انتشر في كاليفورنيا خبر اكتشاف الذهب في منطقة كلوندايك في يوكون في شمال غربي كندا، وتدفق المغامرون والباحثون عن الثروة على تلك المنطقة وأقاموا فيها المخيمات ثم المستوطنات. سمى المؤرخون تلك الهجرة بـ«الهجمة على ذهب آلاسكا»، وبلغ عدد المهاجرين 100 ألف، كان جاك لندن مؤلف هذه الرواية أحدهم، عن هذه الرحلات الجليدية تدور رواية «نداء البراري»، التي تعتبر منارة في الأدب الرعوي والرحلات، كتبها الأديب الأميركي جاك لندن (1876- 1916م) وتروي ذكريات الحالمين بالذهب في أصقاع آلاسكا.
الطبيعة البكر
وتصف الرواية الهجرة الكبيرة إلى الطبيعة البكر، حيث ازدهرت تجارة الكلاب القوية من فصيلة هاسكي لجر المزالج فوق الجليد، كما أصبح عصب الحياة، ودونه يستحيل التنقل والحركة ويموت المغامرون جوعاً وتجمداً. فقد كانت الطبيعة قاسية جدا في تلك البراري الجليدية والإنسان أقسى منها. وأكثر ما عانى من تلك القسوة المزدوجة العمال والكلاب. وفي غمرة تلك القسوة والبحث المزدحم والمتكاثف على الذهب، نشأت مودة بين كلب وأحد المغامرين.
نداء الريح
تبدأ الرواية بكلب وديع يعيش باسترخاء في حديقة منزل صاحبه القاضي ميلر في وادي سانتا كلارا في كاليفورنيا. اسمه باك وهو من فصيلة سان برنارد المشهورة بأعمال الإنقاذ في جبال الألب الأوروبية. يسرقه مانويل المدمن على القمار ويبيعه الى تجار الكلاب الذين يعلمونه الطاعة بالضرب ويجوعونه ويحبسونه في قفص ليصبح شرساً. يشتريه فرانسوا وبيرولت اللذان يقومان بنقل البريد للحكومة الكندية ويأخذانه معهما الى كلوندايك حيث يدربانه على جر المزلجة.
يجد باك نفسه في عالم غريب لا يعرف كيف يعيش فيه. وسرعان ما تستيقظ فيه غرائز أسلافه البرية ويتعلم القتال، والبحث عن الطعام والنوم على الثلج وتحت الثلج المنهمر. وعندما يضمه الرجلان الى قطيع الجر، يرفضه زعيم القطيع الكلب بيتز ويتحداه الى القتال. يقاتله باك ويهزمه ثم يصبح قائد القطيع.
رحلة البريد
ويستخدم الرجلان الكلاب في نقل البريد في رحلة طويلة ومتعبة، ويجبرانها بالضرب على نقل الطرود الثقيلة الى منطقة المناجم. تتعب الكلاب وتظهر عليها نهكة المرض، فيسقط الكلب ديف مريضا ويطلق الرجلان عليه النار لإراحته من العذاب. وعندما يصلان الى مقصدهما، يبيعان الكلاب الى ثلاثة أمريكيين من صيادي الثروات، هال وأخته مرسيدس وزوجها تشالز، وهم شباب يفتقرون الى الخبرة، لا يجيدون قيادة المزلجة والسيطرة على الكلاب.
يخطئون حين يرغمون الكلاب على جر حمولة أثقل من استطاعتها الى المنجم البعيد وراء النهر. يضربونها دون رحمة ويكثرون من إطعامها حتى تستعيد قوتها. وفي منتصف الرحلة ينفذ الطعام وتجوع حتى الموت، فتسقط الواحد تلو الآخر.
مصير
ويبقى خمسة من الفريق الذي يتألف من أربعة عشر كلبا. يقود باك الكلاب الخمسة ببطء ويصلون بصعوبة بالغة الى مخيم جون ثورنتون القريب من المنجم. يلاحظ جون، وهو خبير في البراري، حالة الكلاب المزرية ويخبر المغامرين الثلاثة بأنها غير قادرة على مواصلة الرحلة، ثم يحذرهم من عبور النهر لأن طبقات الجليد تصبح هشة في الربيع وقد تتكسر حين يمرون فوقها.
لكن هال يستخف بتحذيره، ويعطي أمرا الى باك بالتحرك. لا يستجيب باك ويبقى مستلقيا دون حركة. يضربه هال بعنف ثم يستل سكينه، فيتدخل جون وينتزع السكين من يده بالقوة، ويقطع بها الحبل الذي يربط باك بالمزلجة ويقول له إنه سيعتني بالكلب. يشتمه هال ويقوم مع مرافقيه بعبور النهر، وبعد مسافة قصيرة، يتكسر الجليد ويموت الثلاثة غرقاً.
معارك التبر
يعتني جون بـالكلب ويعالجه حتى يتعافى ويسترجع حيويته. فيحبه باك ويقوم بحراسة مخيمه والدفاع عن مصالحه. في أحد الأيام، يسقط جون في النهر، فيسرع باك اليه وينقذه من الغرق. وعندما يحاول أحد المغامرين الطامعين بالمخيم جر جون الى القتال في الحانة، يهجم عليه باك ويدفعه الى الهروب. والأهم من كل ذلك، يكسب باك كمية من التبر قيمتها 1600 دولار، حين راهن زعيم السكوكوم على قوته وطاعته لـجون. فقد استطاع باك، كما أمره جون، أن يجر مزلجة وزنها نصف طن مسافة 91 متراً، ويعرض زعيم السكوكوم كمية كبيرة من الذهب ثمنا له، لكن جون الذي أصبح مولعاً به يرفض بيعه.
جاذبية الحياة
يتوغل جون مع رفاقه وباك في الغابة الكندية، بحثا عن منجم الذهب المهجور. وفي أعماق الغابة يشعر باك بجاذبية الحياة البرية، يشعر بها تناديه بوحشية مع صفير الريح وحفيف أوراق الشجر، فيستجيب لندائها، غير أن ولاءه لصديقه جون يكبله. يتآلف مع ذئب ويصطاد معه ثم مع بقية القطيع، لكنه يعود بعد ذلك الى المخيم
وينام قرب جون. يعود في أحد الأيام من الصيد، ويجد أن بعض الهنود من قبيلة ييهات، قد هاجموا المخيم طمعاً بفتات الذهب وقتلوا جون ورفاقه. ينقض باك عليهم ويقتل بعضهم ويفر الباقون.
ثم يجلس قرب جثة جون ويبكي عليه حتى تصل النجدة. لم يعد هناك شيء يربط باك بعالم البشر غير الولاء المطلق لصديقه الميت. لم يستطع أن ينساه، وظل يزوره كل عام في نفس اليوم وفي نفس المكان الذي قُتل فيه، وينوح عليه بالبكاء والعويل. راجت الأقاويل عنه وتناقل الناس أخباره، فأشفق عليه بعضهم وخاف منه البعض الآخر. وسرعان ما انتشرت «أسطورة شبح كلب الشمال»، الذي ظل يزور صاحبه ويبكي عليه كل عام حتى مات.
المغزى الرئيسي
تُعتبر رواية نداء البراري منارة في الأدب الرعوي الذي يصور حياة الرعاة أو القرويين في الأصقاع النائية. وغالبا ما ينتهي هذا الأدب بانسحاب الشخصية أو الشخصيات الرئيسية من العالم الحضاري والعودة الى الطبيعة. وهذا ما فعله باك الذي يرمز الى الانسان ورد فعله على الفساد الحضاري. وحتى يوصل جاك لندن هذا المغزى بيسر وسهولة جعل عدة مغازٍ تدور في فلكه، مثل مغزى الانتخاب الطبيعي والبقاء للأقوى ومغزى العنف والغريزة ومغزى الصداقة والوفاء، ثم وضعنا في تواصل مع عالمين مختلفين، عالم جون ثورنتون وعالم الكلب باك.
في البداية نتعرف على باك ككلب ودود ومسالم ثم نجده يتحول بالعنف الى كلب عدواني. يدرك باك بالغريزة أن البقاء للأقوى، فيتعلم القتال ويخوض سلسلة من المعارك مع الكلاب القوية المسيطرة. واذ يحقق مراده ويصبح قائدا لكلاب الجر ثم قائدا لقطيع الذئاب، يجد أنه لا يستطيع أن يتخلى عن صديقه جون ثورتون.
في تلك المرحلة نكتشف أن عالم جون لا يختلف عن عالم باك. إنه عالم أصبح فيه الذهب سيد القيم، في سبيله يرخص كل شيء، ولأجله يقامر الناس بأرواحهم (هال وأخته وزوجها). واذا عثروا عليه، هدروه على النساء والقمار أو قتلهم صيادو الثروات وسرقوه. البقاء فيه للأقوى والقوي يسود ويحكم بالعنف والغريزة. ومن خلال هذين العالمين، يقدم لنا علاقة واحدة صادقة وهي العلاقة بين جون وباك.
نجاح
صادفت هذه الرواية ترحيبا شعبيا لا مثيل له في أميركا وكندا، بعدما رفضت معظم دور النشر والمجلات نشرها. قبلت مجلة «ساترداي ايفننغ بوست» نشرها في أربع حلقات في صيف 1903. ومع نهاية الحلقة الرابعة، سارعت شركة «ماكيملان» إلى شراء حقوق نشرها وطبعت عشرة ملايين نسخة، نفذت كلها من الأسواق خلال أسبوع! ومنذ ذلك الحين وحتى هذا اليوم لم تتوقف «ماكيملان» عن طباعتها.
ترجمت الرواية الى 47 لغة، وهناك ترجمات متفاوتة في اللغة الواحدة. في اللغة العربية أكثر من عشر ترجمات لها حملت أحد العنواين الثلاثة: «نداء البراري» أو «نداء البداءة» أو«نداء البرية» ولا تزال أعمال الترجمة والاقتباسات لها مستمرة، ولايزال الإقبال على قراءتها قويا. يضاف الى ذلك، أنها دخلت المناهج التعليمية وتُدرس في المدارس الثانوية في كثير من دول العالم.
في أميركا وكندا بعد نشرها في صيف 1903
1978
مسلسل «نداء البرية» 1978 الذي أصبح فيه اسم باك تشالي براون، وأخرجه فيل رومان
وعرضه تلفزيون «أس. بي.سي».
1997
الفيلم التلفزيوني على حلقات «نداء الكلب البري» أنتج 1997، وهو من إخراج بيتر سفاتيك
وبطولة روتغر هوير.
2000
مسلسل «نداء البرية» وهو من إخراج زيل دالين، وبطولة شيف ميير وريتشل هيوارد،
وعرض سنة 2000.
