3 تريليونات درهم مستهدفات الاستثمارات الأجنبية في الدولة للأعوام 2026 و2027

في ظل تصاعد المنافسة الإقليمية على جذب الشركات العالمية ورؤوس الأموال، ناقش مركز البيان للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية ضمن رابع محاور جلسته الافتتاحية بعنوان "الجيوسياسية ، سلاسل التوريد ، BRICS والتحالفات .نحو إطار تنظيمي إماراتي للمرحلة الجديدة "، مستقبل البيئة التنافسية في الإمارات، والتحولات التي تشهدها استراتيجيات الشركات متعددة الجنسيات، والدور الذي يلعبه الاستقرار المؤسسي في ترسيخ الدولة كمركز إقليمي للأعمال والاستثمار.

وخلال الجلسة، قالت الدكتورة هدى الخزيمي، بروفيسور الاقتصاد المتقدم ونائب مدير جامعة نيويورك، إن الإمارات تحولت خلال العقد الأخير من خيار استثماري إلى الوجهة الافتراضية للشركات العالمية الراغبة في إنشاء مقراتها الإقليمية في الشرق الأوسط، موضحة أن الشركات الكبرى تبدأ اليوم بدراسة الإمارات أولاً قبل النظر إلى أي بدائل أخرى في المنطقة.

تغير استراتيجية الشركات

أوضحت الخزيمي أن السنوات الأخيرة شهدت تحولا جذريا في طريقة اتخاذ الشركات العالمية لقراراتها الاستثمارية، خصوصا بعد أزمات كورونا واضطرابات سلاسل التوريد والتوترات الجيوسياسية. وقالت إن الشركات لم تعد تبحث فقط عن الكلفة التشغيلية الأقل، بل أصبحت تضع الاستقرار المؤسسي والقدرة على التنبؤ بالقواعد التنظيمية في مقدمة أولوياتها.

وأضافت أن الإمارات استفادت من هذا التحول عبر توفير بيئة أعمال مستقرة ومرنة، تجمع بين سهولة ممارسة الأعمال، والبنية التحتية المتطورة، وسرعة الوصول إلى الأسواق العالمية.

وأشارت إلى أن 76% من الشركات متعددة الجنسيات العاملة في الشرق الأوسط تتخذ الإمارات مقرا إقليميا لها، وهو رقم وصفته بأنه استثنائي مقارنة بحجم المنافسة الإقليمية المتزايدة.

وبينت أن هذه الشركات لا تختار الإمارات للوصول إلى السوق المحلي فقط، بل للحصول على وصول عالمي وكفاءة تشغيلية عالية، في ظل امتلاك الدولة شبكة موانئ ومطارات واتفاقيات اقتصادية تجعلها نقطة انطلاق للأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية.

وأضافت أن وجود هذه الشركات أسهم في دعم النشاط الاقتصادي المحلي وتعزيز توقعات النمو التي تراوحت بين 5% و5.1% قبل تصاعد التوترات الإقليمية الأخيرة.

الاستقرار كأفضلية

قالت الخزيمي إن الاستقرار السياسي والمؤسسي أصبح اليوم أحد أهم عناصر الجذب الاستثماري عالميا، موضحة أن المستثمر الدولي لم يعد ينظر فقط إلى حجم الأرباح، بل إلى قدرة الدولة على حماية الاستثمارات وضمان استقرار القواعد التنظيمية على المدى الطويل.

وأضافت أن الإمارات حافظت خلال الفترات الأخيرة على تصنيف منخفض لمخاطر الدولة عند مستوى "Double A"، رغم التوترات التي شهدتها المنطقة، وهو ما عزز جاذبيتها أمام المستثمرين العالميين.

وأشارت إلى أن العديد من الأسواق الناشئة شهدت نزاعات تعاقدية واستحواذات أثرت على الأصول الأجنبية، بينما تمكنت الإمارات من الحفاظ على بيئة تنظيمية مستقرة تحمي المستثمرين والشركات.

ولفتت إلى أن الاستقرار المؤسسي في الإمارات لا يرتبط فقط بالقوانين، بل بمنظومة متكاملة تشمل النظام القضائي، والبنية التحتية الرقمية، والاستقرار المجتمعي، والتنوع السكاني الذي يضم أكثر من 200 جنسية تعمل وتعيش داخل الدولة.

وأضافت أن هذه العناصر مجتمعة خلقت ما وصفته بـبيئة الأعمال المؤسسة على القواعد، وهي البيئة التي باتت الشركات العالمية تعتبرها أولوية تتفوق أحيانا على الفروقات الضريبية أو التشغيلية.

كما أشارت إلى أن الإمارات تتجه نحو تطوير درع تنافسي طويل المدى للحفاظ على مكانتها، يشمل ميثاق استقرار تشريعي يمتد لـ 10 سنوات، وإقامات طويلة المدى، وإعفاءات للمقرات الكبرى، إضافة إلى منح الشركات وصولاً تفضيلياً للبنية التحتية السيادية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

مراكز القرار الإقليمي

صرحت الخزيمي بأن الإمارات لا تستهدف فقط جذب الشركات العالمية، بل تسعى إلى تحويل الدولة إلى مركز فعلي لصناعة القرار الاقتصادي الإقليمي. وأوضحت أن الدولة تعمل على جذب استثمارات أجنبية مستهدفة تصل إلى 3 تريليونات درهم خلال 2026 و2027، ضمن رؤية ترتكز على تعزيز التنافسية وربط الاستثمار بالنمو المحلي ونقل المعرفة.

وأضافت أن أحد أبرز البرامج المطروحة يتضمن ضريبة شركات بنسبة 9% مضمونة لمدة 15 عاما، مقابل التزام الشركات العالمية بتوطين جزء من سلاسل التوريد الخاصة بها داخل الدولة.

وأشارت إلى أن البرنامج يشترط أن تكون 30% من الشركات الموردة والمقاولين المرتبطين بالشركات العالمية شركات محلية، بهدف خلق كفاءات إماراتية حقيقية ونقل الخبرات التقنية والتشغيلية إلى السوق المحلي.

وبينت أن الهدف من هذه السياسة لا يقتصر على منح عقود لشركات محلية قائمة، بل بناء منظومة إنتاجية متكاملة بالشراكة مع الشركات العالمية، بما يضمن تأسيس قدرات تشغيلية وتقنية طويلة الأمد داخل الإمارات.

كما لفتت إلى وجود مقترحات لتأسيس لجنة متخصصة ولوحة متابعة "dashboard" لقياس أثر الحوافز والاستثمارات الأجنبية، ومراجعة نتائج التنفيذ بشكل دوري لضمان تحقيق أثر اقتصادي فعلي على الشركات المحلية.

وأضافت أن الإمارات أصبحت مركزا عالميا متقدما في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث احتلت المرتبة الأولى عالميا في تبني الذكاء الاصطناعي بنسبة بلغت 70.1% من القوى العاملة وفق تقرير Microsoft AI Economy Institute للربع الأول من 2026، كما سجلت أكثر من 5600 شركة تقنية ناشئة في عام 2025 ، إلى جانب أكثر من 28 ألف شركة تشكل 11 تكتل صناعي مستقبلي داخل مدينة دبي للسيليكون، و270 شركة ناشئة تحت مظلة " Hub71 " في أبوظبي.

واختتمت الخزيمي بأن المنافسة الإقليمية على المقرات الإقليمية ستتسارع خلال السنوات المقبلة، لكن الإمارات تراهن على عقيدة التنافسية الدائمة، القائمة على الاستقرار المؤسسي، والبنية التحتية الذكية، وشبكة اتفاقيات "CEPA"، والقدرة على حماية البيئة التنافسية المحلية دون اللجوء إلى الحمائية التقليدية، بما يضمن استمرار الدولة كأحد أهم مراكز الأعمال والاستثمار في الاقتصاد العالمي الجديد.