤالاً أعمق: من نكون في نظر الآخرين، ومن نكون حين لا يرانا أحد؟

ويمكن النظر إلى القناع بوصفه مساحة للتحرر من أحكام المجتمع، لكنه يتحول في الوقت نفسه إلى عبء، لأن الحفاظ على السر يفرض على بيتر الكذب أحياناً، والابتعاد عن الآخرين، والتضحية بعلاقات يحتاج إليها.

وهذا التناقض بين الرغبة في الاعتراف الاجتماعي والحاجة إلى الخصوصية يمكن أن يكون قريباً للغاية من تجربة المراهق، الذي يحاول هو الآخر بناء صورته أمام أسرته وأصدقائه والمجتمع، بينما لا يزال يكتشف في داخله من يكون فعلاً.

العائلة تجعل المسافة أقصر

وتصبح الشخصية أكثر قابلية للفهم في السياق العربي حين يتعلق الأمر بالعائلة، فبيتر باركر لا يعيش البطولة باعتبارها مشروعاً فردياً بالكامل. علاقته بعمته ماي، وتجربة الفقد، والشعور بالذنب، وإحساسه بأن أفعاله تؤثر في الأشخاص الذين يحبهم، كلها تدخل في تكوينه الأخلاقي.

ويرى برهومة أن هذا الجانب قد يجعل الشخصية قريبة من الشباب في مجتمعات عربية، حيث لا تنفصل قرارات الفرد دائماً عن توقعات الأسرة واحتياجاتها ومشاعر أفرادها، فالشاب قد يجد نفسه أمام الموازنة نفسها: بين استقلاله الشخصي ووفائه لعائلته، وبين ما يرغب فيه، وما يشعر بأنه مسؤول عنه تجاه من رعوه.

وهنا تصبح المسؤولية، كما يقول برهومة، ليست نقيضاً للحرية، وإنما صارت جزءاً من تعريفها: «هل أكون حراً حين أفعل ما أريد، أم حين أستطيع أن أتحمل نتائج ما أفعله؟».

لماذا يستطيع سبايدرمان أن يولد من جديد؟

من توبي ماغواير إلى أندرو غارفيلد ثم توم هولاند، ومن بيتر باركر إلى مايلز موراليس، مرت الشخصية بصيغ وأجيال مختلفة، ومع ذلك ظلت قادرة على العودة مرة بعد أخرى.

ويفسر برهومة ذلك بأن الشخصيات الشعبية الكبرى لا تعيش داخل قصة واحدة، بل تمتلك «نواة درامية» تسمح بإعادة تفسيرها.

قد تتغير الملامح الخارجية والتفاصيل الاجتماعية والشخصيات المحيطة بالبطل، لكن الأسئلة الجوهرية تظل كما هي: كيف أتعامل مع القوة؟ ما مسؤوليتي تجاه الآخرين؟ كيف أوازن بين حياتي الخاصة وواجبي؟ وما الثمن الذي أدفعه مقابل اختياراتي؟

كما سمح تعدد النسخ بتوسيع مفهوم من يستطيع أن يكون بطلاً، وفتح الباب أمام شخصيات مثل مايلز موراليس، الذي قدم لجمهور جديد مدخلاً مختلفاً إلى عالم «سبايدرمان» من دون التخلي عن جوهر الأسئلة الأخلاقية، التي قامت عليها الشخصية.

وربما هنا تحديداً تكمن الإجابة عن السؤال الذي يبدأ من دبي وينتهي في نيويورك، فالفتى العربي لا يحتاج إلى أن يعيش في كوينز لكي يفهم بيتر باركر، ولا يحتاج إلى أن يتسلق الجدران لكي يتخيل نفسه مكانه.

يكفي أن يكون قد شعر مرة بأنه مختلف، أو خاف من الفشل، أو أراد أن يقبله الآخرون، أو اضطر إلى الاختيار بين ما يريده وما يجب عليه فعله.

عندها يصبح القناع مجرد تفصيل.

أما البطل الحقيقي فهو ذلك الشاب المرتبك الذي يحاول أن يجد مكانه في العالم.