يؤكِّد المؤلف «بوريس ميلاخ» أنَّه منذ العصور القديمة سعت البشرية إلى إدراك أسرار الإبداع الفني والكشف عن طبيعته، وآلياته، ومصادر قوَّة تأثيره العجيبة. فحتى أواخر القرن التاسع عشر، كان يُعترف بأنَّ العلوم البيولوجية هي السائدة في وضع الطريقة الموضوعية لمعرفة آليات الإبداع. وهذا يرجع إلى النجاحات الكبرى التي حقَّقتها العلوم الطبيعية..
والتي غطَّت على منجزات العلوم الأخرى. ومن الملفت هنا، بواعث العالِم «ف.ف.فلياموفيتش» أحد مؤسِّسي «علم الجمال السيكوفيزيولوجي» الذي حاول استبدال الأسس الصوفية الغامضة للظواهر الجمالية بأسس مشتقة من العلوم الطبيعية..
فقد سعى إلى إكساب ظاهرة الجمال أساساً مادياً. بيد أنَّ هذه وغيرها من المحاولات لاستخدام المبادئ التي تطورت في العلوم الطبيعية في تلك الفترة، ونقلها إلى مجال الفن والإبداع وعلم الجمال، قد انقلبت غالباً، إلى مجرد نظائر ميكانيكية بحتة.
وإذا ما حاولنا تحديد ماهية تعديل مفهوم «المخبر الإبداعي»، فيمكننا الوصول إلى استنتاجٍ مفاده، أنَّ المهمة العامة للباحثين هي الكشف عن عمليات إبداع الكاتب على أساس عمل واحد من أعماله أو عدة أعمال. لكن هذه المهمة يختلف الباحثون على فهمها، وكثيراً ما تتجاور استنتاجات وملاحظات قيِّمة للغاية مع عدم الاهتمام بمسائل المنهج.
وتُستبدل دراسة «المخبر الإبداعي» بتثبيت وقائع غير متجانسة من تاريخ كتابة المؤلفات والأعمال. إنَّ المادة الخام لدراسة عمليات الإبداع كبيرة جداً، ولم تُستخدم إلا قليلاً. فهي، من حيث الجوهر، مواد المخبر الإبداعي كله للكاتب، وأعماله التحضيرية، وملاحظاته، وهوامشه، ويومياته، ورسائله، وكذلك الملاحظات والملاحظات الذاتية لعمليات الإبداع وكل ما قد يبدو معروفاً من حيث نوعه.
ويأخذ المؤلِّف رواية توماس مان «الدكتور فاوست»، وهي دراسة الكاتب نفسه لإبداعه، وتُعتبر بمثابة رواية عن الرواية. وثمَّة عدد غير قليل من المؤلفات الأخرى بمختلف الأجناس. ونلاحظ فيها سعي الكتَّاب المتزايد لإدراك العملية الإبداعية، والكشف عن هذه أو تلك من أسرار إبداعهم.
وعن اختلاف الآراء حول العملية الإبداعية عند دوستويفسكي يقول المؤلف بوريس ميلاخ: إنَّ جدال النقاد الغربيين المعاصرين حول أعماله، حيث يعتبره بعضهم حدسياً ويعتبره آخرون واقعياً، غير أنَّ الباحث يعد النزعة المعرفية- التحليلية، الجلية الوضوح، هي من بين أهم خصائص جمالية دوستويفسكي وتفكيره الفني.