في مشهد تختلط فيه قسوة الفقد برهافة الطبيعة، انتزعت صورة لأنثى فيل تحمل صغيرها الميت المركز الأول في مسابقة «مصوّر الحياة البرية» لهذا العام، لتقدّم للعالم لحظة تختصر وجع الفراق، وتفتح نافذة على أسرار المشاعر والإدراك لدى الحيوانات.

مشهد مؤلم

التقط الصورة المصوّر الإيطالي فيدريكو فيرونيزي، خلال وجوده في وادي نهر «هواب» في ناميبيا، حيث صادف مجموعة عائلية من الفيلة. وتُظهر اللقطة الصغير مستنداً بين ناب أمه وخرطومها، في مشهد حميم ومؤلم، كأن الأم تحاول أن تتمسّك بآخر خيوط الصلة مع صغيرها الذي غادر الحياة.

جمال الصورة

ومن بين 65 ألفاً و403 صور، قُدّمت من 121 دولة وإقليماً، اختارت لجنة التحكيم هذه الصورة لتتصدّر المسابقة السنوية، في رقم قياسي لعدد المشاركات. ولم يكن الفوز مجرّد احتفاء بجمال الصورة أو براعة التقاطها، بل تقديراً لقدرتها على ملامسة المشاعر وإثارة أسئلة عميقة حول علاقة الحيوانات بالموت والفقد.

سلوك فطري

وبحسب صحيفة «الإندبندنت»، يعكس المشهد سلوكاً رُصد لدى الفيلة الأفريقية والآسيوية على السواء، إذ تُظهر هذه الحيوانات اهتماماً بأفراد مجموعاتها بعد موتهم. ويرى خبراء أن مثل هذه التصرفات قد تشير إلى قدرات إدراكية متطورة، وربما إلى شكل من أشكال الحزن، وإن كانت طبيعة التجربة التي تعيشها الفيلة لا تزال موضع بحث علمي.

وقالت كاثي موران، رئيسة لجنة تحكيم المسابقة: إن الصورة «تقول كل شيء»، موضحة أنها تجمع بين التأثير العاطفي العميق والدلالة الفكرية. وأضافت أن المشهد «مؤلم إلى حدّ القسوة»، لكنه يكشف أيضاً عن قدرات إدراكية لدى الحيوانات، ويجعل المشاهد يتأمل حدود فهمنا لحياة الكائنات التي نتشارك معها هذا العالم.

تفاصيل غنية

وفي فئة الشباب، ذهب لقب «مصوّر الحياة البرية الشاب» إلى البريطاني أوسكار ويتفيلد، المقيم في زيمبابوي، الذي كان في الرابعة عشرة من عمره عندما التقط صورته الفائزة. وقد وثّق بالأبيض والأسود خنفساء روث تدفع كرة من الروث، في مشهد صغير الحجم، لكنه غني بالتفاصيل والدلالات.

إتقان استثنائي

وأشاد عضو لجنة التحكيم جاسبر دويست بالصورة، واصفاً إياها بأنها أُنجزت بإتقان استثنائي، خصوصاً أن تصوير كائن بالغ الصغر وكثير الحركة يتطلب صبراً ومهارة كبيرين. وأضاف أن التكوين المتقن يمنح الصورة حكاية متكاملة، ويكشف كيف تقوم دورات الحياة على كائنات قد نمرّ بها من دون أن نلتفت إليها.

وتواصل الصور الفائزة في الفئات الأخرى رسم لوحة واسعة لتنوّع الحياة على الأرض؛ من فطريات تتوهج بوميض فلوري في اليونان، إلى أخطبوط شائع يطلّ برأسه من بين الطحالب في مياه جنوب غربي إنجلترا، وزوج من طيور «شوبيل» النادرة يجمع مواد بناء عشه في جنوب أفريقيا. كما توثّق إحدى الصور فيلاً ذكراً صغيراً يرشّ مجموعة من الحمر الوحشية بالماء عند بركة.

جوائز أخرى

وفي فئة مجموعات الصور، حصد المصوّر قطب الدين التكريم عن لقطاته التي تكشف العالم الخفي للعفن الغروي في الغابات القريبة من منزله في ويست ساسكس بإنجلترا. أما جائزة المشاركين دون العاشرة، فذهبت إلى أميلي ديفيس، التي التقطت في التاسعة من عمرها صورة لنحلة طنانة شائعة تحطّ على زهرة، مستخدمة هاتف والدها الذكي.

وتُقام المسابقة بإشراف متحف التاريخ الطبيعي في لندن، الذي يحتفي من خلالها بقدرة التصوير على تقريب الإنسان من العالم الطبيعي، وإظهار تفاصيل قد تغيب عن العين في زحام الحياة اليومية.

تصوير تلقائي

وقال مدير المتحف، الدكتور دوغ غور، إن الصور الفائزة تجسّد القوة الاستثنائية لتصوير الحياة البرية، من المشهد المؤثر لأنثى الفيل التي تحمل صغيرها الميت، إلى خنفساء الروث التي تدفع كرة تفوق حجمها أضعافاً. وأكد أن هذه اللقطات تذكّرنا بأن لكل كائن دوراً في شبكة الحياة المعقدة، وأن فهم الطبيعة وحمايتها باتا أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ومن المقرر أن تُعرض الصور الفائزة في متحف التاريخ الطبيعي بلندن، ابتداءً من 16 أكتوبر 2026 وحتى 11 يوليو 2027، قبل أن تنتقل إلى جولة تشمل المملكة المتحدة وعدداً من الدول، حاملةً معها قصصاً من الطبيعة تتراوح بين الحزن والدهشة، وبين هشاشة الحياة وقدرتها المذهلة على الاستمرار.