في أوروبا القرن الثامن عشر، لم تكن المقاهي مكاناً لشرب القهوة فقط، كانت مساحة للكلام والجدل وتبادل الأفكار، ففي كتابها «استعادة المحادثة»، تشير عالمة النفس في «إم آي تي» شيري توركل إلى أن كثيرين كانوا يقصدون المقاهي من أجل نقاشات عميقة وحادة ومفتوحة، وتنقل عن الكاتب والسياسي البريطاني جوزيف أديسون قوله عام 1714: «كنت أحرص حرصاً خاصاً على ألا أكون على الرأي نفسه مع الرجل الذي أحاوره».
بعد نحو 300 عام، تغير المشهد، فيمكن للإنسان اليوم أن يطلب قهوته من التطبيق قبل أن يغادر البيت، ويمر بسيارته أمام نافذة الطلبات ليستلم الكوب بلا نقاش أو انتظار أو حتى حديث عابر مع شخص غريب.
هذه التفاصيل الصغيرة تشرح جزءاً من سؤال أكبر طرحته أولغا خازان في «ذا أتلنتك»: هل بدأنا نتحدث أقل؟ ويجدر بنا أن نسأل عن طبيعة الحياة اليومية الآن للتطرق لجذر المشكلة، فالواضح اليوم أن الحياة الحديثة مصممة كي تختصر الكلام، فما كان يحتاج اتصالاً صار ينجز برسالة، وما كان يتطلب سؤالاً صار زراً في تطبيق، وما كان يفتح محادثة عابرة صار خدمة ذاتية صامتة.
الدراسة التي يستند إليها النقاش جاءت من الباحثة فاليريا فايفر وعالم النفس ماتياس ميل، ونُشرت في مجلة «بيرسبكتفز أون سايكولوجيكال ساينس»، المختصة بعلم النفس، واعتمد الباحثان على بيانات صوتية من مشاركين في الولايات المتحدة والمكسيك وأستراليا وأوروبا.
وفي عام 2005، كان متوسط ما يقوله المشارك يومياً نحو 16,632 كلمة، أما في 2019، تراجع المتوسط إلى 11,900 كلمة، أي أن الناس صاروا يتحدثون أقل بنحو 338 كلمة يومياً كل عام، بانخفاض إجمالي يقارب 28% خلال فترة الدراسة.
338 كلمة ليست محاضرة ولا جلسة طويلة، لكنها ليست محادثة واحدة اختفت، بل عشرات اللحظات القصيرة مثل سؤال لموظف، وسلام على جار، وتعليق مع زميل، وجملة مع سائق، وضحكة في المطبخ، لهذا يتعلق الأمر بكون الكلام دليل على أننا ما زلنا نحتك بالعالم.
هناك أسباب واضحة لهذه الظاهرة مثل أن التكنولوجيا جعلت حياتنا أكثر كفاءة وأقل احتكاكاً، كما أن العمل غير المعادلة أيضاً بعد أن تحول إلى مجموعة روابط و"إيميلات".
في الولايات المتحدة، أظهر مسح استخدام الوقت لعام 2024 أن الناس يقضون في المتوسط نحو 35 دقيقة يومياً فقط في التواصل والتنشئة الاجتماعية، كما تشير تحليلات حديثة إلى أن وقت التفاعل الاجتماعي اليومي تراجع من نحو 45 دقيقة قبل عقدين إلى 35 دقيقة.
وحذر تقرير للجراح العام الأمريكي عام 2023 من أن ضعف الروابط الاجتماعية يرتبط بزيادة خطر أمراض القلب بنسبة 29%، والسكتة الدماغية بنسبة 32%، والخرف لدى كبار السن بنسبة 50%، إضافة إلى ارتفاع خطر الوفاة المبكرة بأكثر من 60%.
وقد لا يكون الحل في إجبار الناس على الثرثرة، ولكن في استعادة المساحات الصغيرة للكلام، فالكلام دليل يومي بسيط على أننا ما زلنا مترابطين.