تواصلت يوم الأحد (27 سبتمبر) فعاليات الدورة الثالثة عشرة من مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، الذي تنظمه دائرة الثقافة سنوياً، ويعنى باكتشاف وإبراز المواهب المسرحية؛ حيث انعقد في الفترة النهارية الملتقى الفكري المصاحب للمهرجان تحت عنوان «المسرح العالمي ودوره في تطوير المواهب الإخراجية»، الذي أقيم بجمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح على مدار جلستين، وناقش أثر الأعمال المسرحية الخالدة في صقل إمكانات المخرجين الجدد، وذلك بحضور أحمد بورحيمة، مدير إدارة المسرح بدائرة الثقافة مدير المهرجان.
وفي الجلسة الأولى، التي أدارها الفنان الإماراتي إبراهيم سالم، تحدثت أولاً الباحثة المسرحية المصرية الدكتورة رانيا فتح الله، التي جاءت مداخلتها بعنوان «استلهام المسرح العالمي وأثره في رؤية المخرج الهاوي»، وسلطت من خلالها الضوء على دور روائع المسرح العالمي في تمكين المخرج المسرحي الهاوي من الأدوات والمهارات التي تسهم في بناء شخصيته وإدراكه لكيفية تشكيل خصوصيته الإخراجية. وأشارت إلى أن الاستلهام لا يعني التقليد، بل يمثل عملية تحليل وتأويل لإعادة صياغة النص المسرحي، وفق منهجية فنية مستقلة.
واستعرضت تجارب عملية لمخرجين مصريين شباب استلهموا مسرحية «هاملت» لتقديم رؤى نفسية واجتماعية وسياسية متنوعة، وأكدت في ختام مداخلتها أن التراث العالمي يمثل محفزاً هائلاً، يتيح للمخرج الهاوي أن يصنع تجربته الفنية الذاتية، ويرسخ هويته الشخصية.
وجاءت الورقة الثانية في الجلسة الأولى للملتقى تحت عنوان «الكلاسيكيات ومسارات بناء الوعي الإخراجي: أي مفارقات؟»، وقدمها الباحث المسرحي التونسي عبد الفتاح الكامل، وناقش من خلالها علاقة المخرج الواعد بنصوص المسرح العالمي، موضحاً كيف تبني هذه «الكلاسيكيات» وعي المخرج وأبجديته الفنية، لا سيما حين ينجح هذا المخرج في تفادي الامتثال التام للنص وتحويله إلى كتابة ركحية حية.
كما تحدث عبد الفتاح عن تحديات التجارب المسرحية الخاصة بالهواة، والمفارقات الجمالية المرتبطة بالجسد والسينوغرافيا والترجمة الثقافية عند تعاملهم مع نصوص المسرح العالمي، مشدداً على أن نجاح العرض المسرحي الذي ينجزه المخرج الهاوي استناداً إلى نص عالمي يتطلب ممارسة «الخيانة الخلاقة»، وخلق حوار حي مع المتلقي الراهن.
وفي الجلسة الثانية التي أدارها الفنان الإماراتي عبدالله مسعود، تحدث أولاً الفنان السوري الدكتور جمال المنير عبر ورقة عنوانها «تفتح المهارة الإخراجية بين النص والعرض»، استعرض من خلالها جملة من الأدوار التي ينهض بها النص المسرحي العالمي في تكوين المخرج الشاب؛ من ذلك أنه يسهم في بناء العقلية «الحدثية» لديه، ويدربه على استخراج المعاني الكامنة في النصوص، وينمي تفكيره في بناء الخط الدرامي للعرض وتوليد الأفعال.
مبيناً أن نصوص شكسبير على سبيل المثال تقف بالمخرج الشاب في مواجهة البناء الدرامي المعقد ومعالجة الصراعات الإنسانية الكبرى، ما يمكن أن يسهم في تشكيل الرؤية الأخلاقية والروحية للمخرج الشاب.
وفي ورقته المعنونة «النص المسرحي العالمي والمخرج الواعد.. المعنى والسياق» ركز الباحث السوري، مطر حسين، على خصوصية النصوص المسرحية العالمية القصيرة في تطوير الإمكانات الفنية لدى المخرجين الجدد، مشيراً إلى أن النص القصير يفرض تكثيفاً عالياً في البنية والعلاقات والزمن، ما يلزم المخرج بقراءة واعية لدلالة كل تفصيل.
واستعرض مطر مسار تحول النص من القراءة الدراماتورجية المجردة إلى صياغة الفرضية الإخراجية، ومن ثم إلى التجريب العملي على الخشبة من خلال أدوات العرض المختلفة (كالجسد، الإضاءة، الموسيقى، الزمن، والمسافة)، مؤكداً أهمية عملية «الانتقاء والاتقاء» في بناء الإيقاع الداخلي للعرض، وتحديد موقع المتلقي.
وجاءت المداخلة الأخيرة في الملتقى بعنوان «النص المسرحي العالمي.. التباين الثقافي رؤية إخراجية»، وقدمها الباحث التونسي الدكتور سامي عمري، الذي بيّن كيف يمثل النص المسرحي العالمي مادة ثرية وقابلة للتجديد، تسهم بشكل مباشر في تطوير قدرات المخرج الشاب وصقل خبراته، وذلك من خلال توسيع أفقه الفني والتخييلي، واكتساب آليات للتحليل.
حيث تفرض النصوص المسرحية العالمية على المخرج الغوص في التفاصيل، وفهم دوافع الشخصيات وتفكيك الأحداث، واستنطاق المعاني الدفينة، كما أن المخرج الشاب من خلال التعامل مع هذه النصوص يتعلم كيفية إعادة كتابة الخطاب المسرحي وصياغة الرؤى البصرية والجمالية (كالسينوغرافيا والإضاءة) لتناسب ذائقة المجتمع والعصر، كما أن العودة إلى المدارس المسرحية العالمية والعربية الكلاسيكية تمنح المخرج خبرة ميدانية في كيفية إسقاط التحديات الإنسانية الكبرى على واقع المتفرج المعاصر وربط الماضي بالحاضر.
وفي ختام الملتقى قدمت علياء الزعابي منسقة المهرجان شهادات تقدير ومشاركة للمساهمين في الملتقى.