حين تأتي الأرقام في كتاب «الرسائل» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، فإنها ليست مجرد تفاصيل حسابية لتجربة طويلة في القيادة والعمل والحياة.

استوقفنا رقم 26، لأنه يثير سؤالاً يتجاوز الحساب إلى المعنى: لماذا ست وعشرون رسالة تحديداً؟ ولماذا لم تكن عشرين أو خمساً وعشرين أو ثلاثين؟ والأهم، هل انتهت الرسائل حقاً عند السادسة والعشرين، أم أن هناك رسالة سابعة وعشرين لم تُكتب بعد؟

هذا السؤال الأخير يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة الكتاب؛ فبدلاً من البحث عن سر الرقم، يمكن أن نتأمل ما يتيحه من امتداد للمعنى، وما هي الرسالة السابعة والعشرون، فما هو مضمونها؟

اكتمال المعنى لا اكتمال العدد

للوهلة الأولى، يبدو الرقم ستة وعشرون خارجاً عن الأعداد المستديرة التي اعتدنا أن تكتمل عندها القوائم والمؤلفات. فهو لا يستجيب لمنطق العشرة ومضاعفاتها، ولا يوحي بنهاية حسابية مألوفة. وقد يكون في ذلك، على سبيل التأويل، ما ينسجم مع النهج الذي تعكسه تجربة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في تجاوز المألوف وعدم الوقوف عند حدود التوقعات.

والفهم الأقرب أن الرسائل بلغت هذا العدد لأن الأفكار التي أراد سموه التعبير عنها اكتملت عنده، لا لأن العدد نفسه كان غاية، بل لأن المعنى من الرسائل اكتمل. وهنا تتشكل دلالة تستحق التأمل: أن اكتمال التجربة لا يُقاس باكتمال الرقم، وإنما باكتمال ما تريد التجربة أن تقوله. فالسنوات لا تكتسب قيمتها من عددها، بل مما تتركه من دروس وحكمة وأثر.

ويمكن النظر إلى الرسائل الست والعشرين بوصفها مداخل متعددة إلى تجربة واحدة، لا مجرد موضوعات متجاورة. فهي تنتقل من الآباء والأمهات إلى المجتمع والإعلاميين وفريق العمل، وتمتد إلى الشهداء وجيل الغد والمستقبل، لتكشف عن دوائر متسعة من العلاقات والمسؤوليات.

حين تتحدث الأرقام بلغة الرموز

وإذا أفسحنا مجالاً لقراءة رمزية، وجدنا أن الرقم ستة وعشرين يتكون من اثنين وستة، ويقود مجموعهما إلى ثمانية. وفي بعض التأويلات المتداولة لعلم الأعداد، يرتبط الاثنان بالشراكة والتواصل، والستة بالأسرة والرعاية والمسؤولية، والثمانية بالقيادة والبناء والإنجاز.

هذه التأويلات تتيح ملاحظة تقاطع رمزي مع موضوعات الكتاب. فالرسائل تخاطب الإنسان في علاقاته المختلفة، وتستحضر الأسرة والمجتمع والمسؤولية، وتتناول العمل والإنجاز والمستقبل. وكأننا، في هذه الاستعارة العددية، ننتقل من التواصل إلى المسؤولية، ثم إلى الإنجاز؛ أي من العلاقة بالآخر إلى الالتزام تجاهه، وصولاً إلى الأثر الذي يتركه العمل في حياته.

والمثير في هذا التأويل أن الرقم ثمانية لا يظهر منفرداً، وإنما يأتي نتيجة اجتماع الاثنين والستة؛ وكأن الإنجاز، في هذه القراءة المجازية، ليس ثمرة الإرادة الفردية وحدها، بل حصيلة الشراكة وتحمل المسؤولية والعمل المتراكم. ومع ذلك، تبقى هذه الدلالات احتمالات يثيرها القارئ.

الرسالة التي لم تُكتب

لكن القراءة الأكثر اتصالاً بروح الكتاب ربما لا تكمن في تفكيك الرقم ستة وعشرين، وإنما في التساؤل عما يأتي بعده. فالعدد، بخلاف الأرقام المستديرة، كالعشرة ومضاعفاتها لا يوحي بنهاية مغلقة، بل يترك في المخيلة مجالاً لرسالة سابعة وعشرين، وربما ثامنة وعشرين، لأن التجربة الإنسانية لا تتوقف عند عدد محدد من الدروس، ولا تنتهي عند آخر صفحة في كتاب.

وهذا المعنى يكتسب بعداً إضافياً حين نربطه بالمشروع الفكري «علمتني الحياة». فالحياة لا تتوقف عن تعليم الإنسان، ولا تمنحه شهادة نهائية باكتمال معرفته وتجربته. وكلما اعتقد أنه بلغ نهاية الدرس، وضعته أمام تجربة جديدة تعيد تشكيل فهمه للأشياء.

القارئ يكتب رسالته

وتأتي الرسالة السابعة والعشرون باعتبارها امتداداً معنوياً لما قرأناه؛ رسالة تتحول فيها الحكمة من كلمات مكتوبة إلى مواقف نعيشها، ومن خلاصة تجربة فردية إلى مسؤولية إنسانية مشتركة.

هنا تتجاوز العلاقة بين سموه وقارئ "الرسائل" حدود التلقي. فالرسائل الست والعشرون تحمل خلاصة ما أراد صاحب التجربة مشاركته، أما الرسالة السابعة والعشرون فتبدأ حين يسأل القارئ نفسه: ماذا سأفعل بما قرأت؟

وهنا تصبح الرسالة السابعة والعشرون هي الرسالة التي يكتبها القارئ إلى النفس، أو الأسرة، أو المجتمع، أو المستقبل. وقد تكون عهداً بالوفاء، أو قراراً بتصحيح خطأ، أو التزاماً بمسؤولية، أو بداية عمل يؤجل الإنسان القيام به.

قراءات ممكنة

وتتيح طبيعة النصوص التي تحمل خلاصات التجارب، قراءات ممكنة ومتعددة لان قيمة المعرفة بها لا تنتهي عند حدود ما يقوله الكاتب، بل تمتد إلى ما يفعله القارئ بها. وهكذا يتحول السؤال الأول من «لماذا ست وعشرون رسالة؟» إلى سؤال أكثر ارتباطاً بغاية القراءة: «ماذا بعد الرسائل الست والعشرين؟»

وربما لا تكون الإجابة في رقم جديد، ولا في رسالة إضافية تُلحق بالكتاب، وإنما في إدراك أن ما نتعلمه من الحياة يظل ناقص الأثر ما لم يتحول إلى فعل. فالرسائل الست والعشرون كتبها صاحب التجربة، أما الرسالة السابعة والعشرون فيكتبها كل منا بتجربته، ويوقّعها بثقته، ويصدرها إلى المستقبل، ويثبت صدقها بالوفاء بعهده.

وتكمن إحدى أجمل القراءات الممكنة للكتاب: ألا نغلقه عند الرسالة السادسة والعشرين، بل نفتحه على الرسالة التي تبدأ بنا.