الإشاعة ظاهرة قديمة جداً في التاريخ الإنساني، وهي تعني بشكل عام نقل معلومة مغلوطة، لكنها تزعم أنها تحمل الحقيقة، على أوسع نطاق ممكن بشتى وسائل التواصل الرسمية أو غير الرسمية. ويمكن للإشاعات أن تكون أحد مكونات تقنيات التأثير في إطار الاستراتيجيات التي ترمي إلى إثارة الشقاق والبلبلة في صفوف الخصوم. «الإشاعات المجنونة» هو عنوان كتاب الصحافيين الفرنسيين ماتيو ارون، وفرانك كونيار، اللذين تخصصا منذ ما يزيد على عشرين سنة في الكتابة بمجالي الشرطة والقضاء.
ينطلق المؤلفان من تأكيد مقولة، إن الإشاعات قديمة قدم العالم الذي نعيش فيه، وقد عرفتها مختلف المجتمعات حتى تلك الأكثر بدائية منها والتأكيد أنه كانت هناك باستمرار إشاعات، لكنهما يدخلان سريعاً في صلب موضوعهما، أي « الإشاعات المجنونة».
ما يؤكّده المؤلفان هو أن «الإشاعات تهاجم اليوم على جميع الجبهات». وترمي في أغلب الأحيان إلى تخريب سمعة شخص أو تدمير مستقبله السياسي أو زرع الشقاق أو إعاقة مشاريع ما أو أية أهداف أخرى تصب في نفس المنحى. ويصل مداها في بعض الأحيان إلى تخوم الخيال العلمي. بهذا المعنى غدت الإشاعة القديمة قدم العالم، بمثابة «سلاح تدخّل شامل»، وأحياناً بمثابة «أسلحة دمار شامل» في زمن الإنترنت، حيث تضاعفت قدرة بثّ الإشاعات بما لا يحصى.
آلية إشاعات
هذا الكتاب لا يمثل بالدرجة الأولى عمل عن الإشاعة ومفاهيمها وتطورها التاريخي فحسب، لكن أيضاً وأساساً يقوم المؤلفان بنوع من التحقيق الصحفي حول آلية عمل وانتشار الإشاعات عبر دراستهما لعشرات القضايا التي عرفتها فرنسا وغيرها من البلدان الغربية .
وذلك في مجالات وميادين عديدة، تتراوح بين دهاليز الأجهزة السريّة حتى أروقة الجمعية الوطنية الفرنسية «البرلمان»، وسجلات القضاء والأوساط المالية وعالم السينما والمسرح ...الخ.
وفي جميع الحالات يحاولان عبر تحقيقاتهما التقصّي ومحاولة الوصول إلى «مصدر» الإشاعة والكشف عن أولئك الذين كانوا وراءها. واعتماداً على ذلك كلّه يطرحان العديد من الأسئلة من نوع: « كيف تولد الإشاعات؟ ولماذا يعتقد الجمهور العريض بصحّتها أو كان قد اعتقد بصحّتها؟ وما نتائج الإشاعات ومن هم الذين تصبّ في مصلحتهم؟
ضحايا الإشاعة
كذلك يعتمد المؤلفان في دراستهما للإشاعات على مجموعة من المقابلات التي أجرياها مع أولئك الذين يطلقون عليهم توصيف ضحايا الإشاعة. وكذلك مع مجموعة من الخبراء حول عملية إطلاق الإشاعات. ومن هذه الفئة، الخبراء، المدعوة «آن هوميل» التي تترأس اليوم مجموعة استشارات، وكانت قد عملت على نجدة دومينيك ستروس، الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي، أثناء تعرّضه للفضيحة الأخلاقية الشهيرة في أحد فنادق نيويورك.
ويكشف المؤلفان في هذا الكتاب «الطريقة»، التي تعمل بها تلك الخبيرة، وينتهي المؤلفان من توصيفهما لطريقة العمل تلك أنها درس غريب في الإعلام والتضليل الإعلامي تعني بنظرهما الانتقال من مجتمع المعلومة إلى مجتمع الإشاعة.
ما يتم التأكيد عليه في جميع الإجابات والتحليلات المقدّمة هو أن الإشاعة وجدت حليفها الأفضل الذي جعلها تجتاز جميع الحدود بسرعة الضوء. ذلك الحليف هو بمثابة قنبلة انشطارية اسمها الإنترنت، كما يكتب المؤلفان. وبفضل هذا الحليف يتم نشر الأخبار الكاذبة في ساحة القرية الكونية، بواسطة باعة الوهم.
وما يتم التأكيد عليه أيضاً هو أن الإشاعة تسبب الأذى الكبير لمن يكون هدفها فرداً أو جماعة أو مؤسسة أو مشروع عمل أو غير ذلك، إنها تجرح وتحطّم وتدمّر وأحياناً تقتل. ويعتبر المؤلفان أن الإشاعة في عالم الأسواق المالية هي «كلاشنكوف الإشاعة»، ويضيفان أنها على غرار الرشّاش الخطر، زهيدة الثمن وسهلة الاستعمال وفعّالة في المعركة مهما يكن الخصم.
الدليل على ذلك يجدانه في كون أن إشاعة عبر بيان صحفي «كاذب» عن خسارة هائلة وعن استقالة الرئيس ـ المدير العام هزتّ في عام 2000 شركة «إيموليكس» في كاليفورنيا التي تقوم بتصنيع قطع الشبكات الإلكترونية. لقد خسر سهم الشركة 60% من قيمته في البورصة خلال 60 دقيقة فقط؛ أي ما يعادل مبلغ 2.5 مليار دولار.
ويشرح المؤلفان أنه في عصر الثورة الرقمية غدت الشائعات «تنتشر بسرعة الضوء» عبر مختلف شبكات التواصل الاجتماعي التي اكتسبت قوّة لا مثيل لها في التاريخ الإنساني من حيث سرعة الانتشار ومداه.
المؤلفان في سطور
ماتيو ارون، مدير تحرير في إذاعة «فرانس انتير»، وهو مؤلف وكاتب سيناريو ومساهم في إنجاز العديد من الأعمال الوثائقية، وفرانك كونيار صحافي في الإذاعة نفسها، وأخصائي بتغطية التحقيقات الإجرامية والقضائية.
الكتاب: الإشاعات المجنونة
تأليف: ماتيو ارون وفرانك كونيار
الناشر: ستوك- باريس- 2014
الصفحات: 130 صفحة
القطع: الصغير
Folles rumeurs
Matthieu Aron ، Franck Cognard
Stock-
Paris -2014
130 pp