يضيء كتاب «شاعران من بلد الياسمين»، لمؤلفه عبد الإله عبد القادر، على حياة شفيق جبري ونزار قباني. ويبين أن جبري، المفكر والأديب، أصابته، كما يقول لوثة الأدب والشعر والهموم الفكرية فأنسته حياته الخاصة التي رهنها بإبداعه، فأحب العزلة والبعد عن الناس، وعزف عن الزواج.
ويعتبر جبري أحد أهم شعراء عصر النهضة في مطلع القرن العشرين، وكانت عزلته أثراً من آثار النزعة الرومانتيكية التي خالطت شعراء بلاد الشام، ونستطيع القول إنه أحد مجدّدي الشعر في بدايات القرن الماضي إلى جانب أنه نذر حياته وشعره من أجل وطنه وأمته.
وجبري لم يعزل شعره عن المرأة، بل كتب قصائد رقيقة حالمة فيها، مما يعني الارتباط الوجداني بالنصف الثاني المكمل للحياة.
إن جبري خرج من رحلاته الأساسية بآثار سجلها بدقّة في كتبه التي خصصها لهذه الرحلات مؤكداً على تميزه في هذا الجنس الأدبي، لم يحاول أن يجمع إحصاءات عن تلك البلاد أو تاريخها أو دياناتها، بل كان منفتحاً في قبول ديانات الآخر ومعتقداته واحترامها، وكان طابعها أدبياً بامتياز.
واما بالنسبة لنزار قباني، فيوضح الكتاب أنه تعد قصيدته الأولى «خبز وحشيش وقمر» التي نشرها عام 1954، بمثابة إعلان مبكر عن ولادة شاعر مشاغب وجريء، لم يكترث لكلّ ما لاقاه من الذين اعتبروه ملحداً وكافراً ومتمرداً، كل هذه الأصوات ماتت وبقي صوت الشاعر فقط. فنزار اطلع على الشعراء القدامى والمحدثين، وخرج عنهم.
ويشير الكتاب الى ان نزار اختصر أربعة عشر قرناً من الشعر العربي في المرأة وصيّره لصالحه ولنفسه ..وهو ابن دمشق وحاراتها، وابن عائلة عرف أحد أجدادها بالريادة المسرحية، إنه ابن شرعي لحاضرة الياسمين والبرتقال والفسيفساء التي تطرز بنيتها التقليدية الموروثة من عصر الأمويين: «معجزة أنّ يولد الإنسان في مدينة/ترمي على أكتافه/في الصيف، آلافاً من الأقمار».
ونزار معروف عن شعره أنه السهل الممتنع، فهو إيقاعي النغم. كان شجاعاً إلى درجة الاستهتار، مقاتلاً إلى حدود الموت، عاشقاً متجاوزاً حدود الرومانسية إلى ما بعدها، ناقداً بحدّ السيف وفوهة المدفع، لذا كان بحاجة إلى أسلحة جديدة ليتمكن من صدّ أعدائه، فكانت قدرته البلاغية في الشعر، ومجازاته واستعاراته وكناياته، ممّا جعله يخلق معجماً خاصاً به، ويخلق لغة نسميها «اللغة النزارية».