كثيراً ما ينشغل الدكتور يوسف الحسن بالقضايا المحلية، يبحث فيها مرتكزاً على خبرة ومعرفة، ويهدف بهذا إلى طرح العديد من الحلول، وفي أحيان أخرى يلتقط مشهداً مما تعيشه الدولة الآن مثل كتابه «العلاقات الثقافية الخارجية للإمارات»، ليقدمه للقراء، وفي كل مرة يؤكد حرفيته وتمرسه بهذا النوع من الكتابات الفكرية والبحثية.
وفي هذا السياق أيضاً يأتي كتابه الأخير «أية ثقافة أي مواطن نريد للمستقبل - شواغل وهموم وطنية إماراتية»، ليستعرض الكثير من القضايا التي تشغل المجتمع الإماراتي، كما تحدث عن ضرورة تنمية الحس بالتاريخ عند الأجيال الناشئة، مبيناً أنه يقلقه غياب كتاب جامع لتاريخ الإمارات، موضحاً أن التاريخ لا يكتبه الهواة، مقدماً اقتراحات قد تكون بداية لحل بعض هذه القضايا. عن هذا تحدث د. الحسن لـ«البيان الكتب»، في هذا الحوار:
أسئلة الهوية
اخترت هذه المقالات دون غيرها لتخدم فكرة وعنوان الكتاب؟
هذه المقالات هي بعض شواغل وهموم وطنية رئيسة، تشكل عصارة أسئلة الهوية والثقافة في مجتمع الإمارات، واستشعرت من خلالها مدى الحاجة الملحة لتطوير وبلورة مشروع ثقافي وطني فاعل وعصري وشامل، يسهم بتشكيل شخصية المواطن في المستقبل ويحفز الأجيال الناشئة على احتلال رؤية عقلية نقدية إبداعية وإنسانية في آن، للتفاعل والتعامل مع التحولات والمتغيرات التي طالت كل البنى الاجتماعية والمعرفية والاقتصادية في مجتمع الإمارات.
إرادة وإصرار
ذكرت بأن النفط وحده لا يكفي، فما أهمية استحضار هذه العبارة بين فترة وأخرى؟
أهميتها تكمن في الرد على كتابات مستشرقين ومستغربين، قالت إن اتحاد الإمارات ما كان ليتم أو ينجز وينطلق إلا بفعل وجود ثروة نفطية.
وما زال البعض يقول حتى الآن كلما نظر إلى ما تحقق من إنماء وتقدم وتحديث، إنه لولا الريع النفطي لما تحقق ذلك، وينسى هؤلاء ان البلاد لم تكن فيها قبل أربعة عقود لا بنية تحتية ولا فوقية، لا تعليم ولا مستشفيات ولا طرق ولا قوانين عصرية، ولا مهندسون أو عمال مهرة، ولا مساكن لكل هؤلاء إن وجدوا.
لا أحد من هؤلاء الكتاب يذكر دور الإرادة السياسية والرضا الشعبي والرؤية الحكيمة وتسخير الثروة لتنمية الإنسان وعمران الأرض، لا الحرب الخارجية والتصارع على السلطة والفساد والإفساد والعلو في الأرض. نعم «النفط وحده لا يكفي» ولنتذكر نموذج دبي الآن، إنه نموذج نعتز به ونفاخر.
أهمية التاريخ
استشهدت ببعض الأقوال منها للمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري أو غيره فما أهمية الاستشهاد بعبارات مؤثرة؟
استشهدت بقول للجابري «إن رضا الشعب الإماراتي على رئيسه لا يوجد له مثيل في الوطن العربي»، هذا القول وغيره صدر عن مفكر غير معروف عنه مديح الرؤساء أو الملوك أو النظم العربية الحاكمة، فالجابري متقاعد عن العمل السياسي منذ عام 1981 وحتى وفاته، وظل مسكوناً بهواجس التربية والفكر، لذلك كان حديثه المنشور عن زايد والإمارات عام 1996 مفاجأة سارة لي.
طرحت في نهاية استعراضك لفصل «الهوية الوطنية وكتابة التاريخ» المبادرة لتشكيل لجنة عليا رفيعة المستوى لإدارة مشروع كتابة التاريخ، فمن هم بحسب وجهة نظرك المقترحون لهذه المهمة؟
بدون بلورة علمية وواقعية للهوية يتعذر إحداث تنمية سياسية حقيقية، وبدون كتابة تاريخ الإمارات (التاريخ الذي لم يكتب حتى الآن) وتنمية الحس بالتاريخ عند الأجيال الناشئة يضطرب الوعي وتتسطح الأجيال وتضعف مناعتها وينقطع وصلها مع الذات ومع المكان والمستقبل. ويقلقني غياب كتاب تاريخ الإمارات، ويوجعني الفهم الملتبس عند كثيرين لمعنى الهوية الذي يظن البعض انها مجرد «كندورة وعقال».
فالتاريخ لا يكتبه الهواة ولا يجمعه أو يحققه أو يصحح به أنصاف المتعلمين، كتابة التاريخ ضرورة اليوم قبل الغد ومواصفات من يتصدى لهذا العمل معروفة علميا وله شروطه. كما أتمنى أن يتولى هذا المشروع الوطني الكبير الأديب والمؤرخ والمعلم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
رأس المال الاجتماعي
طرحت بعض القضايا مثل «رأس المال الاجتماعي، وأية ثقافة نريد» فما أهمية طرح هذه القضايا للوصول إلى حلول؟
الثقافة قضية وطنية مثلى، وليست من الكماليات وأية خطوة استراتيجية تتطلب الإجابة عن سؤال: أي مواطن نريد في المستقبل؟
فإذا أردنا مواطناً مبدعاً ومنفتحاً ومشاركاً وحاملاً لقيم العدالة وقيم الإنسان وباحثاً عن المعرفة والحكمة من أي وعاء مواطناً يثمن الوطن ليس كمورد رزق بل كحياة ومصير وانتماء وهوية وإنتاج وواجبات، عندئذ نصوغ الثقافة التي تحقق ذلك. أثمّن تماماً ان معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، يطمح لهذه الاستراتيجية، فهل وفرنا له الإمكانيات غير المادية؟.
فمسألة رأس المال الاجتماعي لا تعني الإمكانيات المالية والتفاعلات السياسية، بل التفاعلات الاجتماعية بين الإنسانية، مثل الثقافة والعمل الجماعي والترابط المدني بين أعضاء المجتمع وتبادل الحوار والثقة بين الناس «الحوار الثقافي بين النخب المثقفة غائب تماماً».
وتعلمنا تجارب المجتمعات المتقدمة انها لم تتأسس على قاعدة رأس المال المادي وإنما على مخزون صحي من رأس المال الاجتماعي من تعليم وبناء روح العمل الجماعي وتطوير المنظومات. إن مخزوننا من رأس المال الاجتماعي ما زال ضعيفا رغم كل المحاولات والنوايا الطيبة.
تجربة فكرية
أصدرت عدداً من الكتب الفكرية والسياسية، فما الذي حاولت أن تطرحه عبر هذه الإصدارات؟
ما كتبته من كتب ومقالات، يستند على مخزون ثقافي متنوع وتجربة سياسية عملية، ومن اهتمامات وهموم مجتمعية من كتابي الأول في منتصف السبعينات وحتى الأخير رقم (32) الصادر قبل شهور عن دار التنوير في بيروت واسمه «قلق القيم»، والذي تزامن مع إصدار «أية ثقافة أي مواطن نريد في المستقبل».
كان ومازال انشغالي الأساس بالسياسة والثقافة في الثمانيات - مثلاً - انشغلت بتدوين وتحليل تجربتي الدبلوماسية في أميركا، وحللت نظامها السياسي ومناخها الديني والثقافي، وفي التسعينات استحضرت فضاءات وإشكاليات عربية ومسألة الحوار مع الآخر في العقد الأخير في الدبلوماسية، وأعطيت وقتاً وجهداً كبيرين للمشاغل الوطنية وقضايا الإنسان في عصر العولمة وتأثيرها على مجتمعنا.
وبحثت في كتاب «مستقبل دولة الرفاه في الخليج»، وفي الوقت نفسه أصدرت كتابي «ذاكرة الأمكنة»، وفيه من الحفريات في الذاكرة وأجزاء من سيرة ذاتية مع شخصيات وتجارب واستحضار تاريخ ومواقع ونخب. ولم يفارقني لحظة سؤال الثقافة في مشروع نهضوي عربي معاصر منفتح ومتجدد بفكر لا يثرى إلا بالحرية.
في عوالم القصة
أصدرت مجموعتك القصصية «اعتذار إلى البحر» فمتى تكتب القصة ولماذا أنت مقل بهذا المجال؟
كنت أتمنى لو كنت روائياً، لكن يبدو ان انخراطي المبكر في السياسة ومهنتي كدبلوماسي على مدى أكثر من ثلاثة عقود ونصف، ذهبت بي بعيدا عن كتابة القصة أو الرواية، فضلا عن الكتابة الساخرة، وقد أصدرت جزءين من هذا النوع من الكتابة بعنوان «حدثني صامت ابن غلبان» أعتقد ان قصصي كانت مجرد طرقات خجولة على بوابات الفن القصصي، عبرت خلالها عن تغيرات اجتماعية في حياتنا المعاصرة بالإمارات.
هل من كتب تعمل عليها الآن؟
أعكف على استكمال مشروع حول قلق الهوية في الخليج، بدأته منذ نحو أربع سنوات لكن العمل فيه عرقلته انشغالات الكتابة المتتالية في الصحف حول الأحداث والانفجارات العربية المجتمعية، وزحام الندوات والمؤتمرات، وفي هذا المشهد العربي السائد الذي تختلط فيه المأساة بالملهاة، يكون القاتل فيه عربياً والمقتول عربياً.. إنه موت مجاني. هناك مخطوطات لكتب كثيرة على مكتبي، من ضمنها؛ كتاب عن تجربتي والحوار بين الأديان والثقافات. والمهم أخيرا أن لا تتسع المسافة بين الحلم والقدرة على تحقيقه.
أسئلة الثقافة ونسق قيم مُواطن المستقبل
يسعى كتاب «أية ثقافة أي مواطن نريد في المستقبل - شواغل وهموم وطنية إماراتية» للدكتور يوسف الحسن إلى الإجابة عن أسئلة مركزية في قضايا تأسيس اتحاد الإمارات وما يواجهه من تحديات، فضلا عن أسئلة الثقافة ونسق قيم مواطن المستقبل، وإشكاليات تكوين رأس مال اجتماعي والتحولات وتأثيراتها في صياغة وتشكيل رؤية مواطن المستقبل تجاه الآخر.
كما ركز على دور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في بناء الدولة، وفسر إبراز هذا الأمر في أكثر من مناسبة بقوله ان كل شعب وكل أمة تحتاج دوما إلى ما يمكن تسميته «بالأيقونات المُؤسسة» ..
والتي تبني على أساسها معمارها الإنساني ومزاجها الوطني وطموحاتها، وإلى حد كبير عناصر مهمة من مثلها وشخصيتها وسمعتها وعلاقتها الإنسانية، من هنا فإن المغفور له الشيخ زايد هو المؤسس الأبرز لهذه الأيقونات، أحبه شعبه وبادله حباً وولاء.
نموذج مؤثر
وشكل زايد نموذجاً للتواضع والنخوة التلقائية وشجاعة الحكيم وقدم الإمارات للعالم بشكل مؤثر ومقنع ومفيد، وألف بين «أقاليم الإمارات»، التي كانت على مدى اكثر من قرنين متنازعة ومتحاربة ومقسمة ومعزولة عن العالم.
وشكلت شخصيته عصارة حقيقية للحكمة العربية الأصيلة، وكان خطابه مباشراً إلى الناس، وبالتالي فإن استحضاره دائماً ضرورة تحفيز ووفاء، فضلاً عن حاجتنا إلى «ركائز مُؤسسة» تسند المشروع الثقافي والهوية والوطنية.
أبواب وعناوين
والكتاب الصادر عن ندوة الثقافة والعلوم عام 2014 يحتوي على ثلاثة أبواب تضم عشرة عناوين موزعة على 95 من القطع المتوسط. إذ ضم الباب الأول الذي جاء بعنوان «من القبيلة والفقر إلى الدولة والرفاه» أربعة عناوين، وهي «المخاض العسير والولادة، النفط وحده لا يكفي، دور القائد المؤسس، يوم الكينونة».
وجاء الباب الثاني بعنوان شواغل وهموم وطنية وضم خمسة عناوين، وهي «الهوية وكتابة التاريخ، هل لدينا رأس مال اجتماعي، أية ثقافة نريد في المستقبل، أي مواطن نريد في المستقبل، ونحو مشروع وطني للمستقبل». وأخيراً ضم باب أسئلة التحولات ومنظومة القيم وهو الأخير في الكتاب عناوين: «أسئلة التحولات ومنظومة القيم، والعولمة والثقافة في الخليج».
إضاءة
الدكتور يوسف الحسن كاتب ومفكر وصاحب تجربة طويلة في الدبلوماسية والإعلام والثقافة، صدر له أكثر من 30 كتاباً في السياسة والمجتمع والفكر والثقافة، منها «صورة المرأة في الكتب المدرسية الإماراتية»، «منظومة القيم بين الشباب»، وغيرها. صدر له مجموعة قصصية بعنوان «اعتذار إلى البحر».