وجوه أقرب إلى البشر، عيون واسعة تحدق في الفراغ، وأجساد لا تبدو دائماً كأنها تنتمي إلى الحيوان نفسه، عند مشاهدة بعض القطط التي تركها لنا فنانو العصور الوسطى، يصعب مقاومة السؤال: هل كان هؤلاء الفنانون يعرفون حقاً كيف تبدو القطة؟

السؤال طريف، لكن الإجابة تكشف شيئاً أكثر إثارة عن الفن والحياة قبل مئات السنين، فهذه القطط الغريبة لم تظهر بهذه الطريقة لمجرد أن الرسامين لم يتقنوا رسم الحيوانات، لفهمها، علينا أن نتخيل زمناً لم تكن فيه الصورة مطالبة بأن تكون نسخة دقيقة من الواقع، وكانت القطة نفسها تحمل معاني مختلفة عما تمثله لنا اليوم.

ويشير تقرير نشره ArtRKL، وهو موقع متخصص في الفن والثقافة وتاريخ الفن، إلى أن فناني تلك المرحلة لم يكونوا يسعون دائماً إلى الواقعية، وأن الحيوانات كان يمكن أن تعكس أفكاراً أخلاقية واجتماعية، وفي حالة القطط، ارتبطت بعض الصور بطبيعتها المستقلة وبنظرة أكثر ريبة إلى سلوكها. 

لكن البحث في مصادر أخرى يرسم صورة أوسع، فالقط في أوروبا في العصور الوسطى لم يكن المخلوق الغامض الذي يظهر في بعض اللوحات فقط، فقد كان موجوداً أيضاً داخل المنزل، وقرب الطعام، وفي الحياة اليومية.

ويشير معهد سوذبي للفنون إلى أن القطط أدت وظيفة عملية في مكافحة القوارض وحماية مخازن الطعام، كما ظهرت في المخطوطات في مشاهد مختلفة وبدرجات متفاوتة من الواقعية والرمزية.

وهذا التناقض مهم، فالقطة التي تبدو لنا اليوم مرعبة في مخطوطة قد تنتمي إلى مجتمع كان يعرف هذا الحيوان جيداً ويعيش معه، لذلك لا تكفي فكرة أن الناس كانوا يخافون القطط لتفسير مظهرها الغريب.

الحيوانات عموماً كانت تمتلك مساحة واسعة في الخيال الفني خلال العصور الوسطى، ويوضح متحف المتروبوليتان للفنون أن الحيوانات، الحقيقية منها والمتخيلة، احتلت مكانة مهمة في الفن والفكر آنذاك، ودخلت في الزخارف وحملت مجموعة واسعة من المعاني الرمزية.

كما ظهرت في كتب الحيوانات المعروفة بـ«Bestiaries»، التي لم تكن تتعامل معها باعتبارها موضوعاً علمياً بالصورة الحديثة، وإنما ضمن عالم يمتزج فيه الطبيعي بالرمزي والعجائبي. 

وهنا يمكن فهم جزء من المشكلة التي نراها اليوم: نحن نحاكم رسماً من عالم قديم بقواعد الصورة الحديثة.

عندما نصور قطة اليوم، نعرف فوراً ما إذا كانت النسب تبدو طبيعية، فلدينا آلاف الصور ومقاطع الفيديو، ونعرف بالتفصيل كيف تنكمش عيناها، وكيف تجلس، وكيف يتحرك جسدها، أما رسام المخطوطات فلم يكن يصنع صورة فوتوغرافية مبكرة، كانت لديه مساحة صغيرة من الرق، ونص يريد تزيينه أو التعليق عليه، وقصة أو رمز يريد إيصاله.

والمخطوط نفسه كان عملاً يدوياً بالكامل، فبحسب متحف غيتي، كانت الكتب في أوروبا قبل العصر الحديث تُكتب وتُزخرف وتُجلد باليد، وكان إنتاجها يمر بمراحل تشمل إعداد الرق والكتابة والرسم والتجليد، وتشير المؤسسة إلى أن المخطوطات الأوروبية والمتوسطية بين نحو عامي 500 و1500 كانت نتاج عملية يدوية معقدة اعتمدت على مواد مثل جلود الحيوانات والأحبار والأصباغ والذهب. 

وهذه النقطة تجعل النظر إلى القطة داخل المخطوطة مختلفاً، فلم تكن الصورة جزءاً من عالم سريع يمتلئ بملايين الصور مثل عالمنا، وإنما عنصراً داخل كتاب مصنوع يدوياً، وقد تظهر الحيوانات كجزء من الزخرفة أو الهوامش أو السرد.

وتشير المكتبة البريطانية إلى أن كتب الحيوانات في العصور الوسطى تقدم مثالاً واضحاً على الطريقة التي استخدم بها البشر الحيوانات كمرآة لأفكارهم ومشاعرهم وصفاتهم، أي أن الحيوان لم يكن دائماً «حيواناً» فحسب داخل الصورة، وإنما وسيلة يستطيع الإنسان أن يتحدث من خلالها عن نفسه وعن العالم المحيط به.

والأكثر إثارة أن القطط لم تكن دائماً شخصيات هامشية أو مكروهة، إذ تكشف دراسة منشورة في The Conversation أن القطط ظهرت في مشاهد منزلية داخل المخطوطات، وأن وجودها قد يشير ببساطة إلى البيئة المنزلية.

وتذكر الدراسة مثلاً قطة تظهر قرب المدفأة في لوحة «العشاء الأخير» لبييترو لورينزيتي، من دون أن تؤدي دوراً في القصة، وإنما كجزء من تفاصيل المكان، كما تشير إلى وجود أسماء لقطط في سجلات ومخطوطات تعود إلى العصور الوسطى، بما يعكس قربها من الحياة البشرية اليومية. 

وهنا تتحول تلك الوجوه الغريبة من صور مضحكة عمرها مئات السنين إلى نافذة صغيرة على الطريقة التي رأى بها مجتمع كامل الحيوانات والفن والعالم من حوله.