يبحث كتاب (الزخرفة العربيّة) لمؤلفيه الدكاترة: سوسن الزعبي وسمير غنوم ومحمد غنوم، في ماهية هذا الفن التطبيقي، وبداياته، ومصادره، وأهدافه، وتواجده في العالم القديم: العراق، سوريّا، مصر، اليونان، الرومان، والصين، وصولاً إلى فن الزخرفة العربيّة.. وفي مقدمته الرقش (الأرابيسك) الذي توّسع وتطور وانتشر بعد قيام الدولة الإسلاميّة، ليس في ديار العرب والمسلمين فقط، وإنما في أوروبا أيضاً.
ويتحدث الكتاب عن علاقة الزخرفة بعدد من الفنون التطبيقيّة والحرف اليدويّة والعمارة الداخليّة وفن النحت، والاتصالات البصريّة والرسم والتصوير، وظهورها الطاغي في البيت الدمشقي القديم. وبالمقابل (حسب الكتاب)، تعاني الزخرفة العربيّة المعاصرة من بعض المشكلات والصعوبات، رغم ما شهدته من تطور وازدهار وانتشار، واستفادتها من الموروث الثقافي البصري المحلي.
ومن هذه الإشكالات: ندرة مصممي الزخرفة المسكونين بهاجس التحديث والتطوير والابتكار، دخول الحاسوب إليها، اختلاط الأصيل بالهجين في تصاميمها الجديدة، انتشار المواد الاستهلاكيّة الرخيصة المنفذة منها، عدم الاكتراث بجودتها وإتقانها، انتفاء عامل الإبداع من وحداتها الحديثة، إنتاجها بكميات كبيرة - بهدف تلبية الطلب المتزايد عليها، لا سيّما من قبل الموثرين والسياح، انفضاض عامة الناس عن طلب الأدوات والمشغولات التي تحملها - لغلاء أثمانها، من جهة ولتوفر بدائل رخيصة لها.
والزخرفة (كما يُعرّفها الكتاب)، هي رسوم تزيينيّة للعمائر من الداخل والخارج وللتحف الفخاريّة والخزفيّة والزجاجيّة والمنسوجات والأدوات الخشبيّة والمعدنيّة والجلديّة، والكتب والمخطوطات... وغيرها.
وتهدف الزخرفة إلى إشاعة الغبطة في نفس الإنسان، والرضا في قلبه، والانشراح في صدره، والارتقاء بذائقته البصريّة، وتحسين ذوقه، وتجميل حياته وتلبية حاجاته الفطريّة للابتكار والإبداع وتذوق الجمال. أما مصادر الزخرفة فهي الطبيعة المرئيّة بشكل رئيس، وقد بدأها الإنسان الأول بالتزيينات والرسوم والزخارف والرموز التي أحدثها في كهفه، ثم نقلها فيما بعد إلى أدواته التي تُسعفه في ممارسة حياته اليوميّة.
بدأت الزخرفة بسيطة وساذجة، ثم تطورت لتصبح بمستويات عالية وراقية ومتعددة الصيغ والأشكال وأدوات التنفيذ، وفقاً للمواد والخامات المتوافرة، وأفكار ومعتقدات وذائقة منفذها الجماليّة. أما شروط التصميم الزخرفي الجيد فحددها الكتاب بالبساطة والانسجام والخصوصيّة المحليّة والأصالة والدراسة والتحوير والإتقان والدقة وتوفر الأدوات المناسبة.
وللزخرفة أساليبها المختلفة، منها: الأسلوب اللين الذي يعتمد على العلاقات بين الخطوط المنحنية والمساحات والتوازن بين الألوان والفراغات ومن أنواعها: الزخارف النباتيّة المستلهمة من أشكال أوراق النباتات والثمار والأزهار والأشجار، والزخارف المستلهمة من الرسوم الإنسانيّة كشكل الرأس والأعضاء، والزخارف الحيوانيّة المستوحاة من أشكال الأسماك والأخطبوط والسلاحف والمرجان والمحار والأصداف والطيور والفراشات.. وغيرها.
ومن أنواع الزخارف، الأشكال الهندسيّة المعتمدة على أسلوب رياضي، وقياس دقيق، لكل وحدة هندسيّة، سواء أكانت مثلثاً أم مربعاً أم مخمساً أم مسدساً، أم أي شكل هندسي آخر يقوم على الخط المستقيم أو المنحني.
وثمة أسلوب آخر مشترك يجمع بين الأسلوبين: اللين والهندسي في الزخرفة التي تضم زخارف نباتيّة أو حيوانيّة، وفيما بعد أُضيف الخط العربي بكثافة أشكاله وأنواعه إلى الزخرفة، ليتشكل الرقش العربي (الأرابيسك).
وفي وقفته عند الزخرفة العربيّة، يُشير الكتاب إلى أن عبارة: (إن الله جميل يحب الجمال) شكّلت المرتكز والمنطلق لهذه الزخرفة التي أعطت العالم آيات جماليّة، وإعجازاً وإبداعاً، رافق الثقافة العربيّة في أصقاع الأرض. وللزخرفة العربيّة بُعد جمالي وآخر وظيفي، وهي بشكل عام، نتاج فكر منظم، وبحث مستمر.
