يرى مؤلِّف الكتاب عادل نبيل، أنَّ الرواية المخابراتية قد أتت في أدبنا مستجيبة في مضمونها وأحداثها وطبيعة شخصياتها لمستجدات الواقع العربي، وما تقتضيه عوامل التطور في الفن الروائي، وبواعث دخول اتجاهات جديدة إليه.

فمنذ بدايات الصراع العربي الإسرائيلي شَكَّلت حروب الجاسوسية جزءاً من هذا الصراع، وقد عملت المخابرات الإسرائيلية غير تحقيق أهداف عسكرية، على استهداف معنويات المواطن العربي وإفقاده الثقة في ذاته.

ويذكر الباحث أنَّ أوَّل عمل في أدبنا العربي عن الاستخبارات كان للكاتب ماهر عبد الحميد «قصتي مع الجاسوس» وهو ضابط مصري وأحد جنود حرب 1967 ويقوم على وقائع حقيقية بطلها الكاتب، إذ كان فيها عميلاً مزدوجاً لحساب المخابرات المصرية. لكن الرواية المخابراتية انتقلت مع الأديب صالح مرسي 1929-1996 نقلة واسعة في الانتشار وطبيعة البناء الفني، وكانت بدايته مع هذا الأدب حين طلبت منه إذاعة «صوت العرب» عام 1975 أن يكتب مسلسلاً إذاعياً، فالتقى بأحد رجال المخابرات الذي أمدَّه بالوثائق والمعلومات.

وكان إسناد كتابة القصص الجاسوسية من ملفات المخابرات العامة وعملياتها إلى صالح مرسي بإيعاز من رئيس الجهاز وقتها الفريق أوَّل كمال حسن علي، وكان ذلك ضمن خطة خمسية وضَعَها لتصحيح الصورة السلبية التي لحقت بالجهاز بعد هزيمة 1967، واتهاماتٍ بالفساد، وقضايا التعذيب.

ومن ثمّ جاءت مساهمات د. نبيل فاروق الذي تميَّز بغزارة إنتاجه الأدبي، وارتباط فئة الشباب والناشئة بكتاباته، وهو ما أسهم في دخول تلك الفئة العمرية إلى قراءة هذا الأدب الذي عرف مع نبيل فاروق السلاسل الروائية، فقد ارتبط اسمه بسلسلة «رجل المستحيل» التي امتدَّت إلى 160 جزءاً على نحو متصل من الأحداث المترابطة. ومن الأصوات التي دخلت إلى ميدان الرواية المخابراتية الإعلامي عبد الله يسري بروايته «جاسوس 388» وهي مأخوذة عن أحداث قصة تجسُّس حقيقية بطلها «جوهان لوتز» من يهود ألمانيا المعروف بجاسوس الشمبانيا، دخل مصر بجواز ألماني، تحت ستار رجل أعمال يهوى الخيل، واستطاع أن يخترق سلاح الفرسان المصري عبر علاقاته بكبار ضباط الجيش آنذاك.

ومع اشتداد الصراع العربي الإسرائيلي ظهرت روايات جسَّدته، كما تحوَّل بعضها إلى أفلام سينمائية مثل «الرصاصة لا تزال في جيبي» لإحسان عبد القدوس، وأبناء الصمت لمجيد طوبيا. وقد استثمر صُنَّاع الدراما بعض الروايات المخابراتية وحولوها إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية، وكانت بداية تلك الأعمال في الأدب المخابراتي مع «الصعود إلى الهاوية» لصالح مرسي التي تحوَّلت إلى فيلم عام 1978، ثمَّ جاءت رواية «رأفت الهجان» في مسلسل تلفزيوني من ثلاثة أجزاء 1987- 1990- 1991، وتعد أهم رواية كتبها صالح مرسي. كما أُنتجت رواية سامية فهمي في مسلسل تلفزيوني بعنوان «حرب الجواسيس» 2009.

وفي دراسته لأدب صالح مرسي يقسِّم المؤلف د. عادل نيل أعماله إلى ثلاثة اتجاهات موضوعية:

1- تجسيد مرسي للواقع الاجتماعي كما جاء في مجموعته القصصية «الخوف» 1960 ورواية «الكذَّاب» 1965 ورواية «السجين» 1976 التي ترسم صورة المجتمع المصري في فترة الحرب الثانية، ورواية «المهاجرون» 1986 ومجموعته القصصية «حب للبيع وقصص أخرى» 1990.

2- الاتجاه الثاني ويدور حول أدب البحر الذي عاش معه قسطاً من عمره خلال عمله بالقوات البحرية، وفي مقدمة أعمال هذا الاتجاه رواية «زقاق السيد البلطي» 1963 التي حظيت بثناء كبير وإشادة من كبار النقاد والأدباء مثل: د. محمد مندور، د. غالي شكري، د. لطيفة الزيات، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، يحيى حقي.

3- تميَّز أدب صالح مرسي في هذه المرحلة بأنَّه أسَّس لأدب الجاسوسية أو الأدب المخابراتي بسبب وعيه الفني بأدوات السرد في تجسيد هذا العالم الخفي، وتضمين رواياته وقصصه ومسلسلاته أبعاداً اجتماعية وجوانب إنسانية منحت العالم المسرود حيوية أخرجته من الطابع الوثائقي الجاف.

الكتاب:

الرواية المخابراتية في الأدب العربي الحديث

تأليف:

د. عادل نيل

الناشر:

المجلس الأعلى للثقافة- القاهرة 2017

الصفحات:

259 صفحة

القطع:

المتوسط