تكشف لنا هذه الدراسة للناقدة د.هبة الهواري عن التجربة الإبداعية الثرية لواحد من رواد فن الخزف في مصر، والذي عاش عاشقاً في محرابه أربعين عاماً، وأعطى لمصر من تجاربه الفنية ما لم يعطه فنان آخر، حتى رحل عن عالمنا عام 2002، وهو الفنان نبيل درويش، لتستعيد الناقدة في هذه الدراسة رمزاً كاد أن يطويه النسيان في مسيرة الفن المصري الحديث، فتسترد له مكانه الصحيح اللائق به في ضمير ووعي الأجيال الجديدة في وطنه؛ فنانين ودارسين ومحبين للفن.
وفي مستهل دراستها، تقول الباحثة: على ضفاف الأنهار، ومنذ فجر التاريخ، ولدت الحضارة وسطرت الإنسانية أول سطور الإبداع التشكيلي؛ فشكل الإنسان خامة الطين على ضفاف النيل والفرات واليانجتسي، وظل فن الخرف من أهم المنجزات الحضارية التي نراها من بين ما ترك لنا الفنان القديم في مصر، فهو رفيق لكل خطوة حثيثة نحو نضج واكتمال التجربة الإبداعية المصرية، منذ كان خزف ما قبل الأسرات في حضارات نقادة والبداري ومرمدة بني سلامة، ثم الخزف المصري القديم، وحتى الخزف الإسلامي المتميز الذي تزخر به قاعات المتاحف وتفخر به الإنسانية.
وكما كان الخزف معبراً عن حاجات الإنسان واستخداماته كان منتجاً تشكيلياً ذا قيمة فنية عالية. ومع ازدهار الفن التشكيلي المصري الحديث تألق الخزف ودارت عجلة الخزاف وشكلت طريقاً ثرياً سطرت به معالم بارزة ومهمة بأيدي الأساتذة الذين غرسوا بذوراً نمت وأسسوا قواعد رسخت تقاليد وكلاسيكيات لهذا القرن.
وانطلاقاً من ذلك، تؤكد الباحثة أن درويش طرق درب استلهام من التراث المصري القديم والإسلامي والشعبي ليحقق استمساكه بهذه الروح المصرية الناهضة الباحثة عن القيمة الساعية نحو الحقيقة المصرية الأصيلة، وهو ما يفسر تنوع أماكن حياته ما بين خمس محافظات مصرية، حيث الغربية والمنوفية والقاهرة وقنا وأسوان.
يقسم كتاب «الخزاف نبيل درويش» إلى خمسة أقسام: الأول يقدم رحلة درويش والاستلهام الفني للثقافة الشعبية، والثاني يقدم التجريب النفسي لديه وصولاً إلى فن الأوبجيكت الخزفي وكذلك أطباق درويش وصولاً إلى ملحق الصور لأعماله.
ودرويش نحات من مواليد 1936 بمحافظة الغربية، عاش في عدد من المحافظات المصرية التي استقى منها واستلهم أعماله.
ويصنع درويش في تجاربه العميقة الممتدة التي منحها الوقت والطاقة لتستمر في التدفق وتستمر في النضج نوعاً ثرياً من المفارقة باستخدام اللعب الحر والاشتباك الواعي مع خبراته ومدركاته البصرية المختزنة في البيئة الطبيعية، ومن احترامه اليقظ للتراث، وكذلك من مهارته الفائقة في الصياغة التشكيلية والحرفية والتقنية أيضاً، فيما يعلق بكيمياء الأجسام الخزفية وكيمياء الطلاءات ثم تقنيات الحريق التي تتطلب وعياً وحدساً خاصاً مستقلاً بذاته؛ لما لها من تأثير خطير في المنتج الخزفي الناتج بعد التشكيل والطلاء والحريق، وجميعها تقنيات خاصة بالخزف.
وتشير الكاتبة إلى أن من أعمال الخزاف نبيل درويش الخزفية اللافتة للأنظار بألوانها التي تجمع بين الحلاوة والوقار مجموعة من الأواني والرسوم التي تراها على سطحها الخزفي ليست رسوماً ظاهرية مدونة بالفرشاة، وإنما هي رسوم أضحت من صميم جسم العمل الخزفي.
وتضيف أن نبيل درويش اشترك في معرض بينالي الشارقة الدولي الأول وحصل على الجائزة الكبرى للبينالي، موضحة أن خزفيات نبيل تسفر في جمالها عن مستويين: الأول الإبهار التقني على سطوح تتماوج برسوم ودرجات لونية لانهائية ومستوى الإبداع التأملي في شكل الآنية كحجم ذي نسبة ذهبية.
وكذلك لم يستخدم نبيل درويش أجساماً خزفية ناصعة اللون لتطبيق فكرته؛ بل اعتمد على الطينات المصرية الفاتحة، وذلك لاهتمامه بالبعد المصري والتعبير عن أعماله بمواد مصرية خاصة تعكس مفهوم العمل الخزفي، حيث استخدم الألوان التي لم تكن على درجة كبيرة من النصاعة، وكذلك اعتمد على استخدام طبقة من الطينات ذات الجاذبية العالية «ناعمة الحبيبات جداً» كبطانة عازلة، ولا يمكننا أن نجزم ما إذا كان نبيل درويش قد قام بتطبيق أنواع من الطلاءات على هذه الطبقة من المستحلب الطيني.
المؤلفة في سطور
الدكتورة هبة الهواري، دكتوراه الفلسفة في النقد التشكيلي وعضو بالمجلس الأعلى للثقافة، وحاصلة على العديد من جوائز الفن التشكيلي داخل وخارج مصر.
الكتاب:
الخزاف نبيل درويش والرسم بالنار
تأليف:
الدكتورة هبة الهواري
الناشر:
الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2016
الصفحات:
96 صفحة
القطع:
الصغير