يعانق النقد روح التخييل والإحالات والإسقاطات، في موضوعة وحوارات الشاعر الإماراتي جمال مطر، في كتابه الأخير «رب واحد يكفي». إذ يتناول تجربة وعطاء وسمات قامة شعرية فذة: المتنبي، ناسجاً في كتابه خيوط الجدل والنقاش والحوار المعمق، مع أبي الطيب نفسه، الشاعر العربي الفذ.
وذلك من دون أن يغفل استعراض قيمة نتاجه وتفرده، إلى جانب تميز صفاته وتضخم الأنا لديه. ويبين مطر، في حواره مع "بيان الكتب"، أن جوهر، بل محور الكتاب، النبش عميقاً في مكنون جذوة الإبداع لدى هذه العبقرية الشعرية التي لن تتكرر، من خلال معالجات وتحليلات شاملة تقترن بحوارات تدور بينه وبين المتنبي، وكذا شخوص خيالية أخرى، وذلك في توليفة أسلوب شائق متسم باستفزاز مقصودة.
ما سبب اختيارك المتنبي تحديداً، ليكون موضوع كتابك، وكذا المفضل لديك من بين الشعراء العرب؟
علاقة قديمة، مميزة ومتينة، تربطني بالمتنبي. وربما يتساءل البعض: كيف يمكن لكتابي هذا، أن يتناول سيرة المتنبي وإبداعاته، وهو الذي صدر عنه نحو ألف كتاب، إضافة إلى أربعين شرحاً لمعاني قصائده وآفاقها؟ لا إجابة لدي سوى القول إني عكست فيه إفرازات جمة، جميلة، لعلاقتي تلك بالمتنبي، والتي تمتد إلى أيام الدراسة، تحديداً مذ كنت في المرحلة الاعدادية. إذ كان والدي يقول لي :" افتح ديوان المتنبي على الصفحة 506 ". وأفعل فأقرأ فيها: "عيد بأي حال عدت يا عيد..."
. ومن ثم يقول لي: افتح على الصفحة 327. وكذا أقرأ فيها: "وحرّ قلبان من قلبه ...". وكنت أحياناً أغضب منه (أقص من أبي الطيب بينما أنا أطالع قصائده). وأقول له:" يا عديم الإحساس والمشاعر. كيف يتسنى لك أن لا تكتب عن المرأة؟ ألم ترغب يوماً، في أن تصبح شاعراً رومانسياً؟" لكن أظن ان هناك في صدره كانت ثمة قصيدة عشق لم يبح بها.
شاعر كل الأزمنة
ما الذي أردت إبرازه بشكل مباشر، في تحليلك الموسع والمعمق لشخصية المتنبي - الشاعر.. أكان مرماك التأكيد أنه يبقى الأميز حتى في العصر الحالي؟
لم يقتصر كتابي على شرح قصائد المتنبي وموقعه الكبير في الشعر العربي، بل يتحدث عن المعاصرة في شعره. وأنا لا أبالغ في القول، إن المتنبي شاعر معاصر يصلح لكل الأزمنة. والثابت أن الشاعر العظيم هو الذي لا يرتبط بزمن معين.
هل تحلم أن تكون متنبي عصرك؟
هذا حلم عصي التحقق. ولعلك لاحظت أن العنوان يشير إلى أن هناك شاعراً واحدا فقط اسمه المتنبي. وأنا لست متفرغاً للشعر وعالمه، بل موزعاً بين الشعر والمسرح والتلفزيون. فمن ذا الذي يقدر أن يصل إلى قامة المتنبي؟ أتساءل أحياناً عن القصائد التي لم يبح بها المتنبي وظلت مكبوتة في صدره، هناك بلا شك أشياء كتبها وأشياء لم يكتبها. لا بد أن تكون في صدره قصيدة غزل حول امرأة جميلة".
هل تظن أن طه حسين أعطى المتنبي حقه في الدرس والنقد، كي تفرد له فصلاً كاملاً في الكتاب؟
نتبين في حقيقة الحال، أنه يأنف طه حسين ويتأفف من المتنبي.. ويصرح في كتابه "مع المتنبي"، بلامبالاته تجاه هذا الشاعر الكبير. لكني لا أظن أن أحداً، أياً كان، يستطيع أن يقلل من شعره، فلا يحتاج النهار إلى دليل. وربما أن هذا الاعتبار يشكل أساس ومرجعية تخصيصي فصلاً كاملاً لهذا الغرض.
كيف تتصور ماهية القريحة الإبداعية التي حازها المتنبي؟
أظن أن شاعراً كالمتنبي لديه قدرة فريدة في التعبير. فهو الشاعر الذي يستطيع أن يحوّل الكلام العادي إلى بيت شعري أصيل، وهي ليست بالقدرة العادية. وكما أشرت في كتابي، فإنه عندما يكون الشاعر صاخباً تكون كذلك اللغة صاخبة وغاضبة لغضب الشاعر. وأعود لأكرر هنا ما ذكرته في الكتاب:"يموت الشاعر ليحيا آخر.. الموت يعني الحياة. متى ما مات شاعر نمت البذرة في آخر".
ما سبب تأكيدك على جانب ارتجالية هذا الشاعر؟
لا نحار كثيراً في استخلاص هذا. فيكفينا لنتبين ذلك، التمعن في بيت يقول فيه:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم.
وطبعاً، يعني شاعرنا بهذا، أبي فراس الحمداني وابن خالويه والحساد. وهو أيضاً، من قال قصيدة كلها ارتجال في سيف الدولة:
إن كان سركم ما قال حاسدنا
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وعلى إثر ذلك، قام سيف الدولة من مكانه وقبّله على رأسه، حسب الروايات المتناقلة. وتلك كانت قبلة اعتذار له، واعترافاً بقدرته على الارتجال.
سيرة
جمال مطر. شاعر وكاتب إماراتي، ومؤلف ومخرج مسرحي. يعمل مقدم برامج في تلفزيون دبي. صدر له: "نحب الملح أكثر"، "جميلة". إضافة إلى مجموعة إصدارات أخرى.
عمل في الصحافة، وشارك في العديد من المهرجانات الثقافية والإعلامية.
تجربة فريدة في قراءة نتاج «مالئ الدنيا وشاغل الناس»
يوضح جمال مطر في مقدمة كتابه، الذي يختزل فيه تجربته الشخصية في قراءة المتنبي، والصادر حديثاً عن دار كتّاب الإماراتية، أنه يتردد كثيراً قبل تنفيذ مشروعه، لأنه أمام قامة شعرية كبيرة. ويخوض المؤلف في نسب الشاعر المتنبي، واختلاف الروايات في هذا الصدد، وانتقاله بين المديح والذم، ما بين سيف الدولة الحمداني، وكافور الاخشيدي.
صعاب كثيرة ووهاد عصية، يطوعها ويتجاوزها جمال مطر، في كتابه الجديد، محاولاً فيه النفاذ إلى عمق الكنه الإبداعي لدى الشاعر العربي الأبرز، على مر العصور: المتنبي. إذ يشرح مطر في كتابه، السمات اللافتة عند هذه القامة الشعرية والفكرية العربية الفذة، مستعرضاً في حكايات وتخييلات كتابه، طبيعة القدرة والتفرد اللغويين لدى أبي الطيب، وكذا مهاراته في سبك الجمل وتنسيق المفردات . ولا ينسى جمال مطر في هذا الخضم، استعراض نقطة مهمة في السياق، جوهرها الأنا المتضخمة لديه، والتي أفرزت كل هذه الهبات اللغوية.
معالجات ورؤى
يقسّم مطر كتابه إلى عناوين عديدة: السقوط الحر، عرفت أخيراً، حتى تكتمل اللعبة، نبي الكلام، الشعر لم يمت، لسان طلق، المتنبي مرة أخرى، المهم السؤال، خاتم الشعراء، متى ما جرى الماء يتجدد، البحر الخالد، لسانك حصانك، أثرت زوبعة بحضورك، هبة النيل، وغيرها من الفصول. وفي جميع تلك الفصول، يتناول قضايا نوعية حول شخصية المتنبي وإبداعاته. كما أنه يفرد فصلاً كاملاً بعنوان "حوار خاص"، يدور بينه وبين المتنبي. وهو حوار ومواجهة. ويختتم بالفصل الذي يعنون به كتابه :"رب واحد لا يكفي".
وفي فصول متتالية، يحاور المتنبي، ويغوص في طفولته، ويتساءل: كيف يمكن لشاب في ريعان الشباب أن يكتب شعراً عميقاً الى هذه الدرجة؟ فيقول في حواريته مع المتنبي: "كبرت في صغرك ولذا ذاع صيتك.. أنت في الخمسين يعني مئة سنة مضاعفة في الشعر كفيلة أن تؤثر في البشرية. سنعود للطفولة مرة أخرى، فلا تحسب نفسك يوماً أنك طفل.. وقصائدك رجولية ومعانيك عاقلة". وفي فصل "حتى تكتمل اللعبة"،
استشراف
يستشرف جمال مطر آفاق المستقبل الشعري والأدبي عموماً، من منظور خاص. ويقول في الخصوص: " دخل المتنبي في كل شيء وسيطر على لغتنا وأرواحنا، ما الذي جعله حاضراً فينا، ما الذي جعل المتنبي يتفوق ويقيم دولة الشعر في كل مكان؟".