في عام 1927، نشر إرنست همنغواي قصة قصيرة لا تتجاوز عشر صفحات بعنوان «القتلة» (The Killers)، لتصبح درساً بليغاً في تطبيق نظريته الشهيرة المعروفة بـ «جبل الجليد» (Iceberg Theory). وتبدو الحبكة في ظاهرها بسيطة ومخادعة؛ إذ يقتحم قاتلان مأجوران مطعماً صغيراً في بلدة نائية لتصفية ملاكم سويدي متقاعد يُدعى أول أندرسون. وعندما يركض فتى من سكان البلدة لتحذير الملاكم السويدي من الخطر المحدق به، يكتفي الرجل المحكوم عليه بالفناء بقول: «لقد اقترفت خطأً ما.. ذات مرة».
أنهى همنغواي قصته عند هذا الحد تماماً، تاركاً القارئ في حيرة وتساؤل عما يمكن أن يدفع رجلاً للاستسلام الكامل لعملية إعدامه وتصفيته. وتطلعت هوليوود إلى هذا الفراغ وهذا الغموض، فوجدت فيه كنزاً ذهبياً وثميناً؛ حيث حولت تلك الصفحات العشر إلى علامتين سينمائيتين وفصلين بارزين اختلفا جذرياً في الرؤية والمعالجة البصرية، وبفارق زمني بينهما امتد لثمانية عشر عاماً.
يُعتبر الاقتباس السينمائي الصادر عام 1946، والذي أخرجه «روبرت سيودماك»، جوهرة التاج لسينما «النوار» الكلاسيكية (Classic film noir) على نطاق واسع. يفتتح الفيلم أحداثه بمشهد يمتد لإحدى عشرة دقيقة، يعيد فيه تجسيد مشهد المطعم من قصة همنغواي حرفياً وبدقة متناهية تقريباً.
لكن بمجرد أن ينجح القاتلان المأجوران في تصفية وإعدام الملاكم السويدي (الذي جسده الشاب «بورت لانكستر» في أول ظهور سينمائي له)، ينحرف الفيلم بشكل حاد عن النص الأصلي.
وبما أن همنغواي لم يمنح شخصياته أي خلفية تاريخية، فقد صاغ كاتب السيناريو «أنتوني فيلر» ومعه الكاتب العبقري «جون هيوستون» (الذي لم يُدرج اسمه في التترات لأسباب تعاقدية) أحجية بصرية بارعة تحاكي أسلوب الفيلم العظيم «المواطن كين»؛ حيث يتحرك محقق من شركة تأمين كبديل لرجال الشرطة، ليفك شفرات ماضي الملاكم السويدي عبر سلسلة من المشاهد الاسترجاعية.
تعد نسخة عام 1946 عالماً مصاغاً من إضاءة تصويرية بيضاء وسوداء بالغة العتمة والظلال، تجسد مشاعر الخيبة والانكسار النفسي التي تلت الحرب العالمية الثانية، مع حضور آسر للممثلة «أفا غاردنر» في دور «كيتي كولينز» المرأة اللعوب والمخادعة.
ومع مطلع ستينيات القرن الماضي، كان «النوار الكلاسيكي» قد وُورِيَ الثرى، ليحل محله أسلوب فني وبصري معاصر ينتمي لسينما الـ «بوب آرت» (Pop-art)، غارق في الأنوار الفوسفورية والنيون المشع. وفي هذا السياق، التقط المخرج «دون سيغل» (الذي سيخرج لاحقاً تحفته الشهيرة Dirty Harry) ذات الفكرة التأسيسية، ليقلبها رأساً على عقب في نسخته المُعاد إنتاجها عام 1964.
فبدلاً من محقق شركة التأمين الذي ينقب في طيات الماضي، لدينا القاتلان المأجوران —اللذان جسدهما «لي مارفين» و«كلو غولاغر» بكاريزما باردة تثير القشعريرة— هما أنفسهما المحققين في الجريمة.
فبعد تصفيتهما بدم بارد لسائق سيارات السباق «جوني نورث» (الذي أدى دوره جون كاسافيتس)، تملك شخصية «مارفين» هوس لمعرفة السبب الذي جعل الضحية يمتنع عن الهرب والاستسلام لحتفه.
وتشتهر نسخة عام 1964 بعنفها الفج، كما يكتسب هذا العمل مكانة تاريخية فريدة لكونه شهد آخر ظهور سينمائي للممثل «رونالد ريغان» قبل ولوجه عالم السياسة؛ إذ انسلخ ريغان تماماً عن نمطه المعتاد وبطولاته الخيرة، ليجسد شخصية «جاك براونينغ»، زعيم العصابات القاسي والمثقف.
وفي لقطة مذهلة من تداخل التاريخ الفني بالسياسي شاهد الجمهور رئيس الولايات المتحدة المستقبلي وهو يصفع شريكته في البطولة «أنجي ديكنسون» على وجهها وهو الدور الذي نُقِل عن ريغان ندمه العميق عليه لاحقاً، تزامناً مع انتقاله إلى معترك الحياة السياسية.
عُرف عن إرنست همنغواي عداؤه الشديد وعدم تقبله للاقتباسات الهوليوودية لأعماله، إذ كان يتعامل معها غالباً بوصفها تشويهاً رخيصاً ومبتذلاً لنصوصه؛ غير أن نسخة عام 1946 من فيلم «القتلة» كانت الاستثناء الأبرز لهذه القاعدة.
فقد أبدى همنغواي إعجاباً حقيقياً وعميقاً بفيلم سيودماك، واشتهر بوصفه له بأنه «الفيلم الجيد الوحيد الذي صُنع عن قصة من قصصي على الإطلاق». و لم يتسنَّ لهمنغواي مشاهدة نسخة عام 1964 بأسلوبها المعاصر؛ إذ غيبه الموت عام 1961، لتبقى نسخة عام 1946 بمثابة عمله السينمائي المفضل والنهائي بلا منازع.