في يوم 14 يوليو من عام 1988، أعلن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران عن بناء إحدى أكبر وأحدث المكتبات الوطنية في العالم. اكتمل بناء هذا الصرح الثقافي الكبير عام 1995حيث دشّنها الرئيس ميتران، وأخذت رسمياً تسمية «المكتبة الوطنية للجمهورية الفرنسية».

فتحت المكتبة أبوابها أمام الباحثين والطلبة والجمهور العريض بتاريخ 20 ديسمبر من عام 1996. يطلق على المكتبة عامّة، التي تقف كصرح ثقافي على ضفّة نهر السين، اسم فرانسوا ميتران الذي كان وراء بنائها مدفوعاً برغبة وإرادة أن يترك وراءه آثاراً تدل على فترة حكمه، وكان خياره في المجال الثقافي وهو المعروف عنه أنه كان من أكثر رؤساء فرنسا ثقافة.

وكانت الفكرة التي تأسست عليها ضرورة بناء مكتبة جديدة هي أنه من الضروري توسيع وتحديث المكتبة الوطنية بقصد توسيع سبل المعرفة عبر الاستفادة من الهندسة المعمارية الحديثة ومن تكنولوجيا ثورة الإعلام والمعلوماتية الرقمية المعاصرة.

محتويات

من هنا كان اختياره لبناء المكتبة التي عمّدها باسم «الوطنية»، لتأخذ المكانة التي كانت تشغلها المكتبة الوطنية السابقة «روشيليو» - كانت قد سُميت أوّلاً بالمكتبة الملكية ثم المكتبة الإمبراطورية قبل أن تغدو المكتبة الوطنية - التي أخذت تسمية الشارع الذي وجدت فيه، أي «الكاردينال دو ريشيليو»، رجل الدولة والثقافة الذي عاش في نهايات القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر.

وجرى نقل القسم الأكبر من محتويات المكتبة الوطنية القديمة إلى المكتبة الوطنية الجديدة، مكتبة فرانسوا ميتران، كما شاعت التسمية.

صرح فني

وكإشارة سريعة كان ميتران قد قرر، ونفّذ، بناء صرح فنّي كبير هو «أوبرا الباستيل»، المطلّة على ساحة الباستيل في قلب العاصمة الفرنسية باريس، لتكون شاهداً آخر على إنجازاته.

وقد سميت دار الأوبرا الوطنية، وصممها المهندس المعماري الكندي كارلوس أوت - تعود أصوله للأورغواي - بعد أن فاز عام 1983 بمسابقة عالمية لتصميمها شارك فيها 1700 مهندس معماري من مختلف أرجاء العالم وجرى تدشينها عام 1989 من قبل الرئيس ميتران.

وأصبحت أحد معالم باريس الفنية إلى جانب «أوبرا غارنييه»، التي بنيت على نمط الفن المعماري الفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع من قبل المهندس المعماري شارل غارنييه، وحملت اسمه، وجرى تدشينها في مطلع عام 1875 وتشكل اليوم أحد المعالم التاريخية للعاصمة باريس، حيث يوجـــد شارع الأوبرا ومحطة مترو الأوبرا.

مكتبة «بصيغة الجمع»

وتنضوي تحت عنوان المكتبة الوطنية في فرنسا، بصفتها كمؤسسة ثقافية وإدارية، عدّة مواقع موزّعة جغرافيا في العاصمة وعدد من المدن الفرنسية الأخرى، حيث يختص كل موقع بما يتم نشره من كتب ووثائق متنوّعة في هذا المشرب أو ذاك من مشارب المعرفة.

هكذا غدت مكتبة شارع روشيليو في باريس «الموقع المختص» بالكتب والوثائق التاريخية والمخطوطات القديمة، التي جرى استــــقدام قســم كبير منـــها من العالمين العربي والإسلامي. تجدر الإشارة أيضاً أن محتويات المكـــتبة الوطنية تبلغ في مختلف مواقعـــــها نحو 40 ملــيون كتاب ووثيقة في مختلف الاختصاصات.

وتتمثل مصادر تزويد المكتبة الوطنية الفرنسية بالكتب والوثائق من النسخ التي يتم تزويدها بها باسم «القانون»، منذ أن أصدرّ الملك فرانسوا الأوّل عام 1537 قراراً بتطبيق ما يسمّى «الإيداع القانوني»، حيث يتم تسليم المحفوظات الوطنية نسخاً من النتاج الأدبي أو الفني أو الفكري.

يشمل «الإيداع القانوني» حالياً جميع الكتب والوثائق المطبوعة بكل أنواعها. وهناك مصادر تزويد أخرى من أهمها الشراء من الأسواق وعمليات البيع العامّة والهبات والتركات التي يخص فيها أصحابها المكتبة الوطنية بعد رحيلهم.

مهرجانات وأنشطة

ومن أهم المواقع التابعة للمكتبة الوطنية الفرنسية خارج باريس موقع مدينة افينيون بجنوب فرنسا حيث يقام مهرجان أفينيون المسرحي كل صيف في شهر يوليو منذ عام 1947 بمبادرة من المسرحي الفرنسي الشهير عالمياً جان فيلار، وهو أحد أكبر مهرجانات المسرح في العالم من حيث عدد العروض وعدد حضورها.

وفي افينيون غدا منزل جان فيلار موقع مكتبة ثرية بالكتب والوثائق الخاصّة بالمسرح وبعالمه ونشاطاته، وأصبحت تابعة للمكتبة الوطنية الفرنسية - الجديدة، موقع فرانسوا ميتران على ضفاف نهر السين في باريس.

ولا شك أن المكتبة الوطنية الفرنسية الجديدة اليوم غدت هي الأكبر في فرنسا وإحدى أكبر المكتبات في العالم. وهي وريثة مجموعات الكتب الملكية في فرنسا منذ العصور الوسطى. كما أنها وريثة كل ما تمّ جمعه من كتب ودراسات على مدى عدّة قرون، ما جعلها معلماً للثقافة والمعرفة بامتياز.

إبداع معماري

تتكوّن المكتبة الوطنية الفرنسية من أربعة أبراج عالية على شاكلة «أربعة كتب مفتوحة» كان قد صممها المهندس المعماري الفرنسي دومينيك بيرّو، الذي فاز بمسابقة دولية شارك فيها مئات المهندسين المعماريين عام 1989.

وهي تقوم على قاعدة مسطّحة ضخمة تحتوي على مخازن الكتب، ويتم الوصول إلى سطحها عبر مدرّجات ضخمة تطل على نهر السين.

ومن الصفات المعمارية الأساسية للكتلة، التي تشمل الأبراج الأربعة والقاعدة التي تقوم عليها تلك الأبراج هي أنها تتسم بقدر كبير من التناظر فيما بينها ومن الكثير من البساطة في المظهر الخارجي ــ على عكس مكتبة شارع روشيليو المبنية في القرن السابع عشر.

ولكن يتم تعويض تلك البساطة الخارجية بفخامة الديكــورات الداخلية الثرية بأنواع الخشب وأنواع القماش المائل للحمرة التي تغطي جدران صالات القراءة.

مراجع ووثائق

المكتبة مزوّدة بمستويين «طابقين» يحتويان على صالات القراءة المكرّسة لمجموعات الوثائق المكتوبة والمرئية المتاحة للجمهور العريض.

وهناك مكتبة مكرّسة لميدان البحث تحتوي على مجموعات الكتب والوثائق التراثية، فهي مقصورة على القرّاء المعتَمدين، الذين حصــلوا على إذن إدارة المكتبة، وهم غالباً من الطلبة الذين يحضّرون أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه ومن الباحثين.

وهناك مكتبة تحتوي على «مجموعات المراجع» في مختلف الاختصاصات يتطلّب الدخول إليها بلوغ سن السادسة عشر مع دفع ثمن البطاقة المقرر للدخول.

بشكل عـــام جرى تصمـــيم بناء صالات المكـــتبة المتنوعة واختيار الأثاث ومقاعد وطاولات القراءة ومصابيح الإضاءة بطـريقة ترمي لتأمين جو من الصفاء الذي يتطلّبه العمل الفكري.

ومن المظاهر الملفتة للانتباه أنه منذ إنشاء هذه المكتبة الوطنية الجديدة تكاثرت المؤسسات التعليمية الجامعية والثقافية حـــولها في الحي الثالث عشر من باريس. من تلك المــؤسسات «المدرسة الوطنية الفرنسية العليا للهندسة المعمارية»، و«مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية»، و«جامعة باريس ـــ ديدرو»، وغيرها من المؤسسات.

وهكذا أصبحت تُطلق على هذا الحي أحيانا تسمية «الحي اللاتيني الجديد»، بالتناظر مع الحي اللاتيني القديم في قلب باريس، حيث تتواجد جامعة السوربون والكوليج دو فرانس، أرفع مؤسسة ثـــــقافية في فرنسا، والعديد من المدارس والمؤسسات الجامعية الأخرى.

670 ألف وثيقة تضاف إلى محتوياتها سنوياً

من المهمات الرئيسة التي تقوم بها المكتبة الوطنية الفرنسية جمع الوثائق بمختلف أنواعها حيث تقّدر زيادة محتوياها سنوياً بـ670 ألف وثيقة.

وتضاف إلى عملية جمع الوثائق والكتب مهمّة الأرشفة. ومهمّة رئيسة ثالثة هي الحفظ والصيانة وإصدار الفهارس عن المحتويات بحيث يمكن للراغبين من الباحثين الوصول إلى الوثائق التي تهمّهم بسهولة.

ذلك كلّه يعني خاصّة جميع ما يتم نشره، أو إعادة نشره ، في فرنسا، وتشمل مهمات المكتبة أيضاً مختلف النشاطات المتعلّقة بالبحث العلمي عامّة وبنشر المعرفة في جميع المشارب.

ولعله من المفيد الإشارة أن المكتبة الوطنية الفرنسية تستقبل المتدربين في مجال عالم الكتب والنشاطات المتعلّقة فيه، كما تقوم بتنظيم بعض الدورات المهنية في المجال المعني، إضافة إلى إقامة صلات مع بقيّة المكتبات والمؤسسات ذات الاهتمام في مختلف مناطق العالم.

أنشطة نوعية ومسيرة من التطوّر

عرفت المكتبة الوطنية الفرنسية مساراً متطوراً من حيث نشاطاتها خلال عمرها الزمني القصير، فتوسّعت دائرة نشاطاتها واهتماماتها لتشمل، إلى جاب الكتب والوثائق، تنظيم العديد من المعارض والتظاهرات الثقافية والفكرية.

ومن بين المعارض التي نظّمتها في الأشهر الأخيرة أو التي هي بصدد عرضها في موسم عام 2014 معرض تحت عنوان «عصر التنوير: إرث من أجل الغد»، الذي أشرف عليه المفكر والمؤرخ الكبير المختص بعصر التنوير تزفتان تودوروف.

وحملت بعض معارض السنة الجارية التي عرفتها صالات عرض المكتبة وأروقتها عناوين «حرب 1914 - 1918»، بمناسبة مرور مئة عام على قيام الحرب العالمية الأولى؛ و«الأيام الخيرة للعالم القديم»، أي ذلك الذي سبق نشوب الحرب العالمية الأولى، المعروفة بتوصيف «الحرب الكبرى»؛ و«معرض عن السلام بــ52 لغة»، كما تمّت الدلالة عن السلام بالخط أو الرسوم التعبيرية، ومن بينها اللغة العربية تحت عنوان «صلح»؛ ومعرض عن الخرائط البحرية القديمة وغيرها.

وثائق رقمية

شهدت المكتبة تطوراً كبيراً على صعيد الوثائق الرقمية حيث تمّ تزويدها بصالات هائلة للقراءة مع كل التقنيات الرقمية الحديثة ومنظومات البحث المتعلّقة بهذا الميدان.

وهكذا يمكن الاطّلاع فيها على أكثر من 2.6 مليون وثيقة رقمية بصورة نصوص أو صور أو تسجيلات صوتية. وفي عام 2010 جرى تعميم الخدمة الرقمية على مجمل صالات القراءة بحيث بلغ مجموع الأمكنة المتوافرة أكثر من 800، مزوّدة بكل التقنيات المطلوبة.