في رحلة تتعانق خلالها الذاكرة بالمكان، وتتحول فيها التفاصيل العابرة إلى علامات على درب الهوية، تستعيد الفنانة التشكيلية الإماراتية منال بن عبود، في معرضها الفني «الطريق» الذي احتضنته مكتبة الصفا للفنون والتصميم في دبي، حكاية شجرة الغاف التي بدأت من ظلال الطفولة وامتدت إلى أسئلة الذات والانتماء. فالشجرة التي رافقتها في رحلات البر العائلية، واحتضنت بظلالها دفء الذاكرة، تصبح في أعمالها أكثر من مفردة بصرية؛ إنها بيت رمزي، ودرع للهوية، وأثر يتجدد كلما أعادت النظر إلى الطريق.

وبين طبقات اللون الشفافة والخامات المتنوعة، تمضي في مسار فني ووجداني لا يقود إلى وجهة واحدة بقدر ما يكشف عن معنى الفن حين يصبح بحثاً صادقاً عن الذات، وعن أثر تتمنى الفنانة أن يبقى ممتداً في وجدان المتلقي، كما تمتد ظلال الغاف على الأرض.



معانٍ عميقة



وتؤكد منال بن عبود، في حديثها لـ«البيان»، أن المعرض يمثل رحلة تجسّد مسيرتها الفنية والوجدانية للتعبير عن ذاتها وأفكارها القريبة إلى قلبها وما تحمله من معانٍ عميقة، موضحةً أن شجرة الغاف برزت بشكل واضح وجليّ في جميع أعمالها المعروضة.

وتشير إلى أن اختيارها هذه الشجرة بالتحديد جاء باعتبارها رمزاً حياً يعبّر عن دولة الإمارات العربية المتحدة، ويستحضر ذكريات الطفولة والرحلات العائلية إلى البر برفقة جدها، رحمه الله، حيث كانت العائلة تتفيأ ظلال أكبر وأجمل أشجار الغاف التي تجمع شملهم، لافتةً إلى أن شجرة الغاف تجسّد بالنسبة إليها مشاعر الحب والانتماء والارتباط الوثيق بالوطن.

وتوضح أنها تشعر، أثناء تنقلها بين دبي وأبوظبي ورؤيتها لأشجار الغاف الممتدة على جانبي الطريق، وكأنها بين أفراد عائلتها الذين ينادونها، ما يدفعها إلى تأملها باستمرار في مختلف الأوقات والظروف والأزمنة من زوايا متعددة، مضيفةً أن الغاف ليس مجرد عنصر طبيعي في لوحاتها، بل هو جزء لا يتجزأ من أسرتها وهويتها الوطنية.

وتبيّن أن الشجرة ظهرت في بعض أعمالها الفنية برمزية «الدرع» ووسيلة الحماية والمنعة ضد أي مؤثرات خارجية، حيث حرصت على نقل هذه المشاعر العميقة ورؤيتها الخاصة للجمهور من خلال لوحات المعرض، مؤكدةً حرصها على انفتاح تجربتها الفنية على مختلف الوسائط والخامات.



انسجام بصري



وتذكر منال بن عبود أنها تستخدم الألوان الزيتية، والأكريليك، والأقلام الخشبية، والفحم، وأن ذائقتها وتجربتها جعلتاها تتجه نحو أسلوب «الشفافية» وتطبيق الألوان على شكل طبقات ناعمة وخفيفة، مبينةً أنها تتجنَّب في لوحاتها الكثافة اللونية لتمنح متلقي العمل شعوراً بالراحة والانسجام البصري.

وتستعرض محطات من مسيرتها العملية، حيث عملت معلِّمة للفنون خلال 22 عاماً قبل أن تتخذ قرار التقاعد عام 2020، موضحةً أنها مرَّت بمرحلة من البحث والتأمل امتدت خمس سنوات لاستكشاف المعنى والطريقة الأنسب لتقديم رؤيتها الفنية ولذاتها أمام المجتمع.



أثر مستدام



وتلفت منال بن عبود إلى أن «الطريق» يمثل خيارها الشخصي المستقل وتأكيداً لهويتها الفنية المتفردة التي تعبّر عن تجاربها ومشاعرها الخاصة دون الانشغال بالمقارنة مع الآخرين، مشددةً على أن ما يعنيها بالدرجة الأولى هو التعبير الصادق عن الأحاسيس والقيم التي تؤمن بها، وتحقيق طموحها بترك بصمة وأثر مستدام في المشهد الثقافي والفني، تماماً كالأثر الذي تتركه شجرة الغاف بظلالها الممتدة على الأرض.

وحول تحضيرها لمعرضها الفني، تكشف أن إنجاز الأعمال استغرق نحو 10 أشهر من العمل المتواصل، مشيرةً إلى أن العملية الإبداعية ليست مساراً سريعاً، بل تتطلب العودة إلى الداخل والتأمل الصادق لاكتشاف الهوية الشغوفة وما يمثله الفن للفنان، وما يود أن يتركه من أثر في ذاكرة الجمهور، داعيةً كل فنان إلى اختيار طريقه الخاص والاستقلال برؤيته الفنية؛ لأن الصدق مع الذات هو الضمانة الحقيقية للوصول المباشر إلى وجدان المتلقي وإحساسه.