في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وصعود التكتلات الاقتصادية الجديدة، عاد التساؤل حول مستقبل BRICS ودوره في إعادة تشكيل النظام المالي العالمي، خصوصا مع اتساع نفوذ اقتصادات الجنوب العالمي، وتزايد الحديث عن بدائل للنظام المالي التقليدي القائم على هيمنة الدولار.
وناقش مركز البيان للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية ضمن ثالث محاور جلسته الافتتاحية بعنوان "الجيوسياسية ، سلاسل التوريد ، BRICS والتحالفات،نحو إطار تنظيمي إماراتي للمرحلة الجديدة "، مستقبل المجموعة، والدور الذي تلعبه الإمارات داخل المنظومة الجديدة، وسط توازنها بين الشراكات الغربية وتحالفات الجنوب العالمي.
وخلال الجلسة، قالت الدكتورة هدى الخزيمي، بروفيسور الاقتصاد المتقدم ونائب مدير جامعة نيويورك، إن الإمارات تقدم اليوم نموذجا مختلفا في التعامل مع النظام متعدد الأقطاب، موضحة أن الدولة لا تتحرك بمنطق الاصطفاف السياسي، بل بمنطق بناء الشراكات الاقتصادية والحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي.
نظام بريكس جديد
قالت الخزيمي إن BRICS لم تعد مجرد كتلة اقتصادية ناشئة، بل تحولت إلى بنية متكاملة تسعى إلى إعادة تشكيل قواعد التمويل والتجارة والتنمية عالميا.
وأوضحت أن المجموعة الموسعة تضم اليوم 11 عضوا كاملا و10 شركاء، وتمثل نحو 46% من الناتج العالمي، و42% من سكان العالم، و35% من تجارة السلع الدولية، مع توقعات بأن ترتفع مساهمة اقتصادات الجنوب العالمي إلى نحو 50% من الاقتصاد العالمي بحلول 2030.
وأضافت أن فكرة BRICS جاءت نتيجة شعور كثير من الاقتصادات الناشئة بأن صوتها الاقتصادي غير ممثل بالشكل الكافي داخل المؤسسات العالمية التقليدية، موضحة أن التحالف لا يستهدف إلغاء المؤسسات القائمة مثل منظمة التجارة العالمية أو صندوق النقد الدولي، بل بناء منظومات موازية تمنح الاقتصادات الناشئة أدوات تمويل وتفعيل أكثر مرونة.
وأشارت إلى أن BRICS لم تعد تعتمد فقط على الحوار السياسي، بل بدأت ببناء أدوات تنفيذية وتشغيلية، مثل أنظمة الدفع البديلة ومنصات العملات الرقمية العابرة للحدود.
ولفتت إلى أن نوفمبر 2025 شهد أول معاملة عملة رقمية بين بنكين مركزيين عبر منصة mBridge، كما وقع مصرف الإمارات المركزي مذكرة تفاهم مع نظام المدفوعات الصيني CIPS ، بالتوازي مع استمرار التعاون الإماراتي مع SWIFT والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
وذكرت أن بنك التنمية الجديد التابع لــ BRICS أصبح أحد أبرز الأذرع المالية للمجموعة، موضحة أن وجود ثريا الهاشمي كأول إماراتية وعربية في مجلس إدارة البنك يعكس الحضور المؤسسي المتنامي للإمارات داخل المنظومة.
وأضافت أن الإصدارات السيادية الواردة من اقتصادات الجنوب العالمي على "ناسداك دبي" تجاوزت 22 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، مع توقعات بوصولها إلى ما بين 50 و80 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.
الإمارات كجسر مزدوج
أوضحت الخزيمي أن الإمارات تمثل اليوم نموذج الجسر المزدوج بين الشرق والغرب، موضحة أن الدولة استطاعت الجمع بين عضويتها الكاملة في BRICS منذ يناير 2024، وبين شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، التي تشمل إطارا استثماريا بقيمة 1.4 تريليون دولار على مدى عشر سنوات تم توقيعه في مارس 2025.
وقالت إن بعض المراقبين الغربيين يرون في هذا التوازن تناقضا، لكن الإمارات تعتبره نموذجا متقدما للتعامل مع عالم متعدد الأقطاب، يقوم على تنويع الشراكات بدلا من الانحياز لمحور واحد.
وأضافت أن الدولة تعتمد سياسة اقتصادية قائمة على الحوار والتعاون الدولي، مؤكدة أن وجود الإمارات على طاولة BRICS لا يتعارض مع شراكاتها الغربية، بل يمنحها دورا أكبر في صياغة قواعد الاقتصاد العالمي الجديد.
وأضافت: «في النظام المالي الجديد، النفوذ ليس في الجلوس على طاولة واحدة، بل في القدرة على الجلوس على كل الطاولات بقواعد سيادية موحدة»، مشيرة إلى أن الإمارات نجحت في بناء نموذج يوازن بين التحالفات الاقتصادية الكبرى، مع الحفاظ على استقلالية القرار الاقتصادي والسيادي للدولة.
وأشارت إلى أن الإمارات لا ترى مصلحتها في الدخول في صراعات سياسية أو اقتصادية، بل في بناء منظومة عالمية أكثر استقراراً ومرونة.
وأضافت أن الدولة أصبحت خارطة طريق للخيارات الاقتصادية بفضل شبكتها التجارية واللوجستية العالمية، موضحة أن التجارة الإماراتية الصينية غير النفطية بلغت 111.5 مليار دولار في 2025 بنمو سنوي بلغ 24.5%، ضمن مسار يستهدف الوصول إلى 300 مليار دولار بحلول 2030.
كما لفتت إلى أن شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة "CEPA" توسعت إلى 26 اتفاقية تغطي أسواقا تضم نحو ثلاثة مليارات نسمة، وهو ما يمنح الإمارات قدرة على الحفاظ على علاقات اقتصادية واسعة مع مختلف الكتل العالمية في آن واحد.
وأضافت أن شبكة DP World الممتدة عبر 78 ميناء في 56 دولة، تجعل الإمارات لاعباً رئيسياً في التجارة العالمية وليس مجرد مركز عبور إقليمي.
الاستقطاب الاقتصادي
صرحت الخزيمي بأن العالم لا يتجه نحو انقسام اقتصادي كامل بين محورين متنافسين، بل نحو ما وصفته بـالتشظي المرن، حيث يحدث الفصل في بعض القطاعات الحساسة مثل التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية الأمنية، بينما يستمر التشابك في قطاعات أخرى مثل التجارة والتمويل والتنمية والخدمات اللوجستية.
وأضافت أن BRICS تقدم نموذجا مختلفا لاتخاذ القرار الاقتصادي، يقوم على الشراكات التوافقية بدلا من أنظمة التصويت التقليدية المرتبطة بحصص النفوذ المالي.
وأوضحت أن بعض المؤسسات المالية العالمية ما زالت تعتمد على هياكل تصويت تمنح قوى معينة نفوذا أكبر، بينما تعتمد BRICS على نموذج أكثر مرونة في تقييم وتمويل المشاريع.
وأشارت إلى أن المجموعة لم تعد مجرد إطار سياسي، بل بدأت ببناء ممرات تجارية ومناطق حرة ومنصات تعاون علمي وتكنولوجي، من بينها ممر الهند ـ الشرق الأوسط ـ أوروبا "IMEC"، الذي وصفته بأنه أحد الممرات التجارية الجديدة التي تعكس التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي.
وأضافت أن الإمارات تسعى إلى امتلاك حضور في مختلف الممرات التجارية العالمية، سواء المرتبطة بالصين أو الهند أو الممرات القطبية أو ممرات الشرق الأوسط، باعتبار أن التعددية في الممرات أصبحت جزءا من الأمن الاقتصادي للدول.
وقالت إن المرحلة المقبلة ستشهد تنافسا أكبر على صياغة القواعد المالية والتجارية الجديدة، لكن الإمارات تراهن على نموذج التوازن المؤسسي الذي يسمح لها بالجلوس على مختلف الطاولات الاقتصادية العالمية في وقت واحد.
واختتمت بأن النفوذ في النظام المالي الجديد لن يكون للدول التي تختار محورا واحدا، بل للدول القادرة على الربط بين المحاور المختلفة ضمن قواعد سيادية مستقلة تحافظ على مصالحها الاقتصادية وتدعم استقرار الاقتصاد العالمي.