أكد المشاركون في المؤتمر السنوي الثالث "الامارات في عيون الجاليات" الذي نظمته ندوة الثقافة والعلوم بالتعاون مع جامعة زايد أن النموذج الاماراتي يتسم بالتسامح والاعتدال فضلا عن الانفتاح على العالم، وأن الدولة يعيش فيها نحو 200 جنسية ينعمون بالأمن والأمان ويعملون في بيئة آمنة ويتمتعون بكامل حقوقهم من دون تفرقة.

وألقى سلطان صقر السويدي رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم الكلمة الافتتاحية للمؤتمر بحضور المستشار ابراهيم بوملحة مستشار صاحب السمو حاكم دبي للشؤون الثقافية والإنسانية وأعضاء مجلس ادارة الندوة.

وأكد سلطان صقر السويدي رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم أن اسم الإمارات أصبح يشع في فضاء العالم كله نظراً لما توفره من حياة كريمة وآمنة لكل من يعيش فيها.

وأثبتت الإمارات منذ قيامها أنها دولة قادرة على استيعاب مختلف الأديان والثقافات والعادات والأمزجة، حيث ينعم الجميع بحقوق متساوية، من دون أي تفرقة عنصرية أو دينية أو اثنية، فالكل أمام القانون سواء، واحترام حقوق الإنسان أمر تكفله كافة القوانين.

وأضاف إن الإمارات توفر لكل من يطأ أرضها الأمان والعمل الكريم والحياة اللائقة، ويبقى السؤال كيف يرى الآخرون هذا النموذج الإماراتي؟ لافتا إلى أهمية عقد المؤتمر السنوي الثالث لندوة الثقافة والعلوم تحت عنوان "الإمارات في عيون الجاليات" الذي يسعى للإجابة على العديد من التساؤلات حول كيف ترى الجاليات العربية والأجنبية الوافدة الإمارات من واقع الخبرة الحياتية المباشرة والتأملات الفكرية الموضوعية؟ وكيف تبدو الإمارات مقارنة بالمجتمعات الأصلية لهذه الجاليات؟

ولفت إلى أن حرص ندوة الثقافة والعلوم على البحث في هذا الموضوع يأتي من باب الاهتمام الدائم بالإنسان ومشاعره وأحاسيسه أيا كان انتماؤه أو وطنه أو دينه، فالاهتمام بالإنسان وأحلامه وآلامه هو الهدف الأسمى للعمل الثقافي، من هنا نسعى إلى تعزيز هذا العمل وتنميته وتطويره، وليس أفضل من محاولة الاقتراب من عقول وأرواح الذين يعيشون بيننا ومعنا.

لذا فالإنصات إليهم الآن أمر مهم، والاستماع إلى آرائهم فينا واجب حتمي، حتى نتمكن من تطوير أدائنا وقوانينا بما يخدم دولتنا الحبيبة التي نرجو لها مزيدا من الازدهار والرقي تحت قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله"، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله" وإخوانهما حكام الإمارات.

الجلسة الأولى

وتحدثت الدكتورة عفاف البطاينة أستاذة النقد والأدب في جامعة زايد في الجلسة الاولى بعنوان "وجهات نظر عربية وآسيوية في نموذج الامارات" التي ادارها الدكتور سليمان الجاسم مدير جامعة زايد، حول النموذج الإماراتي في عيون الجاليات العربية وقالت إن النموذج الاماراتي تكاملي وكل امارة تقدم شيئا يرفد هذا النموذج الذي يتميز بخصائص أهمها التغير السريع والتنوع اللغوي والثقافي والاقتصادي والتعايش بسلام دون حدوث أي توترات، فضلا عن طغيان اللغة الانجليزية عليه، والمساحة الكبيرة لحرية التعبير عن الرأي والعبادة والحرية الاجتماعية والأمن والتلاحم بين الشعب والقيادة.

وقسمت الدكتورة عفاف البطاينة الجاليات العربية إلى 3 فئات، الفئة الأولى محافظة دينيا واخلاقيا واجتماعيا وتشعر بشيء من التوجس من النموذج الاماراتي نتيجة لمحافظتها أو تطرفها وهذه الفئة محدودة، أما الفئة الثانية فهي الفئة الغالبة من الجاليات العربية التي تحافظ على تقاليدها ولكنها منفتحة على جميع الثقافات وتشعر هذه الفئة بالاطمئنان، بينما الفئة الثالثة فهي فئة "المتغربة" والتي تضم عربا عاشوا في دول اجنبية وتشعر هذه الفئة بأنها شبة غربية ولكنها تحافظ على ثقافتها العربية وهي الاكثر اعجابا بنموذج الامارات، واشارت إلى أن النموذج الإماراتي بالنسبة لها يعني بناء دولة عصرية بامتياز حققت في زمن قصير جداً ما عجزت عنه الدول الكبرى.

ومن جانبه تحدث الدكتور جناردين عن نظرة الجالية الآسيوية الى الامارات، مشيرا إلى التأثير الايجابي لنموذج الامارات على الأجيال الجديدة الآسيوية وغيرها، من خلال تحويلهم الى مواطنين عالميين قادرين على استيعاب مختلف انواع الثقافات.

ولفت إلى أنه على المستوى العملي اليومي، لاحظ الآسيوي كيف تبدلت عقلية المواطن الفرد والمواطن في المؤسسات الحكومية في الامارات إلى الافضل بشكل ملموس، بعد ان كان التأجيل والوقت المفتوح على مختلف الاحتمالات هو لغة العمل في السابق، لافتا إلى انهاء الخدمة البسيطة في العديد من المؤسسات لا يتعدى الدقيقتين، مؤكدا في الوقت نفسه أن هذه التفاصيل البسيطة بنى عليها الاماراتيون للوصول بالدولة الى ما وصلت اليه اليوم من رقي وتقدم.

وأوضح أن هاجس الاقامة يتملك الآسيوي مثل غيره من ابناء الجاليات الأخرى، ولكن تتمتع الامارات انها تمنح المقيمين المؤقتين جميع الخدمات من دون ان يضطروا الى دفع الضرائب. ولفت الى ان الفارق الذي يلمسه الآسيوي في الامارات انه في الوقت الذي يدفع في بلاده الكثير من الضرائب من دون الحصول على خدمات توازيها، فإنه يحصل على خدمات فائقة الجودة من دون اي ضرائب في المقابل، مؤكداً ان هذا الأمر جعل الآسيوي يقبل على دفع اي تكلفة اضافية مقابل خدمات اضافية.

دراسة

 

كشف الدكتور سليمان الجاسم مدير جامعة زايد أن جامعة زايد أجرت في العام الماضي دراسة ميدانية عنوانها "أحلام شباب الامارات" باستطلاع رأي 1406 شباب وشابات في جميع امارات الدولة، وكان من نتائجها ان شعب الامارات لا يحمل اية مشاعر سلبية ضد اي من الجاليات، وأن رؤيته لها رؤية عقلانية متسامحة تدرك دور الجاليات في خدمة الوطن، ولكن في نفس الوقت تحرص على ان يكون وجود هذه الجاليات قانونيا وليس على حساب ابناء الامارات، وأكد 33% من العينة على ان من المشاكل التي تعاني منها اماراتهم هي الهجرة غير الشرعية.

كما رأى 23% من العينة أن اكثر ما يقلقهم هو تقدير دوائر العمل للوافدين على حساب المواطنين وهنا تظهر لنا الرؤية العقلانية المتسامحة الخالية من اية مواقف سلبية تجاه الجاليات بل على العكس تطالب بالمساواة مع الجاليات وهو ما لا يوجد في اي دولة في العالم.

 

الجلسة الثانية

 

ناقشت الجلسة الثانية وجهات نظر اوروبية وأمريكية في نموذج الامارات وترأسها الدكتور عبد الخالق عبدالله، وتحدث فرانسيس ماثيو حول وضع الجالية البريطاينة في دبي وكيف ترى النموذج الإماراتي وقال إن العلاقة مع الامارات تاريخية.

وأوضح أن الجالية البريطانية في الامارات تعد الأكبر مقارنة مع البلدان الأخرى مثل جنوب افريقيا التي يبلغ فيها عدد الانكليز 60 ألفاً، واستراليا 7 آلاف، وألمانيا 10 آلاف، لافتا إلى توسع هامش الوظائف التي يشغلها البريطانيون في الامارات ودبي بشكل خاص خلال العشرين سنة الماضية بعد ان كانوا يتوجهون حصرياً الى الوظائف رفيعة المستوى.

وبدوره قال الدكتور ستيفن غاردنير إن النظام الصحي في أي دولة هو الذي يجعله نموذجاً جيداً للعيش أو عاملاً منفراً بالنسبة للجالية الأميركية، لافتا إلى أن النظام الصحي في الامارات تكمن اهميته بالقطاع الخاص كما هو حاصل فعلياً في الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي يجعله عاملاً جاذباً وآمناً بالنسبة لأفراد الجالية.

 

الجاليات في عيون شباب الإمارات

 

ناقشت الجلسة الثالثة "الجاليات بعيون الامارات" وترأستها شيخة المطيري واستعرضت الطالبات مريم العبدول ونوف يعقوب وعالية الفلاسي من جامعة زايد نتائج استبيان آراء شباب وشابات الإمارات من طلبة جامعة زايد في مدينتي أبوظبي ودبي، وجرى هذا المسح على 357 طالبا وطالبة من الفرعين وشارك 67 طالبا و200 طالبة من إمارة دبي و46 طالبا و44 طالبة من فرع جامعة زايد في أبوظبي.

وأظهرت نتائج الاستبيان أن 48% يرون أن الجالية العربية هي الاكثر ايجابية و46% من الشباب يرون أن الجالية الآسيوية الأكثر سلبية، بينما حصلت الجالية الآسيوية والأوروبية والأمريكية على 21 و16 و15% على التوالي أي أن التأثير الإيجابي للجالية العربية هو أضعاف أو أكثر من الجاليات الأخرى، وحاول الاستبيان استقراء رأي الإماراتيين بمدى نجاح نموذج الإمارات مع أو بدون وجود الجاليات، وسعى الاستبيان إلى معرفة مدى ونوع تأثير الجاليات على مجتمع الإمارات تبعاً لفئات الجاليات الأربع وهي: العربية والآسيوية والأوروبية والأميركية.

وأشار المشاركون لدى سؤالهم حول مستوى الرفض من الجاليات إلى خشية عالية وصلت نسبتها 60% بينما تراوحت نسبة المحايدة وعدم الخشية بين 18 و22%، وعلى العموم يمكن القول إن فئة الشباب راضون بوجود الأجانب ولكنهم في الوقت نفسه واعون بالتأثيرات السلبية التي تشكلها هذه الجاليات عليهم وعلى ثقافتهم المحلية.

نجاح

وأجاب من يتخيل نجاح نموذج الإمارات بدون وجود الجاليات بنسبة 48% ومن يرى ضرورة وجود الجاليات في مسيرة بناء الإمارات بنسبة 47%، وسُئل طلاب جامعة زايد عن رأيهم في نوع تأثير الجاليات على المجتمع. وجاء الرأي العام في هذا السؤال محايدا تجاه تأثير الجاليات على مجتمعنا بنسبة 62%، وسُئل الطلبة من كلا الجنسين في أبوظبي ودبي عن شكل تأثير الجاليات على فئة الشباب تحديداً، وساد الاتفاق العام على أن للجاليات تأثيراً سلبيا أكثر على فئة الشباب في مجتمعنا بنسبة 79%.

وتنوعت مجالات التأثير السلبي والخيارات التي ظهرت. وكان بارزا بوضوح تركيز شباب وشابات الإمارات على أن الثقافة واللغة العربية هما الأكثر تأثرا سلبا من وجود هذه الأعداد الهائلة من الجاليات، وكانت اجابات 60% محايدة بالنسبة لسؤال الخشية، و44% محايدة في سؤال الرضا. وأجمعت 77% من فئة الشباب بأن من حق الجاليات البحث عن فرص عمل وحياة كريمة في الإمارات شرط ألا يتعارض هذا مع حق المواطنين في إيجاد فرصهم 77%.

وعن رأي شباب الإمارات بقدرتهم على القيام بالأعمال التي يقوم بها أبناء الجاليات، أجاب أكثر من النصف بالإيجاب 57% فيما أشار 43% بأنهم غير قادرين على القيام بمهام الجاليات، وكان للشباب حرية التعبير عن رأيهم تجاه حق الجاليات في البحث عن عمل مناسب دون الإضرار بحق المواطنين، وبسبب تنوع الإجابات وتقارب بعضها، تم تقسيم الإجابات إلى محاور تندرج معظمها حول محاور كالإنسانية والانفتاح والقبول للآخر والتسامح وكذلك الذاتية.

شعور عام

ويلاحظ أن الاستبيان قاس الشعور العام لدى طلبة وطالبات جامعة زايد بفرعيها في أبوظبي ودبي تجاه وجود الجاليات الأجنبية على أرض الإمارات، واستقرأ رأيهم في التأثيرات الإيجابية والسلبية الناتجة عن هذا التواجد المهول بالمقارنة مع أعداد المواطنين القليلة، ومن القراءة الشاملة لتلك الآراء يمكن تأكيد الجو العام السائد وهو الاتفاق الواضح على أن الإماراتيين لا يعارضون وجود الجاليات ولا ينكرون دورهم في بناء هذا الوطن وأن لهم الحق في البحث عن فرص العمل.

وهذا بالطبع نابع من الجذور الإسلامية والإنسانية بأن لكل فرد على الأرض الحق في التواجد أينما توفرت له فرص العيش وسبل الحياة. ولكن في الوقت ذاته فإن خشية الإماراتي ليست من وجود الأجانب، ولكن لكثرة أعدادهم التي تشكل السبب الرئيس في الخلل الحاصل في التركيبة السكانية في الدولة، وتتمثل أهم التحديات التي يشكلها وجود الجاليات في المحافظة على أصالة وعراقة الثقافة الإماراتية واللغة العربية في ظل الوضع الراهن من هيمنة بعض الثقافات واللغات الأخرى للأجانب.