لون جديد نسْبيّاً من ألوان الإبداع الأدبي، تزايدت أهميته على الساحة الأدبية العربية، وتعاظم اهتمام الأدباء والنقاد به خلال السنوات الأخيرة، يتمثل في فن «القصة القصيرة جدًا»، الذي تعود نشأته إلى تسعينيات القرن العشرين، ويمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف..

والنزعة القصصية الموجزة، إضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار، مع التصوير البلاغي الذي يتجاوز السرد المباشر إلى ما هو بياني ومجازي.

(بيان الكتب) يضيء على هذا الحقل الابداعي، في تحقيق موسع مع الأدباء والنقاد، راصداً ميزاته وخصائصه ومعاييره الأساس.

«القصة القصيرة جداً نوع حديث من الأدب له قواعد»، بهذه الكلمات بدأت الكاتبة القصصية مياسة علي حديثها.

وتتابع: يجب أن يراعي كاتب القصة القصيرة والقصيرة جداً، عدة نقاط، منها: الجرأة، الوحدة، التكثيف، المفارقة، فعلية الجملة، الإدهاش، اللجوء إلى الأنسنة، استخدام الرمز والإيماء والتلميح والإيهام، الاعتماد على الخاتمة المتوهجة الواخزة المحيرة، طرافة اللقطة، اختيار العنوان الذي يحفظ للخاتمة صدمتها.

وتستطرد مياسة: تمتاز القصة القصيرة أيضاً بالتكثيف والإيجاز، بجانب الرمزية المباشرة وغير المباشرة. وجاء ظهورها بداية في أميركا اللاتينية، ثم انتقلت إلى أوروبا الغربية، لتنتقل مرة أخرى إلى مختلف البلدان العربية..

وحملت مسميات عدة، أبرزها: القصة القصيرة جدا، لوحات قصصية، ومضات قصصية، مقطوعات قصيرة، مشاهد قصصية، فن الأقصوصة. وذلك إلى أن استقرت التسمية على «القصة القصيرة جداً».

ق. ق. ج

يوضح الناقد يوسف نوفل أن الـ«ق. ق. ج» أو «القصة القصيرة جداً» نوع أدبي له أصول وقواعد، أهمها التركيز والتكثيف. فلا نجد بها أي تشعب أو أحداث فرعية، ولا وصف ولا تحليل أو استطراد، إنما هي عرض سريع للقطة أو ومضة في الحياة. لذا يطلق عليها أحيانا: قصة الومضة، بمعنى أنها تراعي التكثيف بكل ما ذكرنا، وتنتهي إلى نهاية مفاجئة، ربما تبنى على المفارقة، وتعتمد في بلاغتها على الإيحاء والإيماء.

ويشير نوفل إلى أن هذا اللون الأدبي، كان موجوداً منذ القدم في الأدب اليوناني، واستخدم غالباً في مواقف الهجاء، وكذلك كان موجوداً في التراث العربي بطريقة أو بأخرى. وهناك نموذج منه فيما تناقل على لسان العرب في عالم الحيوان، حيث تحكي القصة أن «الأرنبة التقطت ثمرة، فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى القاضي..

فقالت الأرنبة: إني وجدت ثمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال: لنفسه بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني، قال: حر انتصر، قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت».

استحداث

أما الشاعر زين العابدين فؤاد، فيؤكد أن كل أديب من حقه استحداث أي نوع أدبي جديد، طالما له قواعده الواضحة المتعارف عليها، والتي يمكن العمل والكتابة على أساسها، مشدداً على أن التطور لا يضر الأدب، فلا يمكن الكتابة بأسلوب واحد، بل من حق الجميع التعبير عن نفسه بالوسيلة التي يرتئيها.

ويضيف: لكن هناك بعض الأنواع الغريبة التي قابلتها خلال مسيرتي حيث كان يقف الأديب على المسرح وكل ما يفعله هو إصدار بعض الأصوات، وهكذا أمور لا تعني أي شيء في مجملها، وما تلبث أن تكون بعض التقاليع التي تنتهي سريعا، غير أن الأدب الحقيقي، مهما اختلف العصر، يبرز ويستمر.

سجالات

من جهتها، تقول الكاتبة والناقدة هويدا صالح، إن كثيراً من الندوات واللقاءات أقيمت حول هذا اللون الأدبي، وهو ما يشي بقفزة كبيرة شهدها خلال السنوات الأخيرة. وتبين أنه برز خلاف واختلاف عدد من النقاد حول هذا اللون الأدبي الذي اعتبروه مجرد استنساخ لأنواع أدبية سابقة، واستسهال من جانب بعض الأدباء لعدم رغبتهم في كتابة نص طويل.

مجموعات

ولحالة الرواج الذي حظي به فن «القصة القصيرة جداً»، أنشأ بعض محبيه مجموعات لمناقشة هذا اللون الجديد، فظهرت مجموعة مثل «كتاب ومبدعو القصة القصيرة جداً» على موقع «فيسبوك»، إذ يديره عماد أبو حطب، والذي يبين عمل هذه المجموعة: «منذ اليوم الأول لتأسيس المجموعة أوضحنا أننا لسنا في مجال خوض سباق المسابقات مع أي مجموعة أخرى..

كما أننا لسنا منافسين لأحد، نحن لدينا خطة عمل سنوية جرى إقرارها في الإدارة ونسير على أساسها، تتضمن: فتح أبواب المجموعة للكتاب المبتدئين، لقاؤهم مع أساتذتنا المخضرمين للاستفادة من خبراتهم، الاهتمام بالجانب النظري والندوات وورش العمل التطبيقية».

ويستطرد: تقوم المجموعة على نشر إبداعات الأعضاء على أوسع نطاق عبر وسائل التواصل الاجتماعي ك«فيسبوك وتويتر وانستغرام»، وغيرها.. كما تعمل على أرشفة إبداعات الأعضاء عبر إصدار كتب إلكترونية وورقية..

وكذلك خلق زوايا نقدية وحوارية في المجموعة تمثلت بزاوية النقد للقصة القصيرة جداً، وزاوية النقد للومضات وندوة السبت، وزاوية قرأت لك، ولا نزال نتدارس في أمر زوايا وفعاليات جديدة.

ويضيف صاحب المجموعة القصصية القصيرة جدًا «أحمر صاخب»: نجحنا في بعض الفعاليات، ونبقى نحاول عدم الفشل في البعض الآخر، خاصة الكتاب الورقي الأول الذي نعاني من عدم التزام دار النشر بالاتفاق الذي وقع معها، وهذا البرنامج لم يكن قابلاً للتطبيق لولا مبادرة الأعضاء وأجواء التضامن والمحبة بين الجميع، والذي جسد أخيراً بإعلان نتائج دورة جائزة «الشهيد غسان كنفاني للومضة المتدحرجة».

عقبات ونجاحات

ويرى متخصصون أنه من أهم العقبات التي تواجه هذا اللون الأدبي عقبة النشر، خاصة الورقي منه، غير أن عدداً من الكتاب قرر خوض غمار النشر اعترافًا بأهمية هذا النوع الأدبي.

حيث أسست جريدة «صدى مصر» وهي تابعة لجريدة «تحيا مصر» التي تُعنى بشكل خاص بالقصة القصيرة جداً، وأطلقها الكاتب فؤاد نصر الدين، إذ ركز فيها بشكل بارز، على نشر الإبداعات التي تصب في هذا المضمار، وفي السطور التالية عدد من نصوص القصة القصيرة جدًا:

1

هو: فقير يمد رجليه على حدود لحافه الملغوم

هي: تقوم بترقيع اللحاف كل يوم بجزء جديد

هو: لا يعلم

هي: تتعلم وتتأقلم.

2

قالوا له إن يد الله مع الجماعة.

فجمع كل أصدقائه القدامى ووضع خطة محكمة وذهب لينفذ.

نسي أن يسأل: أي جماعة؟ أم مع الصالحين فقط؟!

3

اجتمعت كل القيادات المهمة

قررت قرارات مهمة

وأكلت أكلات مهمة

وشربت أشربة مهمة

وخرج الجميع يخلي الذمة

ووشوش بعضهم لبعض: لنُلقِها على صاحب العمة.

وانتهتْ المهمة.

Ⅶمياسة علي: ظهرت في أميركا اللاتينية ثم أوروبا فالمنطقة العربية

Ⅶ يوسف نوفل: تحاكي العصر وتعتمد على الإيحاء والتكثيف

Ⅶ زين العابدين فؤاد: لكل كاتب الحق في استحداث ما يعبر عنه

Ⅶهويدا صالح: النقاد اعتبروها استنساخاً لأنواع أدبية سابقة

مهرجانات ومسابقات مختلفة هدفها الدعم مادياً ومعنوياً

لا تخلو الساحة العربية من مسابقات ومهرجانات القصة القصيرة جداً، منها مسابقة «المتكأ الثقافي»، والتي تشترط ألا يتجاوز النص بأي حال من الأحوال، المئة كلمة، تاركة في الوقت نفسه، الحرية للكاتب في أن يختار موضوع قصته.

وفي الاتجاه ذاته، نظمت أخيراً، مسابقة «مؤتمر القصة القصيرة جدا» دورة القاص السوري الساخر ناصر محمد ناصر، والتي أطلقها الكاتب فؤاد نصر الدين في مدينة الإسكندرية.

كذلك هناك مسابقة «غسان كنفاني» التي أنشأتها مجموعة «كتاب ومبدعي القصة القصيرة جدا» والتي سموها مسابقة «الومضة المتدحرجة». إذ شارك فيها، أخيراً: 57 نصاً، وأشادت لجنة التحكيم بمستواها الرفيع.

كذلك أقيم مؤتمر الإسكندرية للسرديات في دورته الأولى بمكتبة الإسكندرية عام 2013، تحت اسم المبدع المصري مصطفى نصر، وحضره عدد من الكتاب والنقاد من عشر دول عربية: مصر والمغرب وتونس وسوريا وفلسطين والسعودية واليمن وعمان وليبيا والأردن.

وركز المؤتمر على التعريف بفن القصة القصيرة جداً في مصر خصوصاً، والوطن العربي عموماً، واستعرض مختلف الإصدارات الإبداعية والنقدية، وطرح قضايا القصة القصيرة جداً على طاولة النقاش والتحليل والتقويم والتوجيه، كما كرم فيه عدد من المبدعين، واشتمل على اللقاءات التعريفية حول فن القصة القصيرة.

1966

من أولى التجارب العربية المنشورة في مجال القصة القصيرة جدًا، تجربة الأديب الفلسطيني محمود علي السعيد، المقيم في حلب، ذلك تحت اسم قصة قصيرة جداً في مجلة الطليعة بعنوان «الفدائي» عام 1966، أما مجموعته الأولى داخل هذا اللون الأدبي فكانت بعنوان «الرصاصة» عام 1979.

كما نشرت فيما بعد مجموعة من الأعمال التي ركزت بشكل خاص على القصة القصيرة جداً مثل مار الجنيدي «الموناليزا تلبس الحجاب» عام 1996، وبسمة النمري في مجموعاتها الثلاث، ومهند العزب في مجموعته الثالثة «صولو»، وعامر الشقيري «هزائم وادعة»..

وهشام بستاني «أرى المعنى» التي فازت في مسابقة جامعة بركنسو للأدب العربي، وجلنار زين «صانع الظلال»، وجمعة شنب «قهوة رديئة» عام 2015، وراضي الضميري «خبز وملح» عام 2015، وهاني أبو النعيم «أرواح شاحبة، وخزات نازفة، قصص ومضية» عام 2015. كذلك قدمت القاصة ذكريات حرب نصف مجموعتها «سفر بلا غبار» للقصة القصيرة جداً، ومجموعة سمير الشريف «مرايا الليل» الصادرة عام 2010 وحمل غلافها كلمة قصص قصيرة جداً.