«همس المفردات» للفنانة التشكيلية الرائدة نجاة مكي، شذرة من مسيرة عقود تأخذنا إلى تأويلات ومشاهد متتالية أقرب إلى سِيَر وأزمنة ومشاعر، عبر «لغة صامتة» صاغها حوار الماء والصخر والسماء.

ومتأرجحاً ما بين الضوء والملمس والمفردة ذاتها، سواء كانت جبلاً أو سماءً أو حتى بحراً، يلتقط مرتاد المعرض الذي يستمر حتى 31 أكتوبر، بصالة «إياد قنازع غاليري» في العاصمة أبوظبي لمحةً من أسلوب فني يمكن التعرّف إليه بوصفه «أسلوب نجاة مكي».

تخبر ضربات الفرشاة العالقة على اللوحة عن همس أفصحت عنه الفنانة في سكونها المعتاد، لتفسح المجال لبناء علاقة أوثق بين العمل والمتلقي. فبذات القدر الذي يمنحه الحديث من قوة، فضّلت الفنانة منح الصمت ولغة الأعمال السرية فسحة أكبر، معربة عن أن قراءة المتلقي لأعمالها لا تقل أهمية عن العمل نفسه، وأن تلك المفردات الدقيقة تمنح إحساساً إنسانياً يعيدنا إلى علاقتنا بالطبيعة.

ومن بعيد تستقر المفردة في العين، فيما يكشف الاقتراب طبقاتها؛ ملمس يتراكم، وفراغ يجاوره، وتفاصيل لا تظهر دفعة واحدة. وفي إحدى اللوحات بدا الجبل بشخصية تتشكل من البروز والخشونة وثقل الكتلة، فيما بقي اللون حاضراً بذاكرته، كأن الطبيعة لا تُستعاد في صورتها فحسب، بل في ملمسها أيضاً.

ويكشف التفاوت الواضح في أحجام الأعمال جانباً آخر من التجربة، مستدعياً محطة في مسيرة نجاة، وتحديداً فترة إقامتها الفنية بمدينة باريس، حيث توسعت الفنانة في الرسم على لوحات أكبر؛ عُرض بعضها، فيما لم تتح أعمال أضخم للجمهور نظراً لمساحة الغاليري المحدودة، بحسب القيّمة الفنية ريم فضة، التي رافقت الحضور والفنانة في جولة بين الأعمال.

ولعل أجمل الالتقاطات تتبدى عند اللوحات العصية على القراءة؛ تلك التي تحتفظ بالغموض جزءاً من علاقتها بالكتلة والضوء والتكوين، في استدعاء لما تتنفسه مكي عبر اللون والملمس بوصفهما ذاكرة. وقد فسّرت ذلك عند إحدى لوحاتها قائلة: «نلاحظ هذه التفاصيل؛ هنالك تركيز على الجبل والحجر أو الصحراء والواحة وعلاقتها بالفراغ والطبيعة، فإذا ما سقط حجر تتشكل فجوة.. وبالمثل ينطبق الأمر على البشر أنفسهم».

في أعمالها المعروضة تتجاوز المفردة شكلها المباشر؛ الحجر ليس حجراً وحسب، والجبل لا يستقر بوصفه مشهداً طبيعياً. ثمة أثر يتركه حضور الأشياء وغيابها، وهو ما يفتح المعرض على تأمل أوسع في قدرة الخالق ونظامه دون أن تفقد اللوحة لغتها الخافتة.

قبل الوصول إلى الغاليري، كنت أتساءل عن مسماه، بيد أن الأعمال أجابت عما اختزلته نجاة مكي في أن كل عنصر في الطبيعة هو «مفردة»؛ الورقة والكائن وحتى الأثر الذي يتركه وراءه يحمل المعنى ذاته. ووراء كل أثر معنى أبعد بكثير مما نقرأه بصورة مباشرة، ليمس في عمقه «الروح». وبين أزرق البحر والسماء والليل، وحضور الملمس تتشكل بقية مفردات هذا الهمس.

هكذا تستنطق مكي عبر أعمالها ما وراء المرئي: العناصر الأولية والأشياء التي لا نفهمها أو نستوعبها كلياً، ومع ذلك نشعر بضرورة الاحتفاظ بها بوصفها شيئاً ثميناً.