يلعب الولاء دوراً مهماً وحيوياً في استقرار الوطن وتماسكه، وتقع مسؤولية غرسه في نفوس الأبناء على عاتق أفراد المجتمع ومؤسساته، ولكن على الرغم من ذلك قد يظن البعض أن الولاء شعارات وأهازيج تردد في المناسبات، ويتهاون البعض الآخر بغرسه في عقول النشء، ليترك مسؤولية ذلك على المدرسة التي يصل إليها الطفل بعد سنوات من الإدراك والفهم، دون التعرف على أبسط قيم الولاء.. فما أهمية تغذية الأطفال بمفاهيم ومصطلحات الانتماء والولاء للوطن.. وهل أبناؤنا بحاجة إلى منهاج التربية الوطنية لنغرس فيهم حب الوطن؟! وعلى من تقع مسؤولية ذلك؟!

بلال البدور وكيل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع المساعد لشؤون الثقافة والفنون يقول إن العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة تلازمية، لا يستطيع الفرد أن يعيش بمعزل عن المجتمع، ولا مجتمع بدون أفراد، ويتطلب في خضم هذه العلاقة وجود الحميمية والتكاتف بين أفراده، لذلك عز الوطن بولاء أبنائه وانتمائهم له، وعز الأفراد بما يقدمه الوطن لهم، وعند الحديث عن دولة الإمارات نجد أنها ركزت في المقام الأول على عزة أبنائها، ووفرت لهم ومنذ ميلادهم حياة كريمة، وكفلت جميع احتياجاتهم من تعليم وصحة ومسكن، وتخطت جهود الدولة ذلك فحرصت على توفير وسائل الراحة وسبل الرفاهية، وعززت من قيمة المواطن الذي جعلته أغلى ثروات الوطن، وأزالت جميع العوائق التي تحول دون مشاركته الفاعلة في مختلف الميادين.

ثناء واعتزاز

وأكد البدور أن زراعة الولاء في نفوس الأبناء تبدأ من الأسرة، فعندما ينشأ الطفل على سيل من كلمات الشكر والثناء على الدولة ورموزها وتلتقطها مسامعه بشكل مستمر فإن مشاعره سوف تنمو على ذلك، وعندما يستمع لمفردات الاعتزاز والافتخار برموز الدولة وماضيها من قبل كبار أفراد الأسرة يزداد تمسكه بوطنه وبعاداته وتقاليده، وأضاف أن المدرسة لها نصيبها الأكبر في غرس الولاء للوطن، والذي يبدأ دورها من اليوم الأول من خلال حض الأبناء على الوقوف أمام علم الدولة بكل هيبة وتقدير لترديد السلام الوطني، وتغذية المناهج الدراسية بالأساسيات التي تربي وتنمي الروح الوطنية والإحساس بالولاء، وذلك من خلال التطرق لماضي الإمارات ورموزها وحضارتها في مختلف المناهج التاريخية والجغرافية والسياسة والعلمية والاقتصادية وليس في منهاج متخصص ومباشر، كذلك يكون دور المدرسة فاعلاً في غرس الانتماء من خلال المناشط الدراسية الممتدة على طوال العام، والتي تزرع الاعتزاز في نفوس الطلبة وتدفعهم للمشاركة في الفعاليات الوطنية بشغف، لافتاً إلى أن الولاء للوطن ليس بترديد الشعارات ورفع الرايات، بل من خلال المحافظة على منجزات الوطن، والمكافحة من أجل رفعة شأنه على الصعيد الداخلي والخارجي، فالإخلاص في العمل ولاء للوطن، والالتزام بالقوانين في داخل الدولة وخارجها صورة من صور الانتماء.

الهوية الوطنية

أما الدكتورة منى البحر عضوة المجلس الوطني الاتحادي ومساعد المدير العام للرعاية والخدمات المجتمعية بمؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، تقول: إن الحديث عن الهوية الوطنية حديث قديم، ولكنه متجدد بتجدد المعطيات والظروف التي نمر بها في هذه المرحلة التاريخية، حيث إن التحديات الداخلية والخارجية المحيطة دفعت بنا إلى التركيز بشدة وبشكل مكثف على هذه القضية، ولكن عند الحديث عن ذلك لا بد أن ندرك من هو المسؤول عن تربية حس الهوية والانتماء وصيانته في نفوس الشباب؟ إذ في الحقيقة لا نستطيع أن نلقي بالمسؤولية على مؤسسة دون أخرى، خاصة أن عملية التنشئة والتربية لم تعد مقصورة اليوم على الأسرة وحدها، بل اصبحت تشاركها جهات وفضاءات مختلفة واقعية وافتراضية، بل نستطيع القول إن هذه الفضاءات أصبحت تنافس الأسرة في شد وجذب الأبناء، لدرجة أن مؤسسة الأسرة اليوم تقف عاجزة في بعض الأحيان عن مواجهة هذه المؤسسات التربوية وخاصة الافتراضية منها.

وتؤكد البحر أن هذه المؤسسات التي تعمل اليوم على طرح مفهوم المواطنة أو الهوية العالمية، ولديها من عوامل الجذب ما يغري أكثر الشباب حصانة، لذا فإنه يجب على جميع مؤسسات المجتمع أن تقف وتدعم الأسرة في مواجهة هذه التحديات الكبيرة، وأن تعمل على تعزيز دورها في التنشئة الاجتماعية والوطنية للأبناء، حتى تستطيع ان تنافس وأن تحصن أبناءها بالشكل المطلوب، وأن تكون قادرة على تسخير هذه الفضاءات الافتراضية لخدمة اهدافها وقيمها.

تعزيز ودور

وتابعت: وعموماً فإنه وسط هذه التحديات المحيطة تصبح عملية التنشئة الوطنية الاجتماعية عملية متداخلة ومتعددة الأبعاد، ويجب أن يعمل على تعزيزها وصونها الكثير من المؤسسات المجتمعية، وأن لا تلقى مسؤوليتها على المؤسسات التربوية الأولية مثل الأسرة والمدرسة، وإن كان مازال دورهما أساسياً وضرورياً، ولكن كما ذكرت أن هذه المؤسسات حتى تستطيع أن تقوم بدورها على أكمل وجه وبالصورة المتوقعة يجب أن توفر لها كل الأساسيات، وأن تعمل معها باقي المؤسسات كمكملة ومعززة لدورها التربوي المنوط بها، وعلى سبيل المثال فإن الأسرة لن تستطيع تأدية مهمتها في هذا المجال، إذا لم تقف المؤسسات الإعلامية بكل ما تملك من موارد مادية وبشرية، لنقل وتسويق ونشر قيم الأسرة، وقيم المواطنة الصالحة وحب الوطن والولاء له، والإحساس بالمسؤولية نحو كل جزء فيه.

وإذا انفصلت المؤسسة الإعلامية وقدمت ما ينقض قيم التنشئة الوطنية والاجتماعية التي تعمل الأسرة على خلقها في النشء لن تتمكن الأسرة من المحافظة وتعزيز ما تغرسه من قيم، فالشراكة بين هذه المؤسسات وغيرها اصبحت ضرورية ومهمة، إن أردنا أن ننشئ جيلاً يكمل مسيرة الأجداد ويحمل الوطن في ثنايا روحه مفتخراً بأصوله وهويته الإماراتية العربية متباهياً بها أمام كل المغريات والتحديات.

قيمة الولاء تعني قيمة للفرد

في السياق ذاته يقول الدكتور خالد الخاجة عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا إن كلمة الولاء قيمة في حد ذاتها، وقيمة الولاء تعني أن للفرد قيمة يعتز بها ويحافظ عليها ويدافع عنها بنفسه وماله، وعلى استعداد إن يفقد في سبيلها الغالي والنفيس، فهذا الولاء يخلق رابطاً بين الفرد وتلك القيمة، وأنه لا يعيش في العالم هائماً على وجهه لا يعرف لحياته قيمه أو لوجوده معنى، والولاء قيمة مجردة، وهذه القيمة تتجرد حين يكون للوطن بمعنى، هو قيمة تعلو على قيمة الانتماء، فالولاء يعني أن حب هذا الوطن قد ملك نفس الفرد للدرجة التي اختلط فيها بالدم واللحم، وأن هواءه قد أصبح تبعاً لمصلحة الوطن حيثما دار يدور عقله وتسير خطاه دون قدرة منه على الميل عن هذا الصراط الوطني الذي ملء عقله وقلبه.

ويؤكد أن الولاء للوطن يعني أن تصغر كل مصالح الدنيا أمام قضايا الوطن، وأن يهون كل بذل أمام صالح الوطن، وأن يبذل الفرد ذلك عن طيب خاطر، لأنه هو الذي يجعل حبات رمال الوطن لا تقايض بحبات الماس، وحرارة شمسه في هجير الصيف أطيب من نسمات هواء الدنيا كلها بعيداً عن أرضه، فمن ليس له ولاء لوطنه فهو كالريشة في مهب الريح أو هو كبيوت الرمال التي تبنى على شاطئ البحر لا جذور لها ولا أساس.

فطرة ورعاية

ويضيف أن هذا الولاء لا يتأتى مصادفة أو بمجرد الإقامة على أرض، لكنها الفطرة التي يولد الفرد عليها فتتولاها كافة المؤسسات بالرعاية والمحافظة، حتى تقوى ويشتد عودها للمجابهة والصمود، وهنالك ملامح قيمية نابعة من السياج المحيط بالفرد أو الأرض التي نشأ فيها الفرد، والتي تختلط بدمه شاء ذلك أم أبى، سعد به أم حاول التمرد، لكنه في نهاية المطاف مستسلم أمام ذلك السر المكنون الذي يربطه بأرض كان نورها أول ما رأت عينه، وحبات ترابها أول ما لامس جسده، هنا يكون الولاء قدراً كتبه الله علينا دون اختيار منا، مثل الأجل والرزق.

ويؤكد الخاجة أنه لا ينبغي تجاهل الدور المحوري الذي يقوم به النظام التعليمي في ترسيخ قيمة الانتماء، حيث تعتبر اللغة هي اللبنة الأولى في غرس هذه القيم والاعتزاز بها، وهو اعتزاز بالوطن وتقديم نماذج القدوة وربط النشء بقضايا وطنهم والثقة في حضارته والفخر بها، كذلك أن يقوم المعلم نفسه بتقديم النموذج في الانتماء، من خلال سلوكياته وتمكنه من التعبير عن الأفكار بوضوح وفعالية، وفتح مجالات للحوار في ما يقدمه.

ولا شك في أن وسائل الإعلام تقع في خطأ كبير، حين تسعى لخلق ثقافات عامة أو تفرض نمطاً ثقافياً بعيداً عنا، أو تغرس قيم التهوين من كل ما هو وطني، وتعظيم كل ما هو غير وطني، بدعوى مسايرة روح العصر في التفكير والسلوك والذوق العام، بل يمتد الأمر إلى إضعاف الانتماء للوطن واستبداله بالانتماء للقيم العامة التي تبدو براقة في ظاهرها، إلا أنها تصيب مجتمعاتنا بحالة من الوهن القيمي النابع من رحم تاريخه بل لابد من تقديم نماذج القدوة من قلب الوطن والاعتزاز بقيمنا الأصيلة.

أفعال ومشاعر

وتشير الدكتورة فاطمة الصايغ إلى أن الولاء للوطن ليس فقط بالكلمات والأحاسيس والمشاعر ولكن بالأفعال أيضاً، وبهذا يمكن أن يقاس الولاء، فليس الولاء أن نقول بأننا نحب وطننا بل أن نحترم القانون وولاة الأمر ونحافظ على كافة القوانين التي تحفظ أمن بلدنا وأمنه، كما أن الولاء للوطن في العمل الجيد المتقن الهادف إلى خدمة المجتمع دون انتظار لمكافاة أو عطاء، فالكثيرون ينظرون للوطن على أنه امتيازات وهبات وعطاء لامحدود، ولكن الوطن الذي لم يبخل علينا بكل هذا ينتظر أيضاً رد الجميل في صورة ولاء وحب ومشاعر متبادلة.

وتؤكد أن الولاء لا يأتي في كلمات منمقة وجميلة تعلق على الصدور ولكن في أفعال جميلة تهدف إلى رفعة الوطن وخدمته كل في مجاله من التلميذ ، إلى الموظف الذى يحتل أعلى المناصب، ففي حب الوطن يكمن الفرق فقط في العمل الجاد المتقن.

لا حدود للولاء

الولاء للوطن ليس له حدود، ويجب أن يكون بغير المحدود, والتنشئة مسؤولية تتطلب من أولياء الأمور غرس روح الولاء للوطن في نفوس وأذان أولادهم منذ الصغر، على أن تتضمن القيم التي يحرص المربون المعلمون على غرسها في نفوس النشء، لأن في حب الوطن والولاء له تكمن أجمل القيم وأعمقها وأعظمها.

وكلما نشأ الأولاد على مفردات الوطن العزيز، وأناشيد تتغنى بحقه وحبه، ومشاركات فاعلة تترجم هذا الحب وتعكس ضرورة القيام بها كواجب ملزم عليهم، كان الوفاء لأرض الوطن وترابه وساما تفتخر به الصدور، وتاجا يزين الهامات المثابرة بجد على الاخلاص والولاء للوطن، والسمو باسمه عاليا على الدوام.