يواصل الكاتب والروائي السوداني، أمير تاج السر، مشوار تألقه الإبداعي مع روايته الجديدة «اشتهاء»، التي تعد مغامرة إعادة كتابة لروايته المنشورة في أواخر التسعينيات من القرن الماضي «صيد الحضرمية». ويؤكد تاج السر أنه في نهج الكتابة كاتب محلي، يكتب عن بيئته التي ولد وتربى فيها ووعاها. إذ يتابع سنوياً كل المتغيرات التي تحدث فيها.
كما يرى أنه في أعماله الروائية الحالية يعالج موضوعة مهمة كان قد طرحها سابقاً «سوداوية الواقع». ولكنه أيضاً يعالجها ويطرحها حالياً بكثافة وزخم أكبر ذلك كون الحاضر، برأيه أشد وطأة من الماضي دائماً.
وما نعتقده مراً، يمر ونتمنى لو عاد لنتذوق حلاوته التي كنا نظنها مرارة. وهكذا، فإنه يستشهد بذلك بأننا لو راجعنا أعماله التي كتبتها في السنوات الأخيرة، نجدها تتعرض لهذا الحاضر بوضوح، من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
روايتك الأخيرة «اشتهاء»، وفقاً لما صرحت به، تشكل إعادة كتابة لروايتك المنشورة أواخر التسعينيات من القرن 20 «صيد الحضرمية». ما الذي دفعك أو اضطرك إلى ذلك؟
لم يكن هناك ما يضطرني لإعادة كتابة نص منشور بكل تأكيد، وعندي عدة نصوص من بداياتي، لست راضياً عنها حالياً، ولكني لم أفكر في إعادة كتابتها. أما بالنسبة لـ«صيد الحضرمية» فأعدت قراءتها مصادفة، بعد أن كتب عنها ناقد سوداني، ووجدت أنها ربما تكون رواية جيدة لو أزلت شيئاً من غموضها وعدلت من لغتها المتخمة بالشعر، ذلك كونها كانت من مرحلة البدايات حين كنت متأثراً بالشعر كثيراً..
وأحكي في الغالب بالصورة الشعرية.. المسألة كانت مغامرة كبيرة، ولا بد سيأتي قارئ اطلع على «صيد الحضرمية» ليقارن بين النسختين، لكن لا بأس، كل مغامرة تستلزم قراراً وأنا اتخذت القرار الذي أرضاني.
مبررات
أليست إعادة كتابة رواية منشورة مسألة نادرة في التاريخ الروائي العربي على الأقل؟
لست على يقين. ولكني حقيقة، لم أسمع بكاتب عربي أعاد كتابة رواية منشورة له، وربما في الغرب يوجد من فعل ذلك. وفي رأيي الشخصي فإن كل مرحلة كتابية للكاتب تكون متوهجة في لحظتها، وتنتج أعمالاً يعدها الكاتب مرضية في حينه.
مقارنة
ألعب الحاضر دوراً بسوداويته في إعادة إنتاج الرواية. وهل تجده أكثر سوداوية بالنسبة للمرأة (والتي هي موضوعة روايتك) أكثر من فترة سبعينيات القرن 20؟
الرواية تدور أحداثها في بداية التسعينات من القرن الماضي، وكتبت في نهاية التسعينيات، ذلك أنني في السبعينات كنت تلميذاً صغيراً يا أخي. أنا لم أعدل الفترة الزمنية، وتركتها كما هي، لذلك لا دخل للحاضر في إعادة إنتاجها.
أما بالنسبة للسوداوية، فقطعاً الحاضر أشد وطأة من الماضي دائماً، وما نعتقده مراً، يمر ونتمنى لو عاد لنتذوق حلاوته التي كنا نظنها مرارة. هكذا، وإن راجعت أعمالي التي كتبتها في السنوات الأخيرة، تجدها تتعرض لهذا الحاضر بوضوح، من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
«أنا هكذا»
لماذا يستحوذ السودان والعمق الإفريقي، على الجزء الأكبر من معالجاتك الروائية، في حين يتوارى عنها الشمال والنطاق العربي الخليجي؟
أنا هكذا، كاتب محلي، أكتب عن بيئتي التي ولدت فيها وتربيت فيها ووعيتها تماماً، وأتابع سنوياً كل المتغيرات التي تحدث فيها، وبالطبع يمكنني الكتابة عن الخليج العربي، خاصة أنني عشت سنوات في قطر، وأحببتها بشدة وأدين لها بالفضل، وشهدت نهضتها الكبرى، ولكن تلك الكتابة ستكون خارج الرواية. الروائي القطري يبدع في كتابة بيئته أفضل مني بكل تأكيد.
سأكتب.. ولكن
ألا تفكر في كتابة عمل عن حياتك في الخليج العربي. ألم يؤثر فيك العيش في دوله.. ويلقي بظلاله على تجربتك وحياتك الإنسانية؟
نعم.. لا أنكر أنني فكرت كثيراً في كتابة رواية مستقاة من تجربتي وخبرتي في الحياة خلال عيشي في منطقة الخليج العربي، ولكن تنقصني أشياء كثيرة، منها أمور تاريخية وتراثية.
إذ تنقصني عادات لا أعرفها جيداً، لذلك قلت لك إن الروائي الخليجي أقدر مني على ذلك، أنا سأكتب عن قطر إن شاء الله، سأكتب كتاباً يوفيها ولو قليلاً مما قدمته لي في مشواري العملي والأدبي، سأكتب عن شخصيات عرفتها وتأثرت بها، وعن نهضة عشت انطلاقها بالكامل. وعن شعب محب ورائع عشت معه سنوات طويلة، ولا أزال.
خصوصية
لماذا تتشبث بمدرسة الواقعية السحرية في الرواية؟ هل مرد ذلك رغبتك في عدم الاصطدام بحساسيات الواقع وما يموج به من تناقضات؟
ليست مسألة تشبث. هو أسلوبي الذي ولد معي واستمر معي واستطعت تطويره إلى كتابة واقعية سحرية أو موازية للواقع خاصة بي، ذلك من دون التأثر بأي أحد. أنا أجيد هذا الأسلوب ويمكنني من خلاله تقديم رؤية أفضل في اعتقادي، يمكنني تفعيل الخيال وكتابة الشعر والأسطورة من غير إحساس بأنني أقحم أشياء غير ضرورية.. وأنا مرتاح هكذا في أسلوب يجمع بين معطيات الواقع وهبات الخيال.
رغم أنك لم تكتب إلا ديواناً شعرياً واحداً، وذلك في البدايات، لا تزال مخلصاً للغة الشعر ومجازاته، وفقاً لما يتجلى في مجمل أعمالك الروائية.
نعم أنا لم أستمر في كتابة الشعر لأنني وجدت نفسي في السرد أكثر، فقط استمررت في الكتابة برائحة الشعر وتلاحظ ذلك في أسلوب البناء الفني والصور الشعرية المتكررة، واللغة التي أكتب بها عموماً. وكما ذكرت لك، عمدت إلى تطوير الأسلوب بحيث لم يعد الشعر داخل السرد غاية، ولكنه أداة من الأدوات الأخرى. والآن، على العكس من بداياتي، أصبح لدي قراء متعددون، تفاعلوا مع هذه الطريقة.
كوميديا سوداء عن بلاد غامضة
تدور أحداث الرواية في قرية في أقصى شرق السودان، وتتحدث عن سيرة «حورية مصلح»، خلطة الحضارم والغجر، وسعيها للزواج بمدرس غريب دخل القرية ذات يوم، وكان قد هجرها ثلاثة أزواج.
والحكاية ترتبط بما يجري في البلدة الريفية من أحداث ومتغيرات، وترصد بأسلوب الواقعية السحرية وبلغة يحتل فيها الشعر موقعاً كبيراً، تفاصيل دقيقة عن سيرة حورية وسيرة البلدة، وشخصيات عدة، بعضها أسطوري، مثل شخصية: الغشيم كرو، الخادم المعتوه لحورية، والسياسي الذي تدرب في السجن بعد أن اعتقل خطأ ذات يوم.
صراعات وشخوص
تأتي أحداث الرواية متلاحقة، يختلط فيها الواقعي بالسحري والأسطوري، لتكتب لنا كوميديا سوداء عن بلاد غامضة، تتصارع فيها الشخوص، كما تتصارع النزوات والرغبات، وتنتهي نهاية مفتوحة، تبدو عادلة لما كان يحدث.
مشروع.. وامتداد
يمكن اعتبار «اشتهاء» بتعديلها الجديد، والصادرة أخيراً، عن دار الساقي في بيروت، امتداداً لمشروع الكاتب الذي بدأه في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وبلغ أكثر من خمسة عشر رواية، إلى جانب مجموعة كتب في السيرة، وكتاب شعري واحد. ويبدو تاج السر مخلصاً لمشروعه، إذ إن كل رواية تأتي بفكرتها المختلفة عن الروايات المتبقية، لكنها تدور كلها في فلك السودان بخيره وشره، وتكتب باللغة ذاتها التي يتنفس بداخلها الشعر.
سيرة
أمير تاج السر.. طبيب وروائي سوداني. تخرج في كلية الطب في جامعة طنطا في مصر. يعمل حالياً طبيب أمراض باطنية في دولة قطر. بدأ حياته الأدبية بكتابة الشعر. لديه ديوان شعر بعنوان «أحزان كبيرة». ثم انتقل بعد ذلك لكتابة الروايات، وكانت البداية في مصر. ومن أوائل أعماله الأدبية رواية «كرمكول». ومن بين أهم رواياته «صائد اليرقات»، التي وصلت إلى القائمة القصيرة في مسابقة الجائزة العالمية للرواية العربية (النسخة العربية لجائزة بوكر الأدبية).