عاد الحديث مجددًا في مصر عن قانون الخلع وسط انقسام في الآراء بين مطالبات برلمانية بإلغائه باعتباره السبب الرئيس وراء تفكك عدد كبير من الأسر المصرية وارتفاع معدلات الطلاق، وانعكاس خطير على الأولاد والنشء ناتج عن حدوث تصدعات وشقوق في الأسرة، فيما يرى فريق آخر أنه حق أصيل للمرأة في الخلاص من زوجها بإرادتها حال استحالة العشرة بينهما، مؤكدين في الوقت ذاته أنه لا يتعارض مع ما جاء في الكتاب والسُّنَّة.

وكان أعضاء مجمع البحوث الإسلامية، قد رفضوا أخيرًا مطلب أحد نواب مجلس الشعب بإلغاء قانون الخلع، الذي صدر عام 2000، مؤكدين مشروعيته، بحديثٍ ورد في السُّنَّة النبويَّة الشريفة رواه البخاري والنسائي عن عبدالله بن عباس مفاده: "جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاس إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: يا رسول الله، إني ما أعتبُ عليه في خُلُقٍ ولا دِين، ولكني أكرهُ الكفر في الإسلام، فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم: أتردِّين عليه حديقتَه؟ قالت: نعم. فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: اقبَل الحديقة وطلِّقها تطليقة. واعتبر علماء مجمع البحوث الإسلامية بأنّ هذا أوّل خلع في الإسلام.

حق للمرأة

وتتفق مع هذا الرأي أستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلامية د.فايزة خاطر، مؤكدة أن الإسلام أعطى المرأة الحق في أن تخلع زوجها إذا كانت الحياة بينهما مستحيلة أو إذا كان هناك عيب جوهري سواء كان خَلقيًا أو خُلقيا قد يهدّد استمرار الحياة الزوجية.

أضافت أن القصد من الخلع في الإسلام هو إزالة الضرر عن الزوجة ولكن بشرط أن تعيد إلى الزوج ما دفعه مهرًا أو غير ذلك.

وأشارت إلى أن الإسلام كرّم المرأة بصورة كبيرة، حيث جعل قبولها قبل قبول الرجل عند عقد القران؛ لأن المرأة لا تقبل العيش مع الرجل إلا بالحب على عكس الرجل، مؤكدة أن الإسلام احترم مشاعر المرأة وعاطفتها.

وحول الانتقادات الموجّهة إلى قانون الخلع بتسببه في كثرة حالات الطلاق، أوضحت أستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلامية أن العلانية التي تتم بها قضايا الخلع أفقدت البيت المسلم حياءه وخصوصيته التي أعطاها له الإسلام، معترفة بأن بعض النساء يلجأن إلى الخلع لأسباب غير واقعية أو لا تستحق أن تتفكك أسرة بسببها، مما جعل الشارع المصري يمتلئ بالكثير من المطلقات والعوانس.

نظرة المجتمع

وفي السياق ذاته، تقول استشاري العلاقات الزوجية والأسرية بجامعة لندن، دكتورة فاطمة الشناوي، إن الصورة الذهنية الخاصة بقانون الخلع مازالت سلبية لدى الكثيرين وإن اختلفت من طبقة إلى أخرى في المجتمع، مشيرة إلى أن الطبقة المثقفة ترى أن من تخلع زوجها لابد أنها تعرضت لقهر وظلم يستحق اللجوء إلى القانون، أما الطبقات الشعبية فترى أن من تلجأ إلى القانون ضد زوجها فهي امرأة مستهترة وقد تكون مسألة تعوق استقرار حياتها مرة أخرى.

وأضافت أنه بالمقارنة بين نسب من تلجأن إلى قانون الخلع من الطبقات المثقفة مقابل الطبقات الشعبية نجد أن النسبة قد تصل إلى الضعف في الأولى، مشيرة إلى أن الثقافة الشعبية وخوف المرأة من نظرة المجتمع إليها هو ما قد يدفعها إلى التراجع عن القضية.

وبالنسبة إلى الرجل المخلوع، أشارت أنه بحاجة إلى المزيد من الوقت ليستوعب أنه رجل مرفوض، مشيرة إلى أن المرأة المطلقة وإحساسها بالرفض من جانب الرجل قد تتكيف مع هذا الإحساس بمرور الوقت على عكس الرجل الذي قد يدفعه هذا الإحساس إلى الانتقام في بعض الأحيان وقد يصيبه بحالة من الاكتئاب.

أما بالنسبة إلى الآثار النفسية للمرأة فقالت: نادرًا ما تعاني المرأة التي لجأت إلى الخلع من آثار نفسية طويلة المدى وذلك نظرًا إلى أنها تخلصت من هذا الزواج بإرادتها الحرة على عكس المرأة المطلقة التي قد تعاني من إحساسها بأنها امرأة غير

 

 

مرغوبة.

وأشارت الشناوي إلى أن الآثار النفسية لا تقتصر على الرجل والمرأة فقط بل إن هناك طرفًا ثالثًا يتم تناسيه بصورة كبيرة وهم الأطفال الذي يقعون فريسة للأمراض النفسية الناتجة عن انفصال والديهم؛ مما ينتج جيلاً ليس لديه رغبة في إنشاء أسرة وهو ما تتضح نتائجه على المدى البعيد.

وتابعت أنه على الرغم من المساوئ الموجودة في قانون الخلع من تفكك الأسرة، فإنه كان طوق نجاة للكثير من النساء، لافتة إلى أن العلاقة الزوجية بين أي طرفين بحاجة إلى تعامل خاص، وإلى أنه قد تمر بعض الأوقات على الزوجين يكونان بحاجة إلى فترة من الراحة أو الإجازة، مشددة على ضرورة التفكير كثيرًا قبل اللجوء إلى قرار الانفصال.

القانون

لكن المحامية والناشطة النسائية عصمت الميرغني، أشارت إلى أن قانون الخلع ليس اختراعًا جديدًا على المجتمع، فالخلع في الأصل هو أن تفتدي المرأة نفسها، مؤكدة أن المرأة لن تلجأ إلى هذا القانون إلا إذا كانت الحياة مستحيلة، مستشهدة ببعض الحالات خاصة بالنسبة إلى المرأة الفقيرة التي يكلفها الخلع أموالاً طائلة والتنازل عن حقوقها في مقابل الحصول على حريتها.

وطالبت بضرورة استحداث ما يطلق عليه "الشرطة القضائية"؛ لتصبح خاصة بقضايا الأسرة والمرأة بدلا من لجوء الزوجة إلى المحاضر وأقسام الشرطة، مشددة على ضرورة أن يكون دور الشرطة هو المحافظة على خصوصية الزواج والأسرة.

أضافت أن الإصلاح في حالة اللجوء إلى المحاضر يكون صعبًا للغاية، مشيرة إلى أن هناك بعض حالات الخلع التي استطاعت العودة مرة أخرى إلى حياة أسرية طبيعية بشرط وضع ضمانات معينة توفر لها حياة أسرية مستقرة.

واختتمت قائلة، إنه على عكس الحملات المطالبة بإلغاء قانون الخلع فإنها من مؤيدي هذا القانون، لافتة إلى أن الرجل هو المتحكم في مصير الأسرة ولكن الشرع والقانون أعطى الحق للمرأة في أن تكون مساهمة في قرارات تلك الأسرة والحق في إنهائها إذا تطلب الأمر.

 

 

تعديل القانون

 

 

 

رأى أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس د. علي ليلة أن القانون بحاجة إلى تعديل بحيث يكون منطلقًا من الشريعة الإسلامية، مطالبًا ضرورة وضع قيود وتحديد حالات معينة يتم فيها اللجوء إلى قانون الخلع بحيث لا يكون مسموحًا في جميع الحالات حفاظا على تماسك الأسرة.

ورأى ليلة أن قانون الخلع في صورته الحالية رفع مستويات الطلاق إلى 45% في عام 2010 مقارنة بـ10% في عام 2005، مشددًا على ضرورة أن يكون للمجلس القومي للمرأة دور من خلال تفعيل دوره، مشيرًا إلى أن هناك 6 ملايين عانس نتيجة ارتفاع مستويات الطلاق و7 ملايين طفل لآباء مطلقين نتيجة عدم تقدير معنى الأسرة. وأضاف أن هناك تخوفات لدى البعض من أن يكون هذا القانون قد تم بضغوط من قبل النظام السابق، لافتًا إلى أن بعض مواد هذا القانون مكتسبة من العالم الغربي، على الرغم من أن نمط مساواة الرجل بالمرأة في العالم الغربي يختلف عن العالم الإسلامي والعربي. وطالب ليلة بضرورة أن يجتمع مجمع البحوث الإسلامية للعمل على تنقية قوانين الأحوال الشخصية بما يوافق الشريعة الإسلامية.