في مستهل كتاب «الرسائل» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تطالعنا حكمة تصلح أن تكون بوابة إلى عالم من المعاني، واستهلالاً لسيرة القيم التي لا تنتهي بانتهاء أصحابها: «الحكمة أن لا نبني فقط شيئاً للناس، بل أن نبني شيئاً فيهم.. والأمانة أن تترك شيئاً يمكن أن يختصر الطريق لمن يحمل من بعدك الأمانة».
عبارة لا تقف عند حدود البلاغة، بل تفتح أبواب التأمل في معنى الأثر الإنساني، وفي تلك المسؤولية الأخلاقية التي تجعل من بناء الإنسان أسمى من بناء الأشياء، ومن توريث الحكمة أعظم من توريث المنجزات. وكأنها تختصر فلسفة الكتاب كله: أن تكون التجربة أمانة، وأن تتحول المعرفة إلى عطاء، وأن تظل الكلمات قادرة على صناعة الحياة بعد أن ينقضي زمن الأحداث التي أنجبتها.
ومن هذه العتبة المضيئة تتوالى رسائل سموه، لا بوصفها أقوالاً عابرة، وإنما باعتبارها عبارات قد تصبح وسماً في ذاكرة الوعي، وربما منهج حياة نحمله معنا وتحمله أجيال قادمة، تستضيء به كلما التبست عليها الدروب.
فالكتاب ليس مجرد استعادة لستين عاماً من التجربة، وإنما محاولة لمنح تلك التجربة حياة أخرى تمتد للأجيال القادمة؛ كلمات تولد من المواقف، وتنضج بالحكمة، وتتحرك بين الناس ككائنات حية، تحمل الأمل والثقة والتفاؤل، وتواصل رحلتها عبر أجيال قد لا تعرف تفاصيل الأحداث، لكنها تستطيع الإفادة من دروسها.
ست وعشرون حكاية.. ورواية واحدة للعمر
تتجلى خصوصية «الرسائل» في بنيتها السردية التي تتيح قراءتها بوصفها رواية مركّبة، تتجاور فيها الحكايات المستقلة لتصنع صورة كلية أوسع من مجموع أجزائها.
فهي ليست رواية تقليدية تقوم على حبكة واحدة وشخصيات تتطور عبر مسار متصل، وليست مجموعة قصصية يجمع حكاياتها موضوع مشترك فحسب. إنها ست وعشرون رسالة، لكل منها شخصياتها وأحداثها ومشاهدها وزمنها وتجربتها الإنسانية، لكنها ترتبط جميعاً بخيط واحد يتمثل في حياة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ورؤيته للإنسان والعمل والقيادة والوطن والمستقبل.
وفي هذا التكوين، تحتفظ كل رسالة باستقلالها النسبي، بينما تكتسب معناها الأوسع من انتمائها إلى البناء الكلي؛ فتتقاطع الأزمنة، وتتعدد الشخصيات، وتتراكم المواقف، لتشكل رواية العمر في صورة متعددة الوجوه، موحدة الروح والغاية.
وهنا يتحول الحدث إلى حكاية، والحكاية إلى معرفة، والمعرفة إلى أثر. فلا يكتفي القارئ بمتابعة ما جرى، بل يكتشف الظروف التي ولدت فيها الأفكار، والمواقف التي اختبرت القيم، والأشخاص الذين أسهموا في تشكيل التجربة.
ولعل هذا البناء هو ما يمنح «الرسائل» خصوصيتها؛ فهي لا تروي حكاية واحدة عبر ست وعشرين رسالة، بل تجعل من ست وعشرين حكاية متمايزة سيرة إنسانية كبرى، لا تقوم وحدتها على تسلسل الأحداث، وإنما على وحدة التجربة وتراكم الحكمة وامتداد الأثر.
الشخصيات.. حيوات تصنع التجربة
لا يتحرك صاحب «الرسائل» وحيداً داخل حكاياته؛ فالشخصيات التي عرفها ورافقته وأسهمت في تشكيل تجربته تمنح الكتاب عمقه الإنساني والسردي.
يحضر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بوصفه مدرسة في الحكمة والرحمة والقيادة، إذ يقول سموه: «تعلمت من زايد كيف يمكن أن يكون الوطن رحيماً بأبنائه.. كريماً مع ضيوفه.. عادلاً حتى مع أعدائه».
ويحضر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم من خلال دروس الأبوة والانضباط والعمل، وفي «رسالة إلى أبي» يستعيد سموه قوله: «علمني أبي أن ساعات الفجر الأولى هي أعظم الأوقات، وأفضلها لاتخاذ القرارات والتفكر في مختلف الموضوعات ومتابعة أهم المشروعات».
وكأن الفجر هنا ليس موعداً لبداية النهار فحسب، بل ميراثاً من الحكمة والانضباط، وبركة تتجدد مع كل صباح، ودرساً في أن العمر يقاس بما نوقظه فيه من عمل وأمل.
وتبرز شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في رسالة تتناول الأخوة ورفقة المسيرة ووحدة المصير.
ثم تتسع دائرة الشخصيات لتشمل الأبناء والآباء والأمهات والمعلمين والشباب والقيادات وفريق العمل وشهداء الوطن. وهؤلاء ليسوا مجرد مخاطَبين في رسائل منفصلة، بل يمثلون وجوهاً متعددة للتجربة الإنسانية، تتقاطع فيها المسؤولية بالمحبة، والقيادة بالتعلم، والتضحية بالوفاء.
القيم.. كائنات حية لا تشيخ
في «الرسائل»، تبدو القيم وكأنها كائنات حية، تولد في وجدان الإنسان، وتنمو معه، وتكبر بتجاربه، غير أنها لا تشيخ ولا تفنى، لأنها لصيقة بكل حياة كريمة، وأصيلة في كل نفس تتطلع إلى الخير والمعنى والجمال.
فالتواضع روح العظمة، والثقة جناح الإنجاز، والخيال بداية الممكن، والحلم أفق لا تحده المسافات، والتحمل قوة النفس حين تشتد المصاعب، والصبر حكمة الانتظار والعمل، واليقين بالله نور الطريق وسكينة القلب.
أما الرحمة فهي نبض الإنسانية، ومساعدة الناس غاية النبل، والإخاء والود جسور تعبر بها القلوب نحو بعضها، ويأتي البكور وبركة الفجر ليمنحا الحياة معنى متجدداً من الجد والنشاط والأمل.
وفي قلب هذه القيم جميعاً يستقر الإيمان بالله، أصلاً راسخاً تتفرع منه معاني الخير، وتستمد منه الروح قدرتها على الثبات والتجاوز.
ومن العبارات التي تمنح هذه الرؤية عمقها الإنساني ما يورده سموه من أن «الحياة تقوم على الرحمة»، وأن « أصحاب المعروف والإحسان اقرب الناس إلى رب الناس».
وتتسع دائرة العطاء في رسالته على القيادات الشابة: «من عاش لنفسه مات معها، ومن عاش للآخرين امتد معهم»، لتصبح حياة المرء مقاسة بما يمنحه لا بما يحتفظ به، وبما يزرعه في نفوس الآخرين لا بما يجمعه لنفسه.
وهنا لا تعود القيم مجرد فضائل فردية، بل تصبح أساساً للحياة الإنسانية الصحيحة، وشرطاً أخلاقياً لقيام الحضارة واستمرارها. فالحضارة لا تقوم على العمران المادي وحده، وإنما على الإنسان الذي يمنح ذلك العمران معناه، وعلى الرحمة والعدل والثقة والتعاون والمعرفة التي تجعل من التقدم حياة كريمة، لا مجرد إنجازات تتراكم.
ولهذا تبدو القيم أطول عمراً من أصحابها؛ فهي تبدأ بالتربية، وتنضج بالممارسة، وتنتقل بالقدوة، وتبقى ما بقي الإنسان محتاجاً إلى ما ينظم علاقته بنفسه وبالآخرين وبالحياة.
من بناء الإنسان إلى بناء الحضارة
وتمتد فلسفة «الرسائل» من خلال ثلاثية مترابطة: التجربة، والبناء، والأثر.فالتجربة تمنح الكلمات صدقها، والبناء يحول أحداث الحياة إلى معرفة قابلة للفهم والانتقال، أما الأثر فيمنح هذه المعرفة حياة جديدة داخل المجتمع.
وفي رسالة سموه إلى المعلمين: «علمتني الحياة أن الحضارات تقوم على الأفكار العظيمة، وكل فكرة عظيمة أساسها معلم عظيم».
وتكشف هذه الرؤية أن بناء الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه الحضارة؛ فالمعلم لا ينقل المعلومات وحدها، والقائد لا يكتفي بإصدار القرارات، والأب لا يورث أبناءه ما يملكه فحسب، بل يترك فيهم القدرة على التفكير والاختيار والعمل.
وفي رسالته إلى الإعلامي، يضع سموه، الكلمة في موضع المسؤولية حين يقول: «كلمة الإعلامي هي شرفه ومسؤوليته وإرثه».
فالكلمة ليست أداة للتعبير فحسب، بل أمانة أخلاقية ومهنية، وقد تكون أثراً يبقى بعد صاحبها، بما تحمله من صدق أو معرفة أو قدرة على التأثير في حياة الناس.
أما في رسالته إلى الجيل الجديد، فيقول سموه: «الحكمة ليست أن تعيشوا بعقول آبائكم.. الحكمة الحقيقية أن تعيشوا بقيمهم وأخلاقهم ومبادئهم».
وفي هذه العبارة تتضح العلاقة بين الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل؛ فالأجيال ليست مطالبة بتكرار أفكار من سبقوها أو العيش داخل ظروفهم، وإنما بحمل قيمهم الأصيلة إلى أزمنة جديدة، وصناعة مستقبلها بعقولها وتجاربها.
وهكذا تصبح الحكمة ميراثاً لا يقيد الحرية، بل يمنحها أساساً أخلاقياً، وتصبح التجربة السابقة جسراً للعبور، لا حدوداً تمنع التقدم.
الكلمات.. أعمار أخرى للحياة
للكلمات في «الرسائل» أعمار مختلفة؛ بعضها يولد من لحظة وينتهي بانتهائها، وبعضها يعيش سنوات، وبعضها يعبر القرون، وقد يستيقظ من جديد حين يجد إنساناً يحتاج إلى معناه.
وكما يقول سموه في مقدمة «الرسائل»: «علمتني الحياة أن الكلمة الصادقة، والرسالة المخلصة، والفكرة الحقيقية ستصل وتنتشر وتزدهر».
فالكلمة الصادقة لا تظل أسيرة الزمن الذي قيلت فيه، بل تستطيع أن تبدأ حياة جديدة كلما انتقلت من جيل إلى جيل.
وهنا يصبح للرسالة زمنان: زمن التجربة التي أنجبتها، وزمن الأثر الذي يبدأ بعد وصولها إلى المتلقي. وقد ينقضي الزمن الأول، بينما يظل الثاني مفتوحاً على حيوات لم تكن حاضرة لحظة وقوع الأحداث.
ولعل أعمق صورة يمكن أن نستحضرها لفهم هذه الفلسفة تتجلى في المعنى القرآني للكلمة الطيبة، إذ يقول الله تعالى:
«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ».(سورة إبراهيم: 24–25)
وفي استلهام أدبي لهذه الصورة، تبدو كلمات «الرسائل» أشجاراً إنسانية غرست جذورها في ستين عاماً من التجربة، وامتدت أغصانها نحو أجيال لم تولد بعد.
فالكلمة الطيبة لا تقاس بعمر قائلها، بل بما تمنحه من ثمار تتجدد في حياة الآخرين؛ قد تولد من موقف عابر، لكنها تظل حية في ذاكرة إنسان، وتنتقل منه إلى آخر، فتتحول إلى فكرة أو قرار أو عمل يغير مسار حياة.
وهكذا لا تكون الرسائل مجرد حروف تحفظ الماضي، بل بذوراً للمستقبل، تحمل في داخلها القدرة على الإنبات كلما وجدت عقلاً يتأملها، وقلباً يتلقاها، وإرادة تحول معناها إلى فعل.
قيم ترافق الحياة
في المحصلة، لا يقدم «الرسائل» مجرد سيرة تستعيد ستين عاماً من الحياة، بل تجربة سردية وفكرية تتشكل من ست وعشرين حكاية، تتعدد فيها الشخصيات والأحداث والمواقف، وتتوحد في فلسفة ترى أن التجربة مسؤولية تتجاوز صاحبها.
ولعل ما يمنح هذه الرسائل قابليتها للبقاء أنها لا تتصل بزمن محدد وحده، بل بالقيم التي تحتاج إليها الحياة الإنسانية في كل زمن؛ فالرحمة لا تنتهي صلاحيتها، والعدل لا يفقد ضرورته، والثقة لا تستغني عنها المجتمعات، والحلم والخيال لا تتقدم الحضارات من دونهما.
إنها قيم لا تشيخ لأنها من شروط الحياة الكريمة، وكلمات لا ينتهي أثرها عند حدود صفحاتها، بل تبدأ حياتها الحقيقية حين تتحول إلى وعي وعمل وسلوك.
وهكذا تتحرك «الرسائل» بين الناس، لا لتروي ما عاشه صاحبها فحسب، بل لتمنح ما عاشه فرصة لأن يعيش في الآخرين، وربما عبر قرون.