تفتح القراءة عوالم لم ترها العين من قبل، تذهب بالخيال إلى حدود اللاممكن، تسكن الإنسان وتشكله من جديد. كتب كثيرة يمكن أننا قرأناها لكن بعضها هو ما سيبقى في الذاكرة.
وعن تلك الكتب تحدث عدد من الكتاب والأدباء لـ(بيان الكتب). كما فسروا من خلال حديثهم كيف يمكن للقراءة أن تنعكس بشكل غير مباشر على إبداعاتهم، الروائية أو الشعرية.. أو النقدية. وكيف يمكن للقراءة أن تحفز الذات لتتوج نصوصا برؤية إبداعية جديدة.
القراءة أولاً
عن الكتاب الذي تأثر به، قال القاص المصري سعيد الكفراوي: لا شك أنه كتاب «ألف ليلة وليلة». كنت في قريتنا وحصلت على ملخص له وقرأت حكايته، فغير من وجهة نظري إلى الدنيا ومفهومي للفن وللجمال. وخلق عندي ملكات القص السحري. وفعلياً، عرفت العالم الآخر مع «ألف ليلة وليلة». إنه كتاب الكتب.
وأضاف الكفراوي: لم تؤثر فيّ، ربما، مفردات كثيرة في البيئة المجتمعية التي نشأت بها، مثلما فعلت الكتب. وهنا يبرز أثر كاتب هائل مثل خورخي لويس بورخيس. فكتابات بورخيس تنهض علــــى بنى حــكايات «ألف ليلة وليلة».
وواصــل الكفراوي: أقرأ لتهيئة الذات، وأنا لا أكتب إلا بعد أن أقرأ قراءة جادة لــــروايات قرأتها سابقا. القراءة الثانيـــة أو الـــثالثة تحيي عالم تلك الروايات، وإحـــياء هذا العالم يفتح أمامي بابا على عالمي الخاص.
وأشار إلى وجود كتب أساسية، مثل (مائة عام من العزلة) لماركيز و(المرايا والمتاهات) لبورخس.. أعمال فوكنر و(الحرافيش) لـ نجيب محفوظ و(بيت من لحم) لـيوسف إدريس. وبين أنه هناك إلى جانبها بعض أعمال أبناء جيله، مثل: إبراهيم أصلان وأعمال عبدالحكيم قاسم. وختم الكفراوي: القراءة تحيي الكتابة وأنا أحب القراءة أكثر من الكتاب، ولو أنني أقرأ كتاباً جيداً وفكــــرة الكتابة حاضرة في رأسي.
النقد والتحليل
قال الناقد الدكتور محمد وجيه فانوس- رئيس اتحاد الكتاب اللبنانيين: كثيرة هي الكتب التي قرأتها وأثرت في تكويني، وتحديد رؤيتي للحياة ومناهج هذه الحياة، ولعلني لا يمكن أن أحصر هذه المؤلفات بسلسلة معينة. وأضاف: لكن أحصرها بنوعية معينة وهي الكتب والمؤلفات التي تتناول طرق التفكير، أو مناهج التفكير عند الإنسان في الكتب العربية.
وأذكر منها الكتب التي وضعها محمد عابد الجابري ومحمد أركون حول العقل العربي أو العقل الإسلامي. وأشار إلى أنه في تفاعله مع هذه الكتب، سواء سلباً أو إيجاباً، أثرت في مسارات تفكيره. وتابع: هنالك كتابات أثرت بي كثيرا، خاصة مجموعة مؤلفات محمد شحرور، ذلك في اللغة العربية. وأما في اللغة الانجليزية فهناك الكثير من الكتب التي تفاعلت معها.
وأكد فانوس أن العقل الإنساني عقل غني جدا إذا أحسن المرء تغذيته بالبرامج الفكرية التي تتيح له التعامل مع الأمور. ولكن إذا لم يحسن المرء تغذيته سيبقى هذا العقل وكأنه مخزن فارغ. وأوضح: تلك العملية كما الحال بالنسبة للكومبيوتر، والذي يحتاج إلى برامج لتغذيته وإلا بقي فارغا، وكذلك العقل الإنساني فـلنملأ العقول بالبرامج التي نراها تتجاوب مع تفكرينا..
مع مشاكلنا واحـــتياجاتنا. وأضاف: ربما نقرأ كتبا لا نتفق إطلاقا مع ما تصل إليه من خلاصات، لكن لابأس، فلنكتشف كيف نعارضها ونناقشها، وكيف نصور ما فيها من أخطاء، بشيء من قبول الآخر والتعامل معه..وكذا علينا السعي إلى التعمق بما يختزنه من رؤى وأفكار.
واستطرد فانوس: اختصاصي الأساس هو النقد الأدبي، وهو حقل دربني على أمر أساسي يتمثل في القدرة على التحليل أو الإمساك بتقنيات التحليل العديدة، وهي في نهاية المطاف، جزء من علم راسخ ولا بد من إدراكه وإدراك نظرياته ومبادئه وطرقه. وأزعم أحيانا أني أمتلك بعض هذه التقنيات..
وهو ما دفعني إلى تحليل واستنتاج كون الصعوبة ليست في عدم امتلاك الكتابة ولكن في امتلاك المادة المعرفية التي أريد أن أكتب عنها. وقال: تكمن الصعوبة في التفكر في الموضوع، أحاول أن أضع له منهجية علمية. وشخصياً لا أجد صعوبة في الأفكار أو التعبير عنها. وهذه نعمة أسعى إلى تغذيتها بالقراءة والإمعان بالقراءة والتحليل.
تجليات
قال الدكتور مبارك سالمين أستاذ علم الاجتماع الثقافي في جامعة عدن- رئيس اتحاد أدباء وكتاب اليمن: الكتب التي كان لها وقع هام في حياتي كثيرة. ولعل من أهمها القرآن الكريم.
كما أن هناك بعض المؤلفات المهمة التي أثرت فيّ عميقاً، مثل:«رأس المال» لكارل ماركس، ذلك لأن دراستي الجامعية الأولى كانت في ميدان الفلسفة، فكان ذاك الكتاب من بين المؤلفات التي ألهمتني وأثرت مكنون طاقاتي الابداعية، فنفحتني مهارات في اللغة والصور التعبيرية.
وأضاف: رغم أن كتاب( رأس المال) كتاب اقتصادي. لكنني استطعت أن أرى فيه لغة شعرية.. لغة فلسفية عميقة، وكذا الحال بالنسبة للكثير من كتب التراث وأيضا المؤلفات المتنوعة من الإنتاج العربي المعاصر، لجملة أدباء، مثل: محمود درويش وأدونيس.
وواصل سالمين: تتجلى القراءات في الكتابة مثل الشجر الذي يتبدى بهياً برونقه وجمالياته في الضوء، وأظن أن العملية مثل انتقاء النص المكتوب بالنص المنتج والتقائه مع نصوص سابقة يجب أن لا يظهر بصورة مباشرة وبصورة فجة.
. لكنه سيظهر، لأنه بقدر ما تتعاظم القراءات لدى المبدع، بقدر ما تتضح هذه الحالات هنا أو هناك على مستوى النفس العام واللغة الشعرية، وأحيانا، على مستوى السياقات الفكرية. كذلك أكد أن النص المكتوب..هو نص كأنما يعيد كتابة نصوص أخرى فلا يوجد شاعر يبدع من فراغ.
ينابيع الكتب
شرح القاص والروائي الفلسطيني الدكتور حسن حميد، رأيه في الخصوص: الكتاب الأهم في حياتي، ولا أزال أعود إليه دورياً، هو كتاب «ألف ليلة وليلة».
وهناك كتاب آخر هو من كلاسيكيات العالم الغربي، وهو «الإلياذة». وأيضا: «دون كيشوت»عند الأسبان والآخر الذي يشبهه أيضا هو كتاب «فاوست» لغوتة. إذ هذه الكتب الأربعة هي بقناعتي الأهم في العالم. إذ إنها أشبه بالينابيع والغابات، ذاك لاحتشادها بالأسرار وبحالات الغموض.
وأضاف: هذه كتب أربعة فيها بقع أرجوانية يستطيع كل واحد منا أن يشكل بقعته الأرجوانية على هواه، ولكن هذه الكتب لا تزال تؤثر، فكتاب «ألف ليلة وليلة» عمره ألف سنة ويبقى مؤثرا في السينما وفي الموسيقى وفي الأطفال وفي فنون المسرح والأدب والفن. واستطرد: للأسف، الكثير من المثقفين العرب لا يعرفون «ألف ليلة وليلة» لتهمة ساقتها التقولات العربية، مفادها أنه كتاب يحتفي بخيانات المرأة.
وهذا ليس صحيحا فهو مرجع في معرفة الاقتصاد العربي في ذلك العصر، وفي معرفة ازدهار الحياة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية بين الناس قبل ألف سنة. كما إنه يعطينا انطباعاً عن الذروة التي وصلت إليها الحضارة حينذاك.
وقال حميد: لـ«ألف ليلة وليلة» سلطة كلام كبيرة هامة، ويكاد يشكل سلطة ثانية بعد جملة كتب فريدة استطاعت أن تؤثر بالعرب وتعيد المسار التاريخي والاجتماعي إلى ما يريد المؤلف. علمني «ألف ليلة وليلة» كيـــف أن الحكـــاية تتناسل من الحكاية، وتعلمت من «دون كيشوت» كيف يمشي الواقع مع الحلم. وكلاهما يكونان في خطين متوازيين ولا يلتقيان، ولكن يتصادمان أحيانا.
وأوضح: نحن كأدباء، عندما نريد أن نكتب رواية، نذهب إلى القراءات من أجل أن نولد شرارات لدينا أو من أجل أن نعيد صياغات أو نعيد كتابات أخرى تتحدث عن هذه الموضوعات الأساسية. لكن القراءة أهم من الكتابة، لأن الكتابة تأتي تتويجاً لمساحة زمنية واسعة من القراءة.
طريقة مغايرة
بين الشاعر العراقي فارس حَرام -رئيس اتحاد كتاب وأدباء النجف، أن الكتاب الذي غير من نظرته للحياة كتاب «علم اللغة العام» لفرديناند دي سوسير. وهو كتاب متخصص باللسانيات. وتابع: ما استفدته منه، الطريقة التي نظر فيها سوسير إلى علم اللغة، إذ إنها تمثل نظرة جديدة.
وهو ما أثر فيما بعد، في الكثير من العلوم والمؤلفات، وحتى بطريقة التفكير بصورة عامة بعده..وفي السيمائية والتفكيكية وغيرها. وتعلمت أن أحلل الأشياء بطريقة مغايرة لما هو معتاد مستفيدا من هذا الكتاب.
واعتبر حَرام أن القراءة وقود الكتاب، وقال: تأتي لحظات على الكاتب يشعر فيها بالجفاف أو التكرار. فتأتي القراءة وتنفذه من هذا التكرار ويبدأ بالاستضاءة بتجارب عظيمة جرت في أي مكان آخر في هذا العالم، وعبر القراءة يدمج الجديد مع تجربته وخبراته، فتغتني ذخيرته الإبداعية من جديد.
وأضاف: تتجلى القـــراءة في الشـــعر، عند قــراءة كمـــــية كبيرة من المؤلفـــات الشـعرية والاطلاع عبرها على مجموعة من التقنيات الشعرية، ذاك لأن الشعر عملية إبداعية. وكلما أطلع الشاعر على شعر كثير، زاد خزينه من التقنيات الكتابية في الشعر. وكلما عرف شعراً آخر كلما عرف أسلوباً في التعبير. إن قراءة الشعر الكثير تمنح الشاعر فرصة للاطلاع على آليات في التعبير الشعري لم يكن قد اطلع عليها من قبل.
الكتب العشرة الأكثر مبيعاً في العالم
يحتل كتاب «جمهورية أفلاطون» المركز الأول في أكثر الكتب مبيعاً في العالم، وفق إحدى الإحصائيات، وهو عرض كبير وصورة دقيقة لكل جوانب الحياة وكافة مظاهر الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، وغير ذلك، لإنشاء دولة جمهورية يسود فيها العلم والعقل. يليه «فن الحرب» وهو أحد أهم المؤلفات العسكرية، ألفه الصيني سون تزو، سنة 600 قبل الميلاد.
والثالث «ألف ليلة وليلة»، الذي يسرد حكاياته في عالم مليء بالجمال والفتنة. والكتاب الرابع «دون كيشوت»: الرواية التي كتبها الإسباني سيرفانتس، والتي بقيت على مدار العصور من أكثر الروايات قراءة.
ويحتل «الأغاني» الذي احتوى على فرائد الأدب، لأبي الفرج الأصفهاني المركز الخامس، يليه :«رباعيات الخيام» لعمر الخيام، «المآسي الكبرى» لوليم شكسبير، «الديكاميرون» لجيوفاني بوكاشيو، «مريض الوهم» لموليير، «مدام بوفاري» لغوستاف فولبير.
أشعار محمود درويش فسيفساء قراءاته
يقال إن الشاعر هو نتاج قراءاته. وفي الصدد نتبين أن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش كان منشغلاً بالقراءة والكتابة في عزلته التي اختارها واعتاد عليها في بداياته. فقبل أن يغادر فلسطين قرأ الشعر العبري. كما أبدى عبر مسيرته إعجابه بقصائد الشاعرين العراقيين بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي.
وأيضا: الشاعر المصري صلاح عبدالصبور والشاعر الفرنسي آراغون والإسباني لوركا والتشيلي بابلو نيرودا. وكان قد قال في حوار أجراه معه الناقد عبده وازن، إن نيرودا هو شاعره المفضل.
كما لفت درويش في مقابلات عديدة أجريت معه، إلى أن أشعاره ما هي إلا فسيفساء تتشكل من أشعار الآخرين.
