تطبق غالبية الشركات والمؤسسات نظام البصمة الإلكترونية لضبط مواعيد حضور وانصراف موظفيها، وتقوم بعضها بخصم ساعات التأخير الغير مبررة من راتب الموظف الشهري في سبيل تعليمه الانضباط والالتزام، وعلى الرغم من إيجابيات هذه الآلية الكثيرة التي عدها البعض أداة مهمة في عملية التقييم ومنح العلاوات، إلا أن البعض الآخر رفض اعتبارها مقياسا لأداء الموظف، فالحضور في الوقت المحدد والجلوس خلف المكتب لحين انتهاء ساعات الدوام الرسمية، روتين ينتج عنه في كثير من الأحيان موظفين محبطين، بخلاء على وظائفهم، وغير مخلصين للجهة التي يعملون فيها.
وداعاً للغش
في البداية ومن وجهة نظره يؤيد حامد مشربك -موظف- هذا النظام بشدة لأنه يحث الموظف على الالتزام، واحترام ساعات الدوام الرسمية، كما يطلع الإدارة على تحركاته والساعات التي قضاها في العمل حتى بعد انتهائه، وقال: يساعدني نظام البصمة الذي يحدد أوقات حضوري وانصرافي ومهامي الرسمية باليوم والساعة والتاريخ، في توثيق وإثبات جميع إنجازاتي التي أدونها في تقاريري الأسبوعية التي أقدمها إلى المسؤولين
في العمل، كما يثبت حقي فيما يتعلق بمكافآت ساعات العمل الإضافية، وهذا يجنبني الدخول في مناقشات ليس لها داع نظرا لسلبياتها المحدودة المحدودة، ويساعد على إبراز تميزي في مجالي.
وتحدثت لينا أحمد -موظفة مركزية- عن انعدام حالات الغش بعد تفعيل قواعد الآلية الجديدة، وقالت: كنا نثبت حضورنا الصباحي من خلال تمرير بطاقة بلاستيكية على جهاز التسجيل، ولكن هذا شجع المهملين على التمادي في إهمالهم، حيث كانوا يعطون بطاقاتهم لزملائهم الذي يأتون مبكرا لتمريرها على الجهاز لإثبات التزامهم، ولكن الحال أصبح مختلفا اليوم، لأن البصمة برهان قاطع على حضور الموظف ومباشرته للعمل. واقترحت ريهام المصري -موظفة ميدانية- أن تكون بصمات جميع الموظفين فعالة في جميع فروع المؤسسة التي تعمل فيها، وقالت: طبيعة عملي تتطلب مني التنقل بين مراكز المؤسسة، وهذا يرهقني أحيانا لأن بصمتي لا تكون معرفة على أجهزة الفروع الأخرى وأضطر إلى العودة إلى الفرع الرئيسي.
بطالة مقنعة
وقال مجدي عاشور -موظف: من أهم مزايا النظام أنه يساعد الشركات الضخمة على التحكم بموظفيها ومعرفة أوقات حضورهم وانصرافهم، وأحد أبرز عيوبه أنه يحجم طاقات الموظفين ضمن ساعات معينة، ويقيس أداءهم من خلال حضورهم الصباحي في الوقت المحدد، وهذا خطأ، لأن الموظف الذي قد يتأخر ساعة على سبيل المثال قد يكون قادرا على العطاء لساعات بعد انتهاء الدوام، كما أن الجلوس خلف المكتب فقط لإثبات الوجود حتى يحين موعد الانصراف يعد بطالة مقنعة، وهذه عقدة تعاني منها معظم الشركات العربية التي تقوم بخصم ساعات التأخير من رواتب الموظفين دون النظر إلى الإضافات الإيجابية التي حققوها.
واستطرد مجدي قائلا: كانت زوجتي تعمل من المنزل لصالح شركة أميركية، وبمجرد تشغيلها لجهاز الحاسوب يسجل في النظام الإلكتروني الخاص بالشركة أنها بدأت العمل كما يتم تحديد المواقع التي تدخلها، ففكرة جلوس الموظف خلف المكتب لا تهمهم بقدر ما يركزون على الإنتاج وإنجاز المطلوب، وقد بدأت شركات أميركية أخرى باستغلال تلك الفكرة في توفير نفقاتها من خلال فتح مكاتب صغيرة يعمل موظفوها من حيث يشاؤون.
أما يوسف الفيل -موظف- فيرى أن نظام البصمة يحد من عطاء الموظف الذي لا تنتهي علاقته بعمله حتى بعد انتهاء أوقات الدوام الرسمية، وقال: تقدير جهود الموظفين المبذولة خارج أوقات العمل المطلوبة أمر في غاية الأهمية، لأنه دليل واضح على إخلاصهم الكبير للمؤسسة التي يعملون فيها، وهؤلاء لا يجب التعامل معهم كبقية زملائهم ويجب أن تكون لهم استثناءات خاصة في حال تأخروا عن موعد الحضور الصباحي، حتى يشعروا أن تفانيهم تجاه عملهم هو الذي جعلهم متميزين عن غيرهم، وهذا بدوره سيولد منافسة إيجابية كما سيضاعف الإنتاج.
خصم من الراتب
معاناة هادية زين الدين -موظفة في مجال التسويق والمبيعات- مع نظام البصمة لا تنتهي، حيث تنطلق من رأس الخيمة إلى مكان عملها في دبي بعد صلاة الفجر مباشرة، وقالت: النظام رائع ولكنني كرهته بسبب أسلوب الإدارة القائم على إرهاب الموظف، وتخويفه من خلال الخصم من الراتب حتى يصبح أكثر انضباطا في عمله، وقد اقترحت أكثر من مرة أنا وزملائي الميدانيين أن تكون عملية تقييمنا مبنية على كشف إنتاج أسبوعي، لأن معظم المحلات والتجار الذين نتعامل معهم يبدؤون العمل في تمام الساعة العاشرة صباحا، وهذا يعني أن لا حاجة لقدومنا منذ الساعة السابعة صباحا، ولكن لا حياة لمن تنادي.
حال هادية لا يختلف كثيرا عن حال أيمن سليمان -مترجم يعمل في شركة خاصة-، فهو مطالب بالجلوس خلف مكتبه لحين انتهاء ساعات العمل المقررة عليه حتى يستلم راتبه كاملا دون نقصان، وقال: لا أتعامل مع عملاء حتى أبقى للدقيقة الأخيرة خلف مكتبي، بل أقوم بترجمة عدد من النصوص لا تأخذ من وقتي إلا ساعتين من الزمن، وأمضي بقية الوقت في شرب القهوة والشاي والتحدث عبر «الماسنجر» مع عائلتي في تونس. وعن تأثير هذا الأسلوب الإداري على الموظف وأجواء العمل، قال أيمن: أسباب تخلف وطنا العربي في جميع المجالات باتت معروفة وواضحة، لاننا عندما نقلد الغرب لا نأخذ منهم إلا السلبيات، ونظام البصمة آلية ثبت حضور الموظف إلى عمله ولكن لا يجب أن تكتم على أنفاسه.
وقالت جنان سالم مصطفى -موظفة: قمت باستغلال ذكائي ونشاطي للتأقلم مع نظام البصمة، فأنا لا أستطيع مغادرة المكتب حتى لو أنهيت واجباتي المهنية، وفي حال عرف مديري بهذه الطاقة الزائدة فسوف يكلفني بعمل إضافي لا أجر عليه، وهذا شجعني على العمل مع جهة أخرى عن طريق الاتصالات والبريد الإلكتروني، حيث أتظاهر بأنني منهمكة بعملي الذي أنهيه دائما في ظرف ثلاث ساعات، وأقضي الساعات الخمسة الباقية في مراسلة المؤسسة الثانية التي تهتم بإنتاجي فقط.
الإداريون يؤكدون: استهتار الموظفين يدفعهم للتذمر
تحديد وقت دخول وخروج الموظف أمر مهم من وجهة نظر خليفة السويدي -ضابط تنفيذي تشريفات في مؤسسة حكومية- لأن مستوى الالتزام بإنجاز المهام يختلف من موظف لآخر، وهذا يساعد في معرفة ومحاسبة المقصرين والمستهترين، كما أوضح أن نظام البصمة يعد أحد المقاييس الرئيسية في عملية تقييم الموظفين، فهناك من يأتون قبل بداية الدوام بنصف ساعة لوضع خطة عمل، أو لتنظيم ومراجعة بعض الأمور المتعلقة به، وهؤلاء تختلف معاملتهم عن بقية الموظفين لأنهم حريصون على مصلحة العمل.
وقال خليفة السويدي: يبرز النظام مهارات وقدرات الموظفين على العطاء والإنجاز ضمن الساعات الفعلية للعمل، كما يساعدهم على تنظيم حياتهم الاجتماعية والتفرغ لأداء التزاماتهم العائلية بعد انتهاء الدوام، فهناك من يقضون وقتهم بالتنقل من مكتب لآخر، أو محادثة أصدقائهم عبر «الفيس بوك» خلال ساعات العمل الفعلية، وقبل انتهاء الدوام بساعة يركزون على أداء المهام الموكلة إليهم، ويضطرون للبقاء ساعات أخرى بحجة ضغط العمل، كما يطالبون بمكافأتهم على جهدهم الإضافي، وهذه حيلة لا تنطلي على الإداريين طبعا، لأن الموظف هو المسؤول الوحيد عن سوء تنظيمه لوقته، فالشركة تطالبه بالعمل منذ الساعة الثامنة صباحا وحتى الساعة الثانية ظهرا على سبيل المثال، ولكن بسبب إهماله امتدت ساعات عمله حتى السادسة مساء.
وشبه محمد فرج -مدير إدارة العملاء في مؤسسة حكومية- البصمة بالصلاة، وقال: من يصلي الصلاة في وقتها أفضل من الذي يقضيها، والمستهترون هم الذين يتذمرون من ذلك الروتين، كما أن النظام يضمن العدل أثناء عملية تقييم الموظفين ويتميز بمرونته العالية، فبإمكان الموظف أن يتواصل مع مدير قسمه في حال تأخره وأن يشرح له ما حدث، كما أن ساعات الدوام الرسمية حددت بناء على دراسات أجرتها المؤسسات الحكومية، ومن المفترض أن يكون خلالها الموظفين أشخاصا منتجين ومخلصين تجاه عملهم.
تركيز الطاقة
وحول أهداف نظام البصمة الإلكترونية، قال محمد: تشجع هذه الآلية الموظفين على تركيز طاقاتهم لإنجاز المهام الموكلة إليهم قبل انتهاء الوقت المحدد، كما تساعدهم على تنظيم أوقاتهم، بحيث يصبح العمل جزءا من حياتهم اليومية، ويتمكنون من الالتفات إلى علاقاتهم الاجتماعية، وأنشطتهم المجتمعية. وأكدت سمر حامد -مديرة شركة- أن الموظف المحبط يعد دليلا على انتهاء صلاحية المدير، ومؤشرا على فشل المؤسسة في المستقبل القريب، وقالت: النظام موجود في الشركة ولكنني أتساهل أحيانا مع الموظفين الميدانيين فقط، لأنهم إن لم يشعروا براحة واطمئنان وحرية، فلن يبدعوا في عملهم ولن يكون إنتاجهم بالمستوى المطلوب، كما أن ممارسة المدير لسلطته بصرامة وحزم، وتدقيقه على الأمور الصغيرة، كل ذلك يرهب الموظف بل يدفعه إلى التعامل ببخل مع وظيفته.
حلول
النظام لا يصلح لتقييم الموظف
قد يكون نظام البصمة الإلكترونية حلا لهؤلاء الذين يعشقون عملهم لدرجة الإدمان، ولا يستطيعون الفصل بين حياتهم المهنية والاجتماعية، حيث يساعدهم على تنظيم أوقاتهم، ويشجعهم على استغلال طاقاتهم وإبراز مهاراتهم في العمل ضمن ساعات الدوام الرسمية، ومن ثم يفتح أمامهم الفرصة للعودة مرة أخرى إلى حياتهم وأنشطتهم الخاصة دون التفكير بالعمل، ولكنه لا يصلح أن يكون أداة أساسية في تقييم الموظفين، لأن الإنتاج أبرز دليل على كفاءة الموظف وحبه واحترامه لعمله، ولأن الالتزام بالحضور الصباحي لا يعني أن الشخص فعال ومخلص لعمله، فهناك من يقضون وقتهم بالتنقل من مكتب لآخر طيلة الوقت، وقبل أن يحين موعد انصرافهم يبدؤون بإظهار اهتمامهم بعملهم طمعا في علاوة ما، وهناك من يجلسون خلف مكاتبهم ويستغلون أجهزة الحاسوب والهواتف في التواصل مع جهة عمل أخرى، وتلعب خبرة المدراء دورا كبيرا في كشف تلك الأساليب، حيث يحمل بعضهم مسؤولية امتداد ساعات العمل بعد انتهاء الدوام للموظف نفسه، ويرفض البعض الآخر اعتبارها ساعات عمل إضافية وبالتالي يحرم الموظف من أجرها.
تحذير
خطر يهدد الصحة والسلامة
فوائد نظام البصمة عديدة وأبرزها مرونته العالية في إصدار تقارير الانضباط الوظيفي في المؤسسات والشركات، وتكامله الآلي مع نظام الرواتب، وإمكانية الخصم الآلي بموجب اللوائح الإدارية للمنشأة، ولكن حذرت دراسة طبية من أن استخدام أجهزة البصمة الإلكترونية قد تتسبب في الإصابة بمرض السرطان وبعض الأمراض الجلدية التي تساهم في نقل الجراثيم من الموظفين المصابين إلى الموظفين الأصحاء، حيث ثبت طبيا أن هذه الأجهزة الإلكترونية تنقل حساسية تلامسية تؤدي إلى نقل أمراض خطيرة مثل الجراثيم البكتيرية، حيث أشار عدد من المتخصصين إلى أن هذه الأشعة تحدث طفرات للحمض النووي (DNA) الذي ينتج عنه عيوب بالمواليد، كما أن هذه الأجهزة تطلق أشعة (X-RAY( وبالتالي تتعرض له اليد دون واق، ما يجعل احتمالات الإصابة عالية في المدى البعيد، وقد أشارت موظفة تعمل في مؤسسة حكومية في دبي إلى ضرورة وضع بدائل تقليدية لضبط عملية الحضور والانصراف، لخوفها الكبير من الإصابة بالزكام وغيره من الأمراض المعدية نتيجة ازدحام الموظفين أمام الجهاز في الصباح الباكر.
