تحوز المكتبة العامة في بوسطن، مكانة مهمة في الساحة الثقافية والمجتمعية العامة ضمن الولايات المتحدة الأميركية. وتصنف «مكتبة بوسطن» التي أنشئت سنة 1848، ثاني أكبر مكتبة عامة تتلقى الدعم والتمويل من الهيئات الحكومية. كما أنها صاحبة قصب السبق في مجموعة بارزة من الخدمات المكتبية، إذ إنها أكبر مكتبة تفتح للعامة في الولايات المتحدة، وأول مكتبة تسمح باستعارة الكتب والمواد الأخرى للقراءة في المنازل. كذلك تتيح لجميع الأفراد البالغين، من ضمن دول الكومنولث، الاقتراض منها.. وذلك إلى جانب الامتيازات والبحوث التي توفرها.
تاريخ مهم وحاضر مؤثر
تضم المكتبة العامة في بوسطن، ما يقرب من 24 مليون مادة تشمل جميع الأشكال، الأمر الذي يجعلها ثاني أكبر مكتبة عامة في الولايات المتحدة، ذلك وفقاً لجمعية المكتبات الأميركية. وفي السنة المالية 2009، أنفقت مدينة بوسطن 1٪ من ميزانيتها على المكتبة. كما تنضوي المكتبة في عضوية جمعية المكتبات البحثية (منظمة غير هادفة للربح تضم مكتبات البحوث في أميركا الشمالية، وفيها أكثر من 1.7 مليون من الكتب والمخطوطات النادرة). وفي العموم، يغازل عبق الثقافة في المكتبة روح المكان وقيمته التاريخية.
وتتوزع محتويات المكتبة على أجنحة مجهزة على أعلى المستويات، وذلك في نطاق مبنى تاريخي وعصري في آن معاً، ينتشر على مساحة واسعة. وتفتخر المكتبة بأن لديها ثروة من الكتب والمخطوطات والخرائط والنوت الموسيقية، ومنها: كتابات ويليام شكسبير وفوليو، وعشرات النسخ من الموسيقى الأصلية لموزارت. وتظهر المعروضات الخاصة ضمن المكتبة، فريدة من نوعها، في قسم الأبحاث. كما تعنى بأن تقدم للجمهور فرصة عرض الكتب والوثائق التي لا تتوافر إلا للعلماء والبحاثة عادة.
وتشتمل المكتبة، أيضاً، على: سجلات بوسطن الاستعمارية، مجموعات كبيرة من المطبوعات، صور تاريخية مهمة، بطاقات بريدية، خرائط.
ومن بين المقتنيات والمواد النادرة في المكتبة، على سبيل المثال: أوراق مهمة للملحن الأميركي والتر بيستون. وكشفت المكتبة في عام 2013، النقاب عن مجموعاتها التي تتضمن 18 مجموعة متكاملة.
إشادة وصعوبات
شهادات ثناء وتقدير كثيرة لم تتوقف يوماً، تنالها وتتحصل عليها المكتبة، على الدوام، من قبل أبرز الكتاب والمؤرخين والبحاثة والعلماء. ويبرز من بينها، وصف المؤرخ ديفيد ماكولو، المكتبة العامة في بوسطن، بأنها واحدة من خمس مكتبات هي الأكثر أهمية في أميركا.
ولم تتخط المكتبة المعوقات والصعوبات التي واجهتها بسهولة. ولكنها مرت بتلك التجارب من دون خسارات مهولة. وكان من بين ذاك أنه في عام 2006.
كانت مستويات التوظيف والتمويل لديها، أقل بكثير من المكتبة العامة في نيويورك، وتزامن ذلك مع ضرورات ملحة تحتاج إمكانات مادية محددة، ومن بينها: أن العديد من السجلات الاستعمارية والمخطوطات لجون آدامز كانت قد أصبحت هشة ومتحللة. ومن ثم فإنها غدت تحتاج إلى اهتمام، وهو ما دفع حارس المكتبة المتخصص بحراسة الكتب النادرة والمخطوطات، إلى القول: «إنهم على وشك الانهيار».
حكاية البدايات
جهود جماعية ومبادرات فردية ومؤسساتية مجتمعية متنوعة، تقف خلف القدرة على إنجاز مشروع المكتبة في منتصف القرن 19. ولكن أعمالاً رائدة تبوأت مكانة بارزة بين هذه المبادرات، ومن ضمنها، جهود جورج تكنور، الأستاذ في جامعة هارفارد، آنذاك. ومن ثم أعمال مواطنه ألكسندر في عام 1839، والذي اقترح أن تجمع كافة المكتبات في بوسطن ضمن مؤسسة واحدة، تكون لصالح الجمهور.
كما أرسلت باريس مجموعات كتب كهدايا في عام 1843 إلى بوسطن.. ومن ثم فعلت الشيء نفسه سنة 1847 وذلك بغاية المساعدة في إنشاء مكتبة عامة موحدة. وكان عامل احتدام التنافس الثقافي والاقتصادي بين بوسطن ونيويورك، ركيزة أساسية في شروع مبادرات تنفيذية لمناقشة إنشاء مكتبة عامة في بوسطن. ثم، وفي عام 1848 تأسست المكتبة رسمياً في بوسطن.
ومن ثم قضى مرسوم صدر في المدينة عام 1852 أن يوكل عمدة المدينة بتعيين أمين مكتبة. وفي شهر مايو عام 1852، قدم الممول جوشاو باتيس إلى الحكومة في بوسطن، هدية هي عبارة عن 50000 دولار، مخصصة لإنشاء مكتبة في بوسطن. وبعد تلقي الهدية، سافر المعنيون بأمر إنشائها، إلى مجموعة من دول العالم، وعلى نطاق واسع، غاية شراء الكتب للمكتبة، وزيارة المكتبات الأخرى..
وكذا إنشاء وكالات الكتاب. وعقب بدء الإجراءات العملية لإنشاء المكتبة، اختير مبنى مدرسة سابقة يقع على شارع ميسون ليكون مقراً لها.. إذ فتحت أبوابها رسمياً لأفراد الجمهور، في 20 من شهر مارس عام 1854. كما افتتح قسم التداول ضمنها في الثاني من مايو 1854.
وكان واضحاً، منذ اليوم الأول لبدء عمل المكتبة، حينذاك، أن المكان المخصص لها لم يكن كافياً. وفي ديسمبر من العام نفسه، حدد موقع المبنى الجديد على شارع بويلستون. وذلك في ديسمبر من العام 1854. وهكذا سمح المعنيون للقائمين على المكتبة بأن تنتقل إلى المبنى الجديد على شارع بويلستون، والذي صممه تشارلز كيرك بحيث يستوعب 240 ألف مجلد.
شهدت المكتبة، لاحقاً، تحديداً في النصف الأخير من القرن 19، مساقات تطوير وتجديد، مختلفة. وهكذا ركز المسؤولون على أجندات الفكرة النظرية لتوسيع نظام عملها، وتحويلها من مجرد فكرة أعدت في العام 1867، إلى حقيقة واقعية في العام 1870. وذلك عندما افتتح أول فرع للمكتبة في الولايات المتحدة في شرق بوسطن في الفترة بين عامي 1872 و1900.
ومن ثم وصل عدد الفروع المكتبة إلى 21 فرعاً تقدم خدماتها للسكان في جميع أنحاء وأحياء بوسطن. وقبل عام 1880 أذن المجلس التشريعي في بوسطن، بتشييد مبنى جديد للمكتبة. وكان الموقع المختار في خليج العودة في ساحة كوبلي - الزاوية البارزة من شارع بويلستون - قبالة كنيسة الثالوث ريتشاردسون. ويحاذي المبنى في هذا المقر متحف بوسطن للفنون الجميلة.
ولكن، بعد سنوات عدة من الجدل حول اختيار المهندسين المعماريين والطراز المعماري للمكتبة الجديدة، اختيرت شركة نيويورك المرموقة، في عام 1887، لتصميم المكتبة الجديدة. ومن ثم، في عام 1888، اقترح تشارلز مكيم، مشروع التصميم للمبنى، على أساس أسلوب عصر النهضة. وذاك المشروع حظي بموافقة أمناء المكتبة، لتبدأ عقبها، مشروعات الإنشاء في المبنى الجديد.
خدمات نوعية
خدمات عصرية ونوعية تمد بها المكتبة روادها. لكن واحدة من الأبرز بينها، تتمثل في خدمة الإنترنت اللاسلكية المجانية. إذ إنها تتوافر في جميع فروع المكتبة، الحالية، المقدرة بـ25 فرعاً. وهو ما يتيح للزائر الوصول إلى خدمات الشبكة العنكبوتية بشكل تلقائي وسريع من أي جهاز إلكتروني لديه، أو بوساطة الأجهزة الموجودة في المكتبة. كما تحتفظ المكتبة العامة في بوسطن بعدة قواعد بيانات للإنترنت، إما لتوفير الخدمات أو للوصول إلى النصوص الكاملة.
ولا تقتصر المزايا التي توفرها المكتبة في هذا الخصوص، على جانب واحد، بل تمتد لتشمل كافة الجوانب، لتكون المكتبة في هذا المبنى، مواكبة لكافة التقنيات العصرية في عالم الثقافة والفكر والمعرفة. وكان البارز، في هذا الصدد، أنه زار موقع المكتبة على الشبكة العنكبوتية، أكثر من سبعة ملايين زائر، في العام الماضي 2013، إذ استخدم واقترض وحمل هؤلاء منها، أكثر من 3.5 ملايين كتاب ومادة سمعية وبصرية.
مكتبة الطفل
عرضت مكتبة بوسطن على الموقع الإلكتروني الرسمي لها، في السابع من مارس 2014، تصميماً فريداً جاذباً، حول المنطقة الأكثر إثارة المزمع تنفيذها في المبنى الجديد قيد الإنشاء حالياً. ويتمثل في مكتبة الأطفال الجديدة الواقع في الطابق الثاني، وتبلغ مساحته قرابة 9500 قدم مربعة - ضعف المساحة السابقة المخصصة-.
وهذه المساحة الجديدة توفر أعلى مستوى من الخدمات المعرفية والترفيهية للأطفال. وأيضاً للقائمين على رعايتهم. ومن المقرر أن تشتمل مكتبة الطفل على جميع الكتب والمواد المجدية، التي ترتقي بالمستوى المعرفي والفكري للأطفال. إلى جانب مساحات للترفيه واللعب والقراءة وغيرها للإمتاع والتسلية.
كذلك هناك منطقة مخصصة للرضع والأطفال الصغار تحتوي على أثاث مريح، وعلى أكوام من الكتب والألعاب، ومجموعة متنوعة من المواد التعليمية القائمة على التجربة، والتي تهدف إلى تحفيز العقول. ويضاف إلى جميع ذلك، ورش العمل ومجموعة مفاجآت أخرى.
أعمال تطويرية في المبنى الأساسي
من المقرر ان تبدأ مكتبة بوسطن، كما أعلنت أخيراً، مراحل تنفيذ مبنى الطابق الثاني لمبناها الرئيسي. إذ يجري وضع اللمسات الأخيرة على أعمال التصميم للمرحلة المقبلة، وذلك في انتظار الموافقة على ميزانية رأس المال. ويتسم هذا البناء الجديد باحتوائه على جملة تقنيات وتصاميم عصرية، تخدم تميز المكتبة، وارتقاء خدماتها إلى مستويات غاية في الرفعة.
فروع عصرية وامتداد تاريخي وقصص بنكهة المطارح
يبلغ عدد فروع المكتبة المنتشرة في بوسطن، حالياً، نحو 25 فرعاً. وكان الفرع الأول افتتح في نورث إند عام 1882. ويقع الفرع في شمال شارع بينيت. ومن ثم تتالت افتتاحات فروع جديدة للمكتبة، خاصة بعد انتقالها إلى مبناها الجديد عام 1965، الذي صممه كارل كوتش. ولكن هناك أيضاً، فرع عريق آخر سبق هذه المرحلة..
وهو فرع ساوث إند في بوسطن الذي يقع في شارع تريمونت، إذ تأسست خدمة المكتبة ضمنه عام 1877. كذلك فرع ويست إند في بوسطن في شارع كامبردج. وأما فرع برايتون فعندما ضمت المدينة تلك (برايتون) إلى بوسطن في عام 1874، أصبحت المكتبة الاجتماعية برايتون فرعاً من المكتبة العامة في بوسطن. وبالنسبة لفرع هونان - ألستون فيقع شمال شارع جامعة هارفارد، ألستون. وبدأت خدمة المكتبة - ألستون في عام 1889. كما افتتح فرع المكتبة في هايد بارك في شارع جامعة هارفارد، عام 1898.
