قلّما تتجه الكتابة الفلسفية العربية إلى الشباب بلغة تجمع عمق الفكرة ويسر العبارة، ولهذا يأتي كتاب «مشكلات معاصرة» لفاطمة بنت علي، الصادر عن بيت الفلسفة بالفجيرة ضمن سلسلة كتب الشباب الفلسفية، لِيُشكل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، فالمؤلفة تخاطب قارئاً يقف عند عتبة الوعي، وتأخذ بيده كي ينظر إلى عصره نظرة من يفحص ويسائل، فيرى في الحداثة والاستهلاك وتشظي القيم قضايا جديرة بالتفكير، بعد أن كان يعدّها من بديهيات حياته.



ويكشف بناء الكتاب عن جهد بحثي واضح، إذ ترسم المؤلفة مساراً متدرجاً في ثلاثة أبعاد، تبدأ بالتمييز بين السؤال والمشكلة، مستندة إلى أرسطو وديكارت والتهانوي، لتبيّن أن المشكلة سؤال متأزم يحتاج إلى بناء فكري، ثم تنتقل إلى تشخيص الحاضر، فتعرض الحداثة بثوراتها المتعاقبة، وتفتح ملف ما بعد الحداثة مع ليوتار وإيغلتون، حيث تتشظى الحقيقة وتغدو المعرفة سلعة، وتختم بالبحث عن مخرج أخلاقي، تقابل فيه بين تعريف الجرجاني وواجبات كانط ونفعية ميل وجينالوجيا نيتشه، وتستحضر أوهام بيكون دعوةً إلى عقل نقدي متحرر، ولا يخفى ما يتطلبه هذا الجمع من قراءة واسعة وصبر على تبسيط المعقد دون الإخلال بعمقه.



ويُحسب للمؤلفة أنها تقرأ هذه الأسئلة من موقعها العربي، فتتوقف عند مصطلح القرون الوسطى، لتذكّر بأن ظلام أوروبا زامن ازدهار الحضارة العربية والإسلامية، وتدعو إلى مراجعة المصطلحات الغربية قبل تبنّيها، وفي فصل «أين العربي منهما؟» تحاور طه عبدالرحمن وفيصل درّاج، وتطرح سؤالاً جريئاً عن إمكانية دخولنا ما بعد الحداثة قبل أن نستكمل حداثة وصلتنا ناقصة عبر الاستعمار، وهو موقف يمنح الكتاب هويته، ويجعل القارئ العربي طرفاً فاعلاً في الحوار الفلسفي العالمي.



وتبرز براعة المؤلفة كذلك في قدرتها على وصل الفكر الفلسفي بحياة الشباب اليومية، فالهاتف الذكي والتعليم المصغر وثقافة الاستهلاك السريع، تتحول في صفحاتها إلى نوافذ يطل منها القارئ على مفاهيم كبرى، ويقترب منها دون أن يثقله غموض المصطلح وجفافه، كما أن اتساع مرجعياتها، من ابن مسكويه إلى برتراند راسل، يمنح القارئ الشاب خريطة أولى للتراثين العربي والغربي معاً.

وبهذا يقدم الكتاب نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه الفلسفة حين تخاطب جيلاً جديداً، فكراً حياً يرافق الإنسان في فهم زمنه، ويذكّره بأن فهم الذات يبدأ بفهم الحاضر الذي صاغها، وأن العقل الذي لا جذور له لا يقوى على الصمود أمام رياح التغيير..!