لم تعد هوليوود تلك القلعة البعيدة التي لا يدخلها إلا من وقف طويلاً على أبواب الاستوديوهات، يحمل ملفاً وسيرةً ورسالة توصية. لقد تغيّر الطريق، وربما تغيّر الحلم نفسه. صار المخرج الجديد لا يأتي دائماً من مدرسة سينما عريقة، ولا من مساعدات طويلة في مواقع التصوير، بل من يوتيوب، ومن غرفة صغيرة، ومن شاشة مضاءة في آخر الليل، ومن فكرة غريبة علقت في خيال الملايين.
هذا ما يحدث اليوم مع جيل Z، الجيل الذي لم ينتظر إذناً من أحد كي يصنع صورته. جيل تعلّم أن يجرّب أمام الجمهور، وأن يخطئ علناً، وأن يحوّل التعليقات إلى مختبر، والمشاهدة إلى اختبار، والانتشار الرقمي إلى بطاقة دخول نحو السينما الكبرى.
في صدارة هذا المشهد يقف كين بارسونز، ابن العشرين عاماً، الذي تحوّلت سلسلته الفيروسية على يوتيوب "Backrooms" إلى فيلم سينمائي بميزانية بلغت نحو 10 ملايين دولار. الرقم في ذاته ليس ضخماً بمقاييس هوليوود، لكنه صار كبيراً حين اصطدم بشباك التذاكر. فقد حقق الفيلم 81 مليون دولار في افتتاحه المحلي داخل الولايات المتحدة، وبلغ 118 مليون دولار عالمياً، ليصبح أكبر افتتاح لشركة A24 خلال تاريخها الممتد لأربعة عشر عاماً.
المفارقة هنا ليست مالية فقط، بل عمرية أيضاً. فبارسونز أصبح، بحسب ما ورد في "ذا انسنايدر"، أصغر مخرج يتصدر شباك التذاكر المحلي، متجاوزاً الرقم الذي كان يحمله جوش ترانك عندما تصدر بفيلم "Chronicle" عام 2012 وكان عمره 27 عاماً. أما بارسونز، فقد فعلها وهو في العشرين، بعدما كان جيمس وان قد تواصل معه بشأن فيلم "Backrooms" حين كان لا يزال في المرحلة الثانوية.
كأن هوليوود، التي ظلت طويلاً تبحث عن الجيل القادم داخل المكاتب والاجتماعات، وجدته فجأة في مكان آخر: في ممرات اليوتيوب، وبين مقاطع الرعب القصيرة، وفي خيال شاب كان يصنع عالماً كاملاً قبل أن تمنحه الصناعة بطاقتها الرسمية.
ولم يكن بارسونز وحده. فهناك أيضاً كاري باركر، صاحب فيلم "Obsession"، الذي صار بدوره علامة فارقة في هذا التحول. الفيلم، بحسب الأرقام الواردة، أُنتج بميزانية صغيرة جداً بلغت 750 ألف دولار فقط، لكنه تجاوز 150 مليون دولار عالمياً، مع توقعات بأن يتجه نحو 250 مليون دولار. وإذا تحقق ذلك، فسيصبح واحداً من أكثر الأفلام ربحية في التاريخ قياساً إلى كل دولار أُنفق عليه.
هذه الأرقام لا تروي قصة نجاح عادية. إنها تكاد تكون صفعة ناعمة على وجه الصناعة التقليدية. فيلم لا تبلغ ميزانيته مليون دولار، ثم يزاحم إنتاجات ضخمة، ويتحوّل إلى ظاهرة جماهيرية، ويثبت أن الخيال حين يصيب موضعه في نفس الجمهور، لا يحتاج دائماً إلى جبل من المال كي يبلغ القمة.
الأشد لفتاً أن "Obsession" أصبح أول فيلم منذ عام 1982 يحقق زيادة في إيراداته خلال عطلة نهاية الأسبوع الثانية والثالثة خارج موسم أعياد الميلاد. وهذا أمر نادر في زمن تسقط فيه كثير من الأفلام سريعاً بعد أسبوعها الأول. عادةً يأتي الجمهور أولاً بدافع الفضول، ثم يخف الوهج. أما هنا فحدث العكس: ازداد الفضول، واتسعت الدائرة، وتحول الفيلم من عرض إلى حديث، ومن حديث إلى ظاهرة.
هذه ليست مجرد مصادفة. إنها إشارة إلى أن جمهوراً جديداً صار يملك قوة دفع حقيقية. فقد أظهرت الأرقام أن 88% من جمهور افتتاح "Backrooms" كان تحت سن 35 عاماً. وهذه النسبة وحدها تكفي لشرح التحول. نحن أمام جيل لا يكتفي بمشاهدة السينما، بل يعيد تعريف مصدرها وشكلها وإيقاعها. جيل يذهب إلى القاعة حاملاً ذاكرة الإنترنت معه، ويعرف مسبقاً رموز العمل، ونبرته، وأصله الرقمي.
ولذلك لم يكن غريباً أن يقول جيسون بلوم، الذي أنتج الفيلمين، إن يوتيوب أصبح "مكاناً جديداً للبحث عن الجيل القادم من المواهب الخارقة". العبارة تبدو بسيطة، لكنها تختصر انقلاباً كاملاً في منطق الصناعة. فالموهبة لم تعد تنتظر أن تُكتشف في غرفة اختبار أداء أو مهرجان صغير فقط، بل يمكن أن تُكتشف في قناة، أو سلسلة رقمية، أو مقطع يراه الملايين قبل أن تسمع به الاستوديوهات.
الرعب، تحديداً، كان الباب الأوسع لهذا الصعود. ربما لأنه النوع السينمائي الذي لا يحتاج دائماً إلى أموال طائلة بقدر ما يحتاج إلى فكرة نافذة. الخوف لا يُشترى بالميزانية، ولا يُصنع بالمؤثرات وحدها. الخوف الحقيقي يولد من شعور غامض، من مكان غير مريح، من صمت طويل، من ممر لا ينتهي، من إضاءة باردة، من إحساس بأن العالم الذي نعرفه فقد فجأة منطقه.
في "Backrooms"، لا يقوم الرعب على الوحش وحده، بل على التيه. على تلك الغرف الصفراء والممرات الفارغة التي تشبه مكاتب قديمة، أو ذاكرة رقمية متعفنة، أو حلماً رديئاً لا يستطيع صاحبه أن يستيقظ منه. إنه رعب جيل عاش طويلاً داخل الشاشات، ويعرف معنى أن يكون الإنسان محاطاً بالصور والفراغ في الوقت نفسه.
أما "Obsession"، فيبدو أقرب إلى رعب النفس. رعب التعلق، والرغبة، والدوران حول فكرة واحدة حتى تصبح سجناً. ومن هنا يأتي أثره؛ لأنه لا يخيف المشاهد من شيء خارجي فقط، بل يوقظ في داخله شيئاً يعرفه جيداً ولا يحب أن يسميه.
إن صعود مخرجي جيل Z لا يعني نهاية السينما القديمة، لكنه يعني أن السينما لم تعد تسير في طريق واحد. صار لها أبواب جانبية كثيرة، بعضها مضاء بإضاءة يوتيوب، وبعضها يفتح على غرف غريبة لا نهاية لها. ومن تلك الأبواب يدخل اليوم مخرجون صغار في العمر، كبار في الأثر، يحملون معهم خوف جيلهم، وسرعته، وقلقه، وخياله.
ولعل أجمل ما في الأمر أن السينما، كلما ظن الناس أنها شاخت، وجدت من يعيد إليها شبابها. مرة جاءها ذلك من موجة مخرجين متمردين، ومرة من كاميرات مستقلة، واليوم يأتيها من أبناء الإنترنت. من الذين لم ينتظروا أن تصنعهم هوليوود، بل صنعوا أنفسهم حتى اضطرت هوليوود أن تنظر إليهم.