عاشت مازارين بنجو، في ظل الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، منذ طفولتها. إذ كانت ابنته من خارج مؤسسة الزواج، لكنه اعترف بأبوّته لها قبل سنوات من وفاته. وكانت بين عداد أبنائه يوم وفاته، باعتبارها أحدهم. وهي الآن مسؤولة عن المؤسسة الثقافية التي تحمل اسم والدها "فرانسوا ميتران". وعن طفولتها التي عاشتها بعيدة عن الأنظار، وفي الخفاء، تقدّم "مازارين بنجو كتاباً، بعنوان: "جندي صغير مطيع".
وتبين المؤلفة أن تلك التجربة في العيش، كان لا يعترف بها خلالها أحد، واستمرّت سنوات طويلة. وفجأة تركزت عليها الأضواء وعدسات التصوير والفضيحة. وأصبحت مازارين ابنة الرئيس رسمياً، بعد أن كشف عنها بعض الصحافيين، وبالصورة. وفي الوقت الذي لم يكن يهتم بها أحد سابقا، أصبح الصحافيون الفضوليون وممتهنو تعقّب المشاهير، يرابطون في كل مكان يمكن أن توجد فيه، طمعاً بصورة فريدة أو بالكشف عن سر في حياتها، وهي التي كانت نفسها سرّاً.
أمام مثل هذه الحالة، طرحت مازارين، الكثير من الأسئلة على نفسها، من نوع: كيف يمكن الخلاص من الموقف الغريب الذي لا تستطيع أن تكون فيه غير "جندي صغير طيّب"؟ وكيف يمكنها أن تحمي أطفالها؟ وكيف ستنقل لهم مثل هذا الإرث الذي تفتخر فيه ويعذّبها بالوقت نفسه، ذلك دون أن يثير ذلك ألمهم بدورهم؟
ونجد انه في الإجابة على هذه الأسئلة والعديد غيرها، تبنّت المؤلفة صيغة "اليوميات" التي ضمّنتها أفكارها وتأملاتها. وتبدأ بالإشارة إلى أن فهم هذه الأفكار والتأملات، يستدعي بالضرورة تقديم بعض المعلومات المحددة عن سيرة حياتها الشخصية.
وتقدم المؤلفة بيانات عنها، مبينة أنها ابنة رجل وامرأة، ومن هذا الموقع هي مثل جميع أطفال العالم. الرجل هو من بين كبار موظفي الدولة، وبالتحديد هو أكبر موظف فيها، وذلك عندما كان عمرها ست سنوات فقط. وتضيف المؤلفة ما مفاده: "هذا الرجل متزوج من امرأة، ولكنها ليست أمّك - تتحدث المؤلفة بضمير الغائب- لكنها زوجته الرسمية التي لم يعد يعيش معها. إلا أنه لم يطلّقها أبداً.
وهي ترافقه في جميع أسفاره الرسمية. وعنده ولدان من ذلك الزواج، ولكنك لم تلتق بهما أبداً، إلا بمناسبة وفاته، وانت تعرف بالضرورة وجودهما، لأن تلك العائلة الأخرى، الرسمية إذن، تظهر في التلفزيون أو على صفحات الجرائد برفقة الأب".
أدركت تلك الطفلة، كما تقول اليوم، انه من حقها أن تشاهد التلفزيون، وأن تتعرّف على إخوتها، إلا أنها لا تستطيع هي نفسها، الظهور معهم، إذ "من المفروض أنها غير موجودة". ولم يكن يغيّر بذلك الشيء الكثير، كون الجميع تقريباً، في الدائرة الضيّقة المحيطة بفرانسوا ميتران كانوا يعرفون بوجودها.
وتشير مازارين في هذا الإطار، إلى أن أمّها كانت تحرص على مناداة أبيها أمام الآخرين: "السيد الرئيس".
وتلفت المؤلفة إلى أنها لم تعرف أبداً، جدّها أو جدّتها. أما الأعمام والأخوال والعمّات والخالات، فكان من الصعب عليها أن تعرف كيف تفرّق بينهم، وأن تذكر الأسماء الصحيحة للأشخاص المعنيين.. وعلى العكس، كانت الطفلة تعرف جيدا عائلتها من ناحية أمها.
وتشبّه مازارين بنجو نفسها، خلال سنوات طفولتها ومراهقتها، بـ"أحد عناصر جهاز الاستخبارات السرية".
وتؤكد المؤلفة، أن خياراتها الدراسية وتوجهها نحو مدرسة المعلمين العليا، ودراسة الفلسفة، كانا بدافع تقديم البراهين على أن نجاحها يعود لـعملها ولقيمتها. ومن الفلسفة، تعلّمت شيئاً رئيسياً، تحدده بـ"فك رموز العالم". ولكن أيضاً تشير في هذا السياق إلى أنها تهتم اليوم بالفلسفة التي تتحدث عن الواقع.
وتجدر الإشارة إلى أن مازارين بنجو، تولي في الكتاب، أهمية كبيرة لانتخاب فرانسوا هولاند رئيساً للجمهورية الفرنسية، وتعد انتصاره، انتصاراً لـ"فرانسوا ميتران".
المؤلفة في سطور
مازارين بنجو. الابنة التي كشف الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، عن أبوّتها، قبل سنوات من وفاته. وهي خريجة مدرسة المعلمين العليا. تحمل إجازة التأهيل:في الفلسفة. صدر لها ثمانية كتب، منها: من أجل الذاكرة.
الكتاب: جندي صغير طيّب
المؤلف: مازارين بنجو
الناشر: جوليار - باريس- 2012
الصفحات: 211 صفحة
القطع: المتوسط
Bon petit soldat
Mazarine Pingeot
Julliard - Paris- 2012
211 pp.