ولدت المعرفة في مصر وبلاد الرافدين ومنها انتشرت في العالم، وظل الوطن العربي منتجاً للمعرفة حتى في الحقبة اليونانية الرومانية عبر مكتبة الإسكندرية القديمة، لتنطلق شعلة المعرفة مرة أخرى بعد سنوات من الكمون مع بزوغ الحضارة العربية الإسلامية، التي تعددت مراكزها.

فمثل الورق البغدادي وازدهار فنون الكتاب وكثافة الإنتاج المعرفي أدوات تطور علوم المكتبات العربية الإسلامية، ورأينا مكتبات عامة وخاصة هنا وهناك، لكن من عمق التاريخ إلى شمس العرب الساطعة رحلة لمكتبات متواصلة نجوب بين أرجائها.

مكتبات مصر القديمة

تشير العديد من النصوص إلى وجود مكتبات في مصر منذ الدولة القديمة، وقد اتخذت مسميات مختلفة مثل (دار الكتب - دار لفافات الكتب - بيت البرديات - مقر المخطوطات - ديوان الكتب - دار الكتب المقدسة - بيت الكتابات - بيت الكتبة الإلهية - خزانة الكتب).

ومن أبرز النصوص التي تشير إلى وجود المكتبات في مصر القديمة: سجل حجر بالرمو ، الذي ورد فيه «أن فرعون مصر سا حو رع ثاني ملوك الأسرة الخامسة عمل آثاره للتاسوع في دار الكتب المقدسة».

كما جاء في مقولة للمعلم آمون نخت لتلميذه حوري مين، ناصحًا له: «كن كاتبًا في دار الحياة، تكن بذلك أشبه بخزانة كتب». وجاء في بردية انستاسي رقم (1): «المعلم كان مشغولاً في المكتبة». كما تذكر بردية هاريس أن الأوامر المكتوبة كانت تحفظ في المكتبة.

خزانات الملوك

وكانت البدايات الأولى للمكتبات في مصر القديمة عبارة عن تلك المجموعات من الكتب التي احتفظ بها الملوك والأمراء في قصورهم، حيث كان يخصص في القصر غرف لحفظ السجلات والمخطوطات الرسمية، وسجلات الحكومة ووثائقها.

بالإضافة إلى هذا كانت القصور الملكية منذ بداية الدولة القديمة وحتى نهاية العصر المتأخر؛ مقرًّا لتربية أبناء الأمراء وتعليمهم وتثقيفهم، ومن أبرز المكتبات في مصر القديمة: مكتبة قصر أسيسي جد كا رع أحد ملوك الأسرة الخامسة، وعرف عن الملك جد كا رع اهتمامه بالعلم والمعرفة وكان يقرب إليه الحكماء أمثال بتاح حوتب، الذي أشرف على تربية هذا الملك نفسه، وكان له مكتبة في قصره يداوم التردد عليها، وكان لها أمين يدعى سيتي زيمب لقب بسيد الكتابات السرية، ورئيس أمناء المكتبة وهو الذي كان يرعى جلالة الملك عند زيارته للمكتبة واستخدامه لمقتنياتها.

مكتبة معبد الأشمونيين

كما ورد ذكر مكتبة معبد الأشمونيين في لوحة المجاعة المنقوشة بجزيرة سهيل في بلاد النوبة، ويرجع إلى عصر بطليموس الخامس، حيث يذكر النص أن البلاد في عهد الملك زوسر مؤسس الأسرة الثالثة قد امتحنت بمجاعة نتيجة توقف الفيضان عن الوصول إلى منسوبه المعتاد. فأرسل الملك كاهنًا ليسترشد بمقتنيات مكتبة معبد الأشمونيين؛ مدينة العلم والدين.

وقدم إليه الكاهن تقريرًا مفصلاً لكل ما تمكن من معرفته عن منطقة الشلال. ولذلك عندما سأل الملك زوسر الحكيم امنحتب عن مارد النيل والإله المتحكم فيه، طلب امنحوتب منه ان يتوجه إلى معبد الأشمونيين «دار الحياة»، ليفتح الكتب ويسترشد بها، حيث ذكر ما نصه : «سأدخل إلى دار الحياة وسأفتح قدرات رع «أرواح رع» وسأسير على هديها، والمقصود بأرواح رع هي الكتب.

إضافة إلى هذا كان هناك العديد من المكتبات سواء الخاصة بالقصور الملكية أو الملحقة بالمعابد ومنها: «مكتبة قصر الملك نفر إير كا رع ثالث ملوك الأسرة الخامسة - مكتبة قصر بيبي الأول - مكتبة قصر امنحوتب الثالث - مكتبة قصر سيتي الثاني - مكتبة قصر الملك سبتاح - مكتبة معبد الإله أتوم في هليوبوليس - مكتبة تل العمارنة - مكتبة معبد سيتي - مكتبة معبد رمسيس الثاني في أبيدوس - مكتبة معبد نفرتاري بدير المدينة».

وقد استمر تقليد إنشاء المكتبات وإلحاقها بالمعابد المصرية حتى بداية العصر الروماني، ففي عهد بطليموس الأول أمر بإنشاء مكتبة الإسكندرية التي ظلت تحمل شعلة العلم والمعرفة قرونًا طويلة قبل أن تصبح أثرًا بعد عين.

مكتبة الإسكندرية القديمة

وتعد مكتبة الإسكندرية القديمة أشهر مكتبات العالم القديم والعصور الوسطى قاطبة، فهي لم تكن أكبر المكتبات الحاوية للكتب في ذلك الوقت فحسب، ولكنها أيضًا اقترنت بالأبحاث العلمية وتردد عليها العلماء من جميع أنحاء حوض البحر المتوسط.

حتى بعد اندثارها منذ أكثر من 1600 عام، ظلت مكتبة الإسكندرية حية في أذهان العلماء. فقد كانت مكتبة الإسكندرية القديمة مجمعًا ثقافيًا وفكريًا فذًا، فلقد شجعت على المعرفة والانفتاح على الآخر، كما حملت راية العلم والمعرفة العالم أجمع لفترة تربو على سبعة قرون.

إنشاء المكتبة

بعد وفاة الإسكندر المفاجئة؛ انقسمت إمبراطوريته الشاسعة بين قادته المميزين، وكانت مصر من نصيب البطالمة (بطليموس الأول / سوتر). وقد نشأ بين الممالك المستقلة الجديدة نوع من المنافسة المحمودة. حيث أراد كل حاكم أن يجعل من بلاده مركزًا ثقافيًا وعلميًا ليس له نظير بين ممالك العالم أجمع.

عقد الملوك البطالمة العزم على أن يكون لمملكتهم في مصر الصدارة بين ممالك العصر الهللينستي، وعلى ذلك أصبحت الإسكندرية منارة للعلوم والفنون والآداب وكل مظاهر الحضارة. فقرر البطالمة تأسيس الموسيون «معبد ربات الفنون التسع»، والمكتبة الملحقة به، تحقيقًا للهدف المنشود من جعل عاصمة البلاد -الإسكندرية- صرحًا من صروح الثقافة العالمية في ذلك الوقت.

وقد تعددت الروايات التاريخية التي وصلتنا بشأن تأسيس الموسيون والمكتبة، بعض هذه الروايات تنسب هذا العمل إلي بطليموس الثاني فيلادلفوس، ورواية أخرى تنسبه إلى بطليموس الأول سوتر. إلا أن معظم الدارسين حديثًا أصبحوا أكثر ميلاً لأن يرجعوا الفضل في تأسيس الموسيون والمكتبة إلى بطليموس الأول وفقًا لبعض الشواهد والأدلة التاريخية الموجودة لدينا.

مركز إشعاع

ويعتبر ديميتريوس الفاليري (رجل الدولة والفيلسوف الأثيني ومستشار بطليموس الأول سوتر منذ حوالي 297 ق.م.) هو صاحب فكرة إنشاء مركز بحثي كبير في الإسكندرية وهو ما عرف بالموسيون وأن تلحق به مكتبة كبرى.

وحتى الآن لم يتم تحديد تاريخ إنشاء هاتين المؤسستين، لكن من المرجح أن سوتر هو أول من اتخذ الإجراءات بشأن إنشائهما في حوالي 290 ق.م. ثم استكملهما من بعده بطليموس فيلادلفوس، حيث من المعروف أنهما قد ازدهرتا إبان حكم فيلادلفوس.

تم تأسيس الموسيون، وجاء تخطيطه متفقًا مع التخطيط الأساسي للمدرستين الفلسفيتين الشهيرتين (أكاديمية أفلاطون – مدرسة أرسطو «اللقيون») في أثينا، وذلك اعتمادًا على ما ورد ذكره في المصادر التاريخية المتوفرة لدينا.

فقد حاول ديمتيريوس الفاليري محاكاة المدارس الفلسفية في أثينا، فقد كان أحد تلامذة اللقيون. بالإضافة إلي أن إطلاق لفظة «الموسيون» على المجمع العلمي الثقافي الجديد في الإسكندرية لم يكن من قبيل المصادفة؛ وإنما هو تقليد يوناني. فقد كان الموسيون أو معبد ربات الفنون ظاهرة مألوفة في المدارس الفلسفية الأثينية.

مكتبات المعابد

استمر تقليد إلحاق المكتبات بالمعابد المصرية قائماً وملحوظاً في العصرين الهلينستي والروماني. ولذلك أُلحق الموسيون بمكتبة كبرى قدر لها أن تحمل لواء الثقافة والمعرفة قرونًا طويلة وأن تكون مركزًا لاجتذاب العلماء والمثقفين على مر العصور الهلينستية والرومانية في مصر.

لم تكن مكتبة الإسكندرية مجرد مستودع للكتب؛ بل كانت مؤسسة علمية ومركزًا للبحث العلمي تقوم علي نسخ الكتب وترجمتها، فقد وفرت حشداً كبيراً من الناسخين للعمل المتواصل مما أدى إلى مضاعفة أعداد الكتب ونسخها.

فقد عمل البطالمة على استقدام الكتاب والشعراء والفنانين والعلماء إلى الإسكندرية من جميع أنحـاء العالم القديم، وذلك إثراءً لهاتين المؤسستين «الموسيون والمكتبة». فكان الموسيون (معبد ربات الفنون) أول معهد علمي وأعظم جامعة في العصور القديمة، أما المكتبة فكانت أول مكتبة عالمية.

اندثار المكتبة

رغم التناقض الجوهري بين الدراسات المختلفة التي تناولت مصير مكتبة الإسكندرية، إلا أنه من الممكن تتبع تاريخ اندثارها على مدار ما يقرب من 450 عاماً. فقد نشب أول حريق عام 48 ق.م. إبان حرب الإسكندرية والتي تدخل فيها يوليوس قيصر لمساعدة كليوباترا ضد أخيها بطليموس الثالث عشر.

وتذكر بعض المصادر أنه في عام 48 ق.م. احترق ما يقرب من 40 ألف كتاب، وتؤكد روايات أخرى أن عدد الكتب آنذاك كان 400 ألف كتاب.

ولقد أهدى مارك أنطوني حوالي 200 ألف لفافة للملكة كليوباترا من برجاما. وفي القرن الثالث الميلادي، تم تدمير الموسيون والحي الملكي إبان الاضطرابات والصراعات على السلطة التي هزت أرجاء الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت، أما المكتبة الصغرى فقد ظلت تقوم بدورها حتى نهاية القرن الرابع.

وحينما أعلنت المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية، أصدر الإمبراطور ثيودوسيوس مرسوماً في عام 391 ميلادية يقضى بهدم كل المعابد الوثنية بالإسكندرية.

ومن ثم اضـطلع الأسقف ثيولوس (أسقف الإسكندرية من 385 وحتى 412 ميلادية) بتـلك المـهمة، فقام بهدم السرابيوم والمكتبة الملحقة به بصفتهما معقلين للوثنية. وتردد جيل آخر من العلماء على المدينة حتى مقتل هيباتيا في 415 ميلادية، والذي كان يمثل نهاية الحركة العلمية بالإسكندرية.

وفي عام 415 ميلادية، زار المؤرخ المسيحي أوروسيوس مدينة الإسكندرية وسُجلت مقولته «كانت هناك خزائن للكتب في معابد كنا قد رأيناها، ويقولون إن رجالاً منا قاموا بإفراغها من محتوياتها، وهذه حقيقة لا تقبل الشك».

تلك المقولة التي تعد تأكيدًا على أن المكتبة لم يعد لها وجود منذ أوائل القرن الخامس الميلادي، وذلك قبل الفتح العربي لمصر عام 642 م. بما يربو على قرنين من الزمان.

ورغم النهاية المؤسفة لمكتبة الإسكندرية؛ إلا أنها أثرّت العالم بحشد من العلماء أضافوا إلى شتى ضروب العلم والمعرفة الكثير، حيث كان الهدف الأساسي من إنشاء المكتبة القديمة أن تكون أكاديمية علمية تجتذب كبار العلماء والمفكرين.

مكتبة «آشوربانيبال»

لقد تم الكشف عن بقايا مكتبة «آشوربانيبال» في العاصمة الأشورية نينوى، التي تقع بقاياها اليوم ضمن حدود مدينة الموصل العراقية، وقد أطلق اسمها على المحافظة التي تضم معظم أراضي بلاد آشور القديمة، وإلى جوار نينوى، تقع أبنية جامعة الموصل.

كان اكتشاف مكتبة آشور بانيبال في أواسط القرن التاسع عشر حدثًا علميًا هز الأوساط العلمية والثقافية في مختلف أرجاء العالم ولفت أنظار المؤسسات والهيئات العلمية في أوروبا إلى نينوى، عاصمة الآشوريين، «المدينة العظيمة»، كما وصفت في الكتاب المقدس، وإلى ما تبطنه من كنوز أثرية قد تكشف عن حضارة ظلت مطمورة في بطون التلول الأثرية مدة ثلاثة آلاف سنة أو يزيد.

فتتابعت هيئات التنقيب والبحث عن الآثار بالوفود إلى نينوى ونمرود وخرسباد وآشور وبابل وغيرها من المدن العراقية، وكان من نصيب الرقم الطينية العائدة إلى مكتبة آشور بانيبال فقد وجدت مكانها في مخازن المتحف البريطاني الحصينة وغُلقت عليها الأبواب ولم يكن بالإمكان الاطلاع عليها إلا من قبل عدد محدود جدًا من الباحثين الأوروبيين وبخاصة الإنجليز.

لقد عكف الباحثون منذ ذلك الحين وبعد أن تم فك رموز الكتابة المسمارية في وقت مقارب لوقت اكتشاف المكتبة، على معالجة الرقَّم الطينية المكتشفة في مختبرات خاصة وتجميع الكسر ولصقها بعضها إلى بعضها الآخر، ومن ثم معرفة محتويات الرقَّم وتصنيفها وتنظيم فهارس مطولة بها، كما عمل الباحثون على استنساخ النصوص الأكثر أهمية وإصدارها في سلسلة من الكتب حملت اسم «نصوص مسمارية من المتحف البريطاني».

نصوص ثرية

لقد أظهرت الدراسات العلمية على تلك النصوص، التي زاد عدد ألواحها بما فيها الكسر عن خمس وعشرين ألف قطعة، إن فيها نصوصاً على درجة كبيرة جدًا من الأهمية، وخاصة تلك النصوص ذات العلاقة بالقصص والأخبار التي ورد ذكرها في العهد القديم، كتاب اليهود المقدس، مثل قصة الطوفان وقصة الخليقة إلى جانب النصوص الدينية والأدبية الكثيرة الأخرى فصدرت البحوث والدراسات حول هذه النصوص من جوانبها المختلفة التاريخية واللغوية والدينية.

ومما تجدر الإشارة إليه أن لطبيعة المواد التي استخدمت للكتابة في بلاد الرافدين أثراً كبيراً في حفظ النصوص المسمارية لآلاف من السنين دون أن تتأثر بالعوامل الطبيعية المختلفة أو التعرض للتغير أو التزوير أو السرقة إلا بحدود ضيقة جداً.

فقد استخدم الطين مادة أساسية للكتابة عليه في جميع أرجاء بلاد الرافدين، ربما لوفرته وانعدام كلفته وملاءمة طراوته لرسم العلامات الكتابية عليه أو طبعها. كما استخدم الحجر، ولاسيما في القسم الشمالي من بلاد الرافدين، لتدوين النصوص التذكارية والبنائية وغيرها من النصوص ذات الأهمية الخاصة.

وهكذا احتفظت المدن القديمة بمئات الألوف من الرقم الطينية والألواح الحجرية المنقوشة بالكتابة المسمارية ذات المضامين الاقتصادية والتاريخية والعلمية والأدبية المختلفة، فكانت حقاً سجلاً حافلاً بما أنجزه العراقيون القدماء عبر ثلاثة آلاف من السنين مزدحمة بالأحداث والمنجزات الحضارية.

ولو قدّر للسومريين والأكديين وغيرهم من سكان بلاد الرافدين أن يستخدموا غير هذه المواد للكتابة، مثل البردي والرَّق والخشب والمنسوجات وسواها من المواد سريعة التلف، كما فعل غيرهم من الأقوام، لما تعرفنا على تاريخ العراق القديم وتاريخ تطور حضارته.

اكتشاف المكتبة

لقد ساهم بالكشف عن بقايا مكتبة «آشوربانيبال» عدد من المنقبين الرواد، معظمهم من البريطانيين، منهم هنري ليرد (1840 - 1845 ) ورولنسون عام 1852 ورسام في 1852-1854 وجورج سميث في عام 1873-1874 وكامبل تومبسون في 1904-1905.

إلا انه لم تكشف عن نصوص المكتبة مرة واحدة بل ساهم في الكشف عنها ستة من المنقبين، على أقل تقدير. كما لم يكشف عن نصوص المكتبة في بناية واحدة أو غرفة واحدة بل تم الكشف عن جزء مهم منها في قصر الملك سنحاريب، الذي عرف لدى المنقبين باسم القصر الجنوبي الغربي، نسبة إلى موقعه في تل قوينجق، أحد التلين الكبيرين اللذين يبطنان داخلهما بقايا القصور والمعابد الآشورية الرئيسة.

وعثر على الجزء الثاني من ألواح المكتبة في قصر «أشوربانيبال» نفسه الذي عرف بالقصر الشمالي. ومن الجدير بالإشارة أن الملك أشوربانيبال كان قد جدد بناء قصر جده سنحاريب وأقام فيه ومن ثم شرع في تشييد قصره الجديد.

وعثر على المجموعة الأولى من بقايا مكتبة «أشوربانيبال» أثناء تنقيبات ليرد في قصر سنحاريب وذلك في الغرفتين المرموز لهما بالرقمين 40 و41، وكانت إحداهما تؤدي إلى الأخرى وقد زينت جدرانهما بالمنحوتات البارزة، كما كان شأن جدران معظم الغرف والقاعات في القصور الآشورية، إلا أن المنحوتات وجدت مخرّبة ربما تم تخريبها أثناء هجوم الأعداء على نينوى في العام 612 ق.م.

وكانت رقم الطين ملقاة بأسلوب عشوائي على أرضية الغرفتين وقد تراكمت عليها الأتربة والأنقاض، ونظراً لكثرة عدد الألواح والكسر التي وجدت على أرضية هاتين الغرفتين فقد أطلق عليهما ليرد اسم «غرف السجلات».

ألواح آشورية

إلى جانب ذلك، عثر على عدد من الألواح والكسر في الغرف المجاورة وتم الكشف عن مجموعة كبيرة من ألواح الطين وكسرها في إحدى قاعات قصر الملك آشور بانيبال، وقد غلّفت جدران القاعة من الداخل بالمنحوتات البارزة التي تظهر مشاهد صيد الأسود التي اعتاد الملوك الآشوريون ممارستها والتفاخر بها رمزًا من رموز القوة، لذا سميت بقاعة الأسود.

وهذا يشير إلى أن آشور بانيبال كان قد احتفظ بعدد من الألواح التي جمعها لمكتبته في القصر الذي أقام فيه أول مرة، وهو قصر جده سنحاريب، وعندما انتقل للإقامة في القصر الثاني الجديد، أسس له مكتبة ثانية ضم فيها عدداً آخر من الألواح ولم يكن هناك ما يبرر جمع مجموعتي الألواح في جناح واحد، ربما لأنه استخدم كلا القصرين في وقت واحد كما ان التذييلات التي حملها عدد من الرقَّم لم تفرق بين المكتبتين المحفوظتين في القصرين المكتبات في الحضارة العربية.

العصر الإسلامي

اهتم الخلفاء والسلاطين المسلمون بإقامة المكتبات العامة للناس، وكانوا يتباهون بما يجمعون فيها من كتب مخطوطة ومنسوخة، وينفقون عليها ببذخ شديد لتنميتها وتضمينها بالمخطوطات التي لا توجد في أي قطر سواها، حتى يأتي الناس إليها من كل مكان، للقراءة والاطلاع والنسخ، فانتشرت خزائن الكتب في أقطار العالم الإسلامي من سمرقند وفاس إلى بخارى وقرطبة.

ومن بغداد ودمشق إلى حلب والقاهرة، ولقد بلغ من اهتمام المأمون وولعه بجمع الكتب أنه أصر أن يكون أحد شروط الصلح مع الإمبراطور الرومي ثيوفيلوس تسليم محتويات إحدى المكتبات في القسطنطينية فنقلها إلى مكتبة بغداد فوق مئة بعير، ويروى أيضاً أن الخليفة الحاكم صاحب الأندلس كان يبعث مندوبين عنه إلى جميع البلدان، يفتشون عن المخطوطات النادرة، ويدفعون مبالغ طائلة مقابل شرائها أو نسخها.

وقيل أيضاً إن فهرست مكتبته في قرطبة تألف من 44 كراسة بكل منها عشرون ورقة وقد قيل أيضاً إن غرناطة لما سقطت كآخر معاقل المسلمين في الأندلس ألقى المتطرفون الصليبيون الأسبان من جماعات محاكم التفتيش مئات الأطنان من المخطوطات العربية في النهر الذي تقع عليه المدينة، حتى أزرق لون مائه من شدة أحبار هذه المخطوطات.

ويتساءل المستشرقون الإسبان اليوم عما تكون عليه الدراسات الثقافية في أسبانيا وغرب أوروبا، لو لم يقدم رجال محاكم التفتيش على هذه الجريمة الشنعاء، صحيح إن الندم لا يفيد صاحبه، ولكنه يمثل يقظة الضمير الأوروبي وندمه على جرائمه التي ارتكبها في حق الحضارة الإسلامية رغم فضلها عليه وعلى حضارته.

بيت الحكمة

ويعد بيت الحكمة أو خزانة الحكمة في بغداد رمزاً لازدهار المكتبات العربية الإسلامية، يذكر المؤرخ المشهور القلقشندي عنها: «إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن، إحداها خزانة العباسيين ببغداد، فكان بها من الكتب ما لا يحصى ولا يقوم عليه نفاسة ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتار بغداد وقتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر خلفائهم ببغداد فذهبت خزانة الكتب فيما ذهب، وذهبت معالمها وأمضت آثارها».

شغف بالعلم

وللمأمون قصة مع الفراء تكشف عن مدى اهتمامه بالعلم في سابقة تاريخية وحرصه على توفير البيئة المريحة لعالم لينتج علماً ومعرفة وبيان القصة كما يلي: «إذ أمر أمير المؤمنين الفراء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب، فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار، ووكل بها جوارٍ وخدماً للقيام بما يحتاج إليه، حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوق نفسه إلى شيء حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة، وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين فكان الوراقون يكتبون حتى صنف كتب الحدود، وأمر المأمون بوضعه في الخزائن».

وصفوة القول وزبدته، ان بحر المكتبات وتراثها عميق، لسبر أغواره نحتاج إلى محيط من المداد، وآلاف من الأوراق، لكن عزاءنا أننا سطرنا هذه السطور لإجلاء الظلام عما أنجزه الأجداد ومن علوم ومعارف.

بيت الحكمة

أسس بيت الحكمة في عهد هارون الرشيد، ويرى العديد من الباحثين ومنهم الدكتور يحيى وهيب والدكتور محمد ماهر وغيرهما، أن نواة بيت الحكمة ما ورثه هارون الرشيد من أبيه المهدي وجده المنصور، ويؤكد ابن النديم في الفهرست ذلك بقوله: «عن علان الشعوبي.

كان منقطعًا إلى البرامكة ينسخ في بيت الحكمة لهارون الرشيد، أما الخليفة المأمون فقد سعى إلى جلب العلم لبغداد»، وفي هذا يقول ابن العبري: « لما أفضت الخلافة إلى الخليفة المأمون أتم ما بدأه جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، وراسل ملوك الروم، وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة، فبعثوا إليه منها ما حضرهم، فاستجاد لهم مهرة التراجمة، وكلفهم إحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن».

أعظم الخزائن

نال بيت الحكمة اهتمام المعاصرين ومنهم جوثاثان ليونز الذي اعتبره من الركائز التي أسس الغرب حضارته على تراثه، أما كوركيس عواد فقال عنه: «لا شك أن خزانة بيت الحكمة ببغداد من أعظم خزائن الكتب في الإسلام على اختلاف عصوره ودوله، لأنها حوت من الأسفار العتيقة كل جليل نفيس، ولم تكن كتبها إلا نتاج ثقافات شرقية وعربية مختلفة، العربية والفارسية والسريانية واليونانية».

براعة في الإدارة وتصنيف الموسوعات

كان يعمل بالمكتبة موظفون يرأسهم «الخازن»، وهو أمين المكتبة، والذي كان يختار من أهل العلم والمكانة، وتوصل العرب قبل غيرهم من الأمم إلى علم إدارة المكتبات، وتصنيف المؤلفات تصنيفاً موسوعياً، ومن أشهر «خزاني المكتبات» سهل بن هارون وابن مسكوية وأبو سيف الأسفرايني.

وكان بكل مكتبة عدد من النساخين والمترجمين والمجلدين، بالإضافة إلى عدد من المناولين الذين يحضرون الكتب للقارئ، وقد أطلق عليهم اسم الخدم تميزًا لهم عن الفراشين الذين يقومون بتنظيف فراش وأثاث المكتبة، وقد زودت المكتبات الكبرى بكل ما يحتاج إليه الباحثون والمطلعون من أدوات كتابية مثل الأقلام والأحبار والأوراق، بل زودت أيضاً بالمياه الباردة لراحة الباحثين والمراجعين والناسخين والمترجمين، بل رتب فيها معلمون يدرسون للناس المعرفة والعلوم، وكان يجتمع في هذه المكتبات صفوة العلماء والأدباء وتقام فيها الندوات والمناظرات.

نقوش

نصوص مسمارية شاهدة

النصوص المسمارية أبرز مقتنيات المكتبات القديمة، وكانت تكتب على الطين، ومن خواص الطين أن الكتابة عليه، سواء أكانت بطريقة الرسم أو الطبع، لا يمكن تنفيذها إلا وهو طري، وإذا ما ترك مدة قصيرة من الزمن، جف لوح الطين وتصلب وأصبح من الصعب تغيير ما رسم عليه أو طبع إلا بإعادة ترطيبه، أما إذا فخر في النار، عندها يستحيل تغيير العلامات المرسومة عليه أو تزويرها.

وكان من سلبيات هذه الخاصية عدم إمكان استخدام اللوح الطيني لتدوين السجلات اليومية المستمرة واضطرار الكاتب إلى اختزال ما يريد تدوينه إلى أبعد الحدود كي لا يضطر إلى استخدام ألواح كبيرة الحجم يصعب حملها أو المحافظة عليها من التشقق.

دار «علم سابور» محج العلماء

دار «علم سابور» أسسها سنة 383هـ/ 993م الوزير سابور في محلة بين السورين بالكرخ غرب بغداد، وكانت دوراً كبيرة كمكتبة عامة، وفصل ابن الأثير محتوياتها إذ يذكر: «كان بها عشرة آلاف مجلد من أصناف العلوم». في حين يقول عنها ياقوت الحموي: «لم يكن في الدنيا أحسن كتبًا منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة».

وقد أوقف عدد من العلماء كتبهم عليها، إذ أودعوا فيها مكتباتهم، ومنهم جبرائيل بن عبيد الله بن بختشوع الذي أوقف كتابه في الطب الموسوم «الكناش الكبير» أو «الكافي» كما كان بعض العلماء يرسلون كتبهم لها لتقييمها علمياً، حيث إن قبوله فيها يعتبر اعترافًا بقيمته العلمية».

اهتمام

أبنية جميلة تشرح الصدور وأروقة فسيحة

كانت المكتبات الإسلامية تقام في أبنية جميلة تشرح صدور المترددين عليها، وكان بها حجرات متعددة تربط بينها أروقة فسيحة، وكانت الكتب توضع على رفوف مثبتة على جدران الحوائط، وقد خصصت بعض الأروقة للاطلاع، وبعض الحجرات للنساخ والنسخ، والبعض الآخر لدروس العلماء والمناظرات، وكانت هذه المكتبات تؤثث بأفخر الأثاث.

وتفرش أرضيتها بالبسط والحصير، حيث يجلس المطلعون، ومن وصف المقريزي نفهم أن الستائر كانت تقام على النوافذ والأبواب، ولراحة المطلعين كانت أسماء الكتب وأسماء مؤلفيها تكتب على أطراف الصفحات وكان بالمكتبات العامة فهارس منظمة حسب موضوعات الكتب، كما كانت تلصق على جانب كل رف ورقة بها أسماء الكتب التي يحتويها، وقد سمح بالاستعارة الخارجية، خاصة للعلماء والأعيان.