تعيش اليونان منذ سنوات عدّة أزمة اقتصادية ومالية خانقة، أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار، حيث كانت على قاب قوسين أو أدنى من «الإفلاس»، كما يعرف الجميع. ومن المعروف أيضاً أن الحالة الاقتصادية والمالية والمعيشية المتردية لشرائح متزايدة من اليونانيين وجدت انعكاساتها في تبدّلات سياسية متلاحقة وبروز حركات «متطرّفة»، يميناً ويساراً، على مقدمة المشهد السياسي اليوناني.
وكان وصول حكومة يسارية بزعامة حزب «سيريزا» هو النسخة الأخيرة التي تشهدها اليونان اليوم. في كل الحالات يبقى السؤال المركزي المطروح اليوم هو: هل تستطيع اليونان أن تجد صيغة تؤدي إلى جدولة ديونها والخروج من مأزق محاولة إرغامها من قبل الأسواق المالية والدائنين الأوروبيين على تبنّي نهج يتم تلخيصه بتعبير التقشّف؟
على هذا السؤال تتعدد الإجابات والحلول، وفي اتجاهات كثيرة. ومن بينها ما يطرحه المساهمون في الكتاب الجماعي الذي يحمل عنوان «اليونانيون يرفضون التقشّف» الذي يقدّمون فيه..
يسهم في هذا الكتاب عدد من الباحثين الفرنسيين عموماً المتابعين عن قرب للشأن اليوناني، وفي مقدّمتهم «اوليفييه دولورم»، الروائي والمؤرّخ، وصاحب العمل الضخم الذي صدر في ثلاثة أجزاء تحت عنوان «اليونان والبلقان: من القرن الخامس حتى اليوم». ويشارك فيه باحثون عديدون، مثل «رومارين غودان».
ينطلق المساهمون في الكتاب بتحليلاتهم من التعرّض لمسألة معضلة الديون المتراكمة على اليونان التي لا تعرف كيفية سدادها. والإشارة بهذا الصدد أن المساهمين يعتمدون في معالجتهم لهذه المسألة على النتائج التي خرجت بها «لجنة تقصّي الحقائق» حول الديون اليونانية العامّة، وعلى العديد من الدراسات الميدانية والمقابلات مع نماذج متنوّعة من اليونانيين.
ويتفق المساهمون على القول إن الحكومة اليونانية «عارضت النظام الأوروبي المطلوب»، كما يدل عنوان مساهمة «روماريك غودان» في الكتاب. لكنه يشرح بالمقابل ما يسميّه «الأخطاء الإستراتيجية» التي ارتكبها «اليكسيس تسيبراس»، رئيس الوزراء اليوناني، في المفاوضات مع الدائنين الأوروبيين التي أدّت إلى توقيع اتفاق «13 يوليو» من عام 2015.