لم تعد بطولة كأس العالم لكرة القدم مجرد منافسة رياضية لحصد الكأس الذهبية، بل تحولت على مدار العقود الماضية إلى كنف ثقافي واقتصادي تتشابك فيه السياسة بالموسيقى. وتلعب «الأغنية الرسمية» للمونديال دوراً محورياً في صياغة الهوية البصرية والسمعية لكل نسخة؛ حيث تطور سلوك الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من مجرد الاعتماد على أغانٍ فردية بسيطة، إلى إصدار ألبومات كاملة متعددة اللغات والفئات للتسويق لأكبر حدث بشري على وجه الأرض، في ظاهرة فنية تخلط بين الموسيقى الشعبية وأرباح المليارات.

منذ انطلاق النسخة الأولى للمونديال عام 1930، غابت الموسيقى الرسمية عن أجواء الملاعب لثلاثة عقود، حتى عام 1962 عندما استضافت تشيلي البطولة. هناك، وتحت غطاء مبادرة محلية غير تكليفية من الفيفا، سجلت فرقة «لوس رامبلرز» التشيلية أغنية «إل روك ديل مونديال». امتزجت في الأغنية الحماسية موسيقى «الروك أند رول» بالجاز، وأداها المغني هيرمان كاساس متأثراً بأسلوب إلفيس بريسلي، لتفجر الأغنية مفاجأة تاريخية بتحقيقها أعلى نسبة مبيعات مادية في تاريخ تشيلي، وتتحول إلى ما يشبه «النشيد الوطني الثاني» الذي قاد البلاد للمركز الثالث عالمياً، مانحةً الفيفا الإلهام الفعلي لمأسسة الأغاني الرسمية.

إلا أن التحول المؤسسي الحقيقي والتكليف الرسمي الأول من قِبل الفيفا لم يولد إلا في مونديال إيطاليا 1990، عبر أغنية البوب روك الخالدة «أوني ستاتي إيتاليانا أو «الصيف الإيطالي» للثنائي إدواردو بيناتو وجيانا نانيني. صاغت الأغنية المشاعر الطفولية وشغف غرف تبديل الملابس و «الليالي الساحرة»، محتلةً الصدارة في إيطاليا، سويسرا، ألمانيا، والنرويج، لتصبح النموذج القياسي لما يجب أن يكون عليه نشيد المونديال.

فرض النمط الموسيقي اللاتيني سطوته التامة كعنصر الجذب الأقوى عالمياً. وفي مونديال فرنسا 1998، أحدث البورتوريكي ريكي مارتن انقلاباً بمحاكاة السامبا والبوب في أغنيته الشهيرة «لا كوبا دي لا فيدا» أو«كأس الحياة». الأغنية التي اكتسحت القوائم العالمية وفازت بالجرافيك، لم تغير مسار مارتن المهني فحسب، بل أشعلت «الانفجار اللاتيني» عالمياً لدرجة قادته للرقص مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في حفل تنصيبه عام 2001؛ وهو اللقاء الذي تحول لاحقاً إلى صدام سياسي شرس بعد انتقاد مارتن العنيف لحرب العراق عام 2007.

أما الظاهرة الفنية التي لا تُنسى، فتمثلت في الكولومبية شاكيرا وأغنيتها لمونديال جنوب أفريقيا 2010»واكا واكا. الأغنية التي دمجت الإيقاع الأفرو-لاتيني واستعارت مقاطع من الأغنية الكاميرونية التراثية «زامينا مينا»، كسرت الأرقام القياسية بدخولها موسوعة غينيس بأكثر من مليار استماع على منصة سبوتيفاي، وتجاوز فيديو الأغنية حاجز الـ 4.5 مليار مشاهدة على يوتيوب. هذا النجاح الاستثنائي جعل من شاكيرا الفنانة الوحيدة التي كُلفت بإنتاج أغنيتين رسميتين للمونديال، متوجة بلقب «ملكة أغاني كأس العالم».

في المقابل، لم تحظَ جميع المحاولات بالنجاح ذاته؛ حيث واجهت أغنية مونديال البرازيل 2014 «نحن واحد لبيتبول وجنيفر لوبيز انتقادات برازيلية حادة بدعوى أنها بوب ممل وعادي يفتقر لأصالة السامبا والبوسا نوفا، مما أجبر صناعها على إعادة إصدار نسخة معدلة بمشاركة فرقة «أولودوم» البرازيلية لإنقاذ الموقف.

تثبت الذاكرة الكروية أن الأغاني التي لم تكلف بها الفيفا رسمياً حققت أحياناً خلوداً جماهيرياً أكبر من الأناشيد الرسمية. وتأتي أغنية «ويفينغ فلاغ» أو «العلم المرفرف» للمغني الصومالي-الكندي كي نان كأبرز دليل؛ فالأغنية التي كتبت في الأصل لمعاناة الصومال وتطلعه للحرية، أعيد صياغتها لتصبح النشيد الترويجي لشركة «كوكاكولا» (الراعي الرسمي لمونديال 2010)، لتجتاح العالم بنسخ متعددة، أبرزها النسخة الإسبانية مع ديفيد بيسبال، والنسخة العربية الشهيرة بصوت الفنانة اللبنانية نانسي عجرم التي ركزت على قيم «اللمة» والتشجيع الإيجابي من القلب.

وفي مفارقة طريفة شهدها مونديال ألمانيا 2006، نجحت الشخصية الكرتونية «الضفدع المجنون» عبر أغنية «وي آر ذا تشامبيونز» في اكتساح الساحة الفنية. الأغنية التي استوحت مقطعها الشهير من فرقة «كوين» البريطانية لعام 1977، تربع بها «الضفدع» على عرش القوائم الموسيقية في فرنسا، إسبانيا، وبلجيكا، وتحول في العالم العربي إلى الأغنية الفعلية للمونديال لدى الأطفال والمراهقين، متفوقاً تماماً على الخيارات الرسمية الصارمة للفيفا، ومؤكداً أن هوى الجماهير وشغفها هو الحكم الأول والأخير في ملاعب الموسيقى والكرة.