يصادف اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك الذكرى الثامنة لرحيل مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها وعزتها المغفور له بإذن الله تعالى،الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، والذي ستظل روحه حية وخالدة في ذاكرة ووجدان الوطن والمواطنين وقلوب ونفوس الأمة العربية والإسلامية، بعد حياة مشهودة حافلة بالعطاء، نذر خلالها نفسه وكرس كل جهده وعمل بتفان وإخلاص لخدمة وطنه وشعبه وأمته العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء، ونقش سيرته في التاريخ كنموذج للقيادات الملهمة الحكيمة التي تجمعت وتوحدت قلوب الناس جميعاً حولها، وأجمعت على مبادلته الحب والوفاء والولاء المطلق.
وقد حفل سجل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بصفحات ثرية ناصعة من المنجزات الوطنية الباهرة التي سطرها التاريخ بأحرف من نور على مدى نحو 66 عاماً متواصلة من العطاء في العمل الوطني والقومي، وذلك منذ تعيينه حاكماً لمدينة العين في المنطقة الشرقية في العام 1946 إلى توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في السادس من أغسطس 1966 وحتى انتخابه رئيساً للبلاد بعد إعلان اتحاد دولة الإمارات في الثاني من ديسمبر 1971.
خدمة الوطن
لقد وهب زايد نفسه لبناء وطنه وخدمة مواطنيه وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم في الحياة الكريمة الرغدة، وقاد ملحمة البناء من مرحلة الصفر بإقامة المدارس ونشر التعليم، وتوفير أرقى الخدمات الصحية ببناء أحدث المستشفيات والعيادات العلاجية في كل أرجاء الوطن، وإنجاز المئات من مشاريع البنية الأساسية العصرية والمستوطنات البشرية التي شكلت منظومة من المدن العصرية الحديثة التي حققت الاستقرار للمواطنين. لقد كان بحق رجل التنمية، ومن الزعماء القلائل الذين تفانوا وكرسوا حياتهم وأعطوا بكل سخاء من أجل عزة وطنهم وإسعاد شعبهم.
وقد جسدت الاحتفالات التاريخية الرائعة باليوم الوطني الأربعين في العام الماضي، بجلاء وصدق، عُمق الولاء والوفاء والحب الذي يُكنه شعب الإمارات لزايد، ومكانته في وجدانهم وذاكرتهم، ورسخت التراث الوطني الأصيل الذي تركه.
وأكدت أنه يسكن قلوبهم ونفوسهم، وأنه، بحق، روح الاتحاد وروح الوطن. فقد كان زايد وطناً في رجل. كما قال صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله،: "إن الأجواء الاحتفالية البهيجة في كافة أرجاء الدولة، بمناسبة اليوم الوطني الأربعين عكست روح الاتحاد الذي غرسه في نفوسنا جميعاً المغفور له والدنا مؤسس دولتنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومعه الرواد من حكام الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمة الله". كما أكد سموه "إن هذا الاتحاد الذي نعيشه اليوم انجاز سياسي وواقع اجتماعي واقتصادي لم يكن هبة أو منحة، كما لم يكن مناله سهلاً يسيراً، لقد جاء ثمرة غرس طيب لآباء حملوا الفكرة أملاً وتولوها رعاية، متفانين في إعلاء راية الاتحاد وتقويته. إنهم روح الاتحاد، ومن سيرتهم تستخلص الأجيال العِبر، وتواصل تحمل المسؤولية في وطن زاه بماضيه، ويفخر بحاضره المعطاء وغده الواعد".
رؤية ثاقبة
وتُكرِس هذه الرؤية الواضحة لصاحب السمو رئيس الدولة نهج المسيرة والاقتداء بسير المؤسسين، والاستقراء العميق للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في حدسه للمستقبل، حين أوصى، قبل رحيله، أبناءه المواطنين بالعمل الجاد من أجل حماية المكتسبات الوطنية وتحقيق المزيد من العزة للوطن والرخاء للمواطن.
وقال لهم :"إن ما ترونه من حقائق مادية على أرض وطنكم، لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة العمل الشاق الدؤوب، والالتزام القوي والمثابرة. إن ما حدث ليس مقطوع الجذور، ولا يعود فقط للعقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، بل هو نتاج موروث ثقافي واجتماعي تأصل فينا ووصل إلينا من الآباء والأجداد الذين واجهوا الصعاب الجمة التي تفوق كل تصور وخيال، إننا مدينون لهم في كل ما نتمتع به من قدرة على البناء وجدية في العمل وتصميم على النجاح، لذلك، فإننا نقول دوماً بأن الشعب الذي لا يفهم ماضيه ويستوعب منه العبر والدروس، لن يكون قادراً على التعامل مع تحدّيات الحاضر واستحقاقات المستقبل".
جهود حثيثة
وقال مُوجِهاً حديثه إلى الشباب بصورة خاصة، في كلمة بمناسبة اليوم الوطني الثاني والثلاثين في الأول من ديسمبر 2003 :"إن ما تحقق من خير وفير، لن يدوم دون مزيد من الجهد والبذل والتضحيات، إن علينا أن نكد من أجل حماية مكتسباتنا الوطنية وتعزيز مسيرة اتحادنا، وتحقيق المزيد من العزة للوطن والرخاء للمواطن، وهذا لن يتأتى دون مشاركة بنّاءة وفاعلة من الجميع.
لقد أصبحنا في نعمة ما كنا نحلم بها، ولذلك أناشدكم ذكوراً وإناثاً أن تبذلوا كل جهد من أجل صيانتها ورعايتها، حتى تحصدوا أنتم وأبناؤكم ثمارها على الدوام إن شاء الله، عليكم ألا تدخروا جهداً من أجل العمل بكل ما أوتيتم من طاقات وإمكانيات، إياكم والكسل والتقاعس والتهاون، فإن النِّعم لا تدوم إلا بالجهد والنشاط والعمل الجاد وشكر الله وحمده، كونوا حسبما نتوقعه منكم رجالاً ونساء،ً تعملون من أجل بلدكم بكل جد وتفان وإخلاص، إنكم اليوم، والحمد لله، في ذروة العز والازدهار تنعمون بالخير والاحترام، فثابروا واستمروا وتفاعلوا مع العالم الذي من حولكم.
وخذوا منه ما يفيدكم وينفع بلدكم، واطرحوا جانباً ما يضركم ويسيء إلى مجتمعكم وقيمكم وتراثكم العريق". وأكد لهم: "إن العمل الوطني لا يتوقف عند حد، والمسؤولية تقع الآن عليكم يا شباب الإمارات وشاباتها، لتحولوا الفرص التي أتيحت لكم إلى نقاط انطلاق لمزيد من العطاء لوطنكم وشعبكم. إننا ننظر إلى مفهوم المواطنة بمعنى الولاء للوطن والالتزام بالعمل من أجله. المواطنة تستدعي من كل منا أن يكون العطاء للوطن له نبراساً وهادياً، فالوطن كل متكامل، وبناؤه يستوجب تضافر جهود الجميع وتكاتفهم واستعدادهم لخدمته وحمايته".
كما أكد، برؤيته الثاقبة، قائلاً: "لقد كان لتلاحم أبناء الشعب مع قيادة هذه الدولة الأثر الأول والفضل الكبير في تسهيل مهمة الرئاسة وتعضيد جهودها من أجل بناء صرح الاتحاد، إننا نعتبر أن الوصول إلى هذه الحالة من التلاحم بين الشعب والقيادة، وهو التلاحم الذي يقوم على المحبة الصافية، ليس بالأمر الهين أو العادي، وإنني فعلاً أحمد الله على ذلك كثيراً".
زايد في عيون العالم
وأجمع العالم على أن زايد كان زعيماً رائداً ورجل دولة قوياً يتمتع بالحكمة وبُعد النظر، أسهم في دعم قضايا أمته العربية والإسلامية من أجل تحقيق وحدة الصف والتضامن بين شعوبها والدفاع عن حقوقها، كما دعم القضايا العالمية العادلة بمواقفه الصريحة والشجاعة، ومبادراته العديدة على صعيد العمل القومي وفي ساحات العمل الإنساني لخدمة البشرية جمعاء.
كما ثمن العالم، بتقدير كبير، الجهود المتصلة لزايد في الدعوة إلى نشْر ثقافة التسامح والوسطية والاعتدال في الإسلام، وإلى الحوار والتقارب بين الثقافات والحضارات والأديان من أجل بناء مستقبل آمن ومزدهر للإنسانية.
وكان العالم قد صدم وفجع ووقع عليه نبأ رحيل زايد كالصاعقة، لما يُكنه له من احترام كأحد الزعماء البارزين في سمائه، ولما تحلى به من حكمة وبُعد نظر ورؤية ثاقبة سديدة، ولعطاءاته السخية في ساحات المساعدات التنموية والعمل الإنساني والخيري، والتي انعكست نتائجها الإيجابية على جهود التنمية والسلام والاستقرار في العالم.
حفل تأبيني
وأقامت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمبادرة غير مسبوقة، في 4 نوفمبر 2011 حفل تأبين تاريخياً تحدّث فيه رئيس الجمعية وممثلو مجموعات دول المناطق الجغرافية العالمية الخمس في المنظمة الدولية، من قارات آسيا وأفريقيا ودول أوروبا الشرقية ودول أميركا اللاتينية والكاريبي ودول أوروبا الغربية، بالإضافة إلى ممثل الولايات المتحدة الأميركية الدولة المضيفة، واستعرض المتحدثون، في هذه الجلسة الخاصة، جوانب من الحياة السياسية والدبلوماسية الحكيمة والإنجازات العظيمة للمغفور له الشيخ زايد، سواء على صعيد بناء دولة الإمارات العربية المتحدة، وإنجاز نهضتها الحديثة، أو في مجالات التعاون الدولي، والعمل الإنساني وتقديم المساعدات السخية للدول الفقيرة والنامية، وتكريس جهوده الدءوبة من أجل تعزيز علاقات الأخوّة والصداقة والاحترام المتبادل بين دول وشعوب العالم. وأكدوا أن ذكراه ستظل مصدر إلهام لا ينضب لشعبه ولجميع الذين يعملون، جاهدين، من أجل قضايا السلام وبناء الإنسان وإسعاد البشرية.
ووصف الأمين العام للأمم المتحدة، وقتها، كوفي عنان في بيان رسمي، المغفور له الشيخ زايد بأنه كان أحد الزعماء البارزين في العالم الذي كرس حياته وجهوده الدؤوبة، منذ تولّيه لمقاليد الحكم في دولة الإمارات، من أجل بناء الدولة والأمة. وقال إن حكمة الشيخ زايد وإيمانه العميق في الدبلوماسية لحل الأزمات، وكرمه في تقديم المساعدات للدول النامية، مكنه من أن يحظى بشعبية في بلاده والعالم الإسلامي والدولي. وأكد.. "إن الشيخ زايد كان صديقاً باراً للأمم المتحدة، وسعى دوماً نحو تعزيز أوجه العلاقات بين بلاده والمنظمة الدولية".
ووصف الأمين العام لجامعة الدول العربية، حينها، عمرو موسى رحيل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، بأنه خسارة فادحة للعرب. وقال إن الأمة العربية فقدت فارساً من فرسانها النبلاء ورجُلاً من أكابر رجالتها، شكلت مسيرة حياته نموذجاً فريداً للعطاء بلا توقف، وللقيادة الواعية الرصينة والحكيمة.
قائد متميز
وذكر أن الشيخ زايد كان قائداً متميزاً آل على نفسه النهوض ببلاده، وبذل الجهد والمال لبناء دولة الامارات العصرية، وتوحيد الصف العربي، وكانت له، على مدى عقود طويلة، أيادٍ بيضاء على العمل العربي المشترك وفي دعم وتأييد الجامعة العربية.
وأكد البروفسور الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو أمين عام منظمة التعاون الإسلامي أن وفاة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، خسارة فادحة أصابت، ليس فقط دولة الامارات العربية المتحدة، بل الأمة العربية والإسلامية والعالم. وقال إن الفقيد تميَز بشخصية فذة كان لها تأثيرها الكبير في مجريات الأحداث السياسية بمنطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وكان له دور ريادي في حركة السلام العالمية. وأضاف "لقد بنى الشيخ زايد، رحمه الله، نهضة دولة الإمارات، وما نراه اليوم من التقدم الكبير الملموس، وانتشار الرفاهية والسعادة بين أبناء الإمارات العربية المتحدة، وما يتمتع به من الأمن والاستقرار، هو دليل على حكمته وحنكته ونجاح سياسته الوطنية".
وذكر أمين عام منظمة التعاون الإسلامي بأن الشيخ زايد، رحمه الله، كان صاحب أياد بيضاء على الكثير من المشروعات الخيرية في مختلف أنحاء العالم، ولا يوجد بلد من البلاد العربية أو الإسلامية لم تصله اليد البيضاء والخير الذي عمّ بعطاء زايد.
نظرة زايد وملكته الفطرية بداية رحلة العطاء
ولم تتوقف طموحات زايد وتطلعاته، بما أنجزه من تحولات إصلاحية محدودة في مدينة العين وبما حققه من استقرار في المنطقة، بل كانت نظرته الثاقبة للأمور وملَكته الفطرية على استشراف المستقبل تمتد إلى أبعد من العين بكثير. كان يتأمل بصبر الأحوال التي كان عليها وطنه الكبير والظروف الصعبة التي يعيش فيها المواطنون، وكان يتطلع بثقة وأمل إلى تبديل حال الوطن وتحسين أحوال المواطنين. وقد عبّر عن طموحاته وتطلعاته لتحقيق هذه الأهداف بقوله.. "كانت أحلامي كثيرة. كنت أحلم بأرضنا تواكب حضارة العالم الحديث ولكنني لم أستطع أن افعل شيئاً ولم يكن بين يدي ما يحقق الأحلام، ولكنني كنت واثقاً من أن الأحلام سوف تتحقّق في يوم من الأيام".
وشكلت أول رحلة قام بها زايد خارج البلاد في العام 1953 إلى بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية والتي أعقبها بزيارات إلى عدد من الدول العربية والإسلامية، رؤية واضحة زادت من قناعاته بمدى حاجة البلاد إلى التنمية والتطور واللحاق بركب الحضارة والتقدم. وحظيت هذه الجولات لعدد من عواصم العالم المهمة بأصداء واسعة سياسياً وإعلامياً، وقوبلت بارتياح محلي وباهتمام اقتصادي عالمي، خاصة وأنها تزامنت مع بدء جهود التنقيب عن النفط في إمارة أبوظبي والإعلان عن اكتشاف البترول بكميات تجارية في العام 1958 ومن ثم تصدير أول شحنة من النفط الخام المنتج من حقل أم الشيف البحري في العام 1962.
وبرزت، بعد هذه الجولات، شخصية زايد القيادية وقدراته السياسية، ليكون رجل البلاد القوي المنتظر في إمارة أبوظبي.
مبايعة زايد، وبالفعل سطعت شمس السادس من أغسطس من العام 1966 لتضيء بإشراقتها المستقبل الباهر الذي شهدته إمارة أبوظبي بإعلان القرار التاريخي بمبايعة أسرة آل نهيان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكماً لإمارة أبوظبي.
مسؤوليات جسام
وقد قبل الشيخ زايد تحمل المسؤولية الجسيمة تجاوباً مع إجماع أسرة آل نهيان ونبض الشعب، وبذلك بدأت مرحلة تحول تاريخي في البلاد.
وأعلن زايد، منذ اللحظات الأولى لتوليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، عزمه على تسخير عائدات الثروات النفطية لبناء تقدم الوطن وتحقيق سعادة المواطنين، مؤكداً "إذا كان الله عز وجل قد منّ علينا بالثروة فإن أول ما نلتزم به لرضاء الله وشكره هو أن نوجه هذه الثروة لإصلاح البلاد ولسوق الخير إلى شعبها". وتعهد زايد للرعية.. "إن من حقوق الله علينا رعاية من ولاّنا الله إياهم بقدر ما في الوسع والطاقة، وإن من رضوان الله على عباده أن يقوم بعضهم بالبعض الآخر، وإن الله لا يولي على عباده إلا من يرفق بهم ويطبق شريعته". وأضاف مؤكداً.. "إنني مثل الأب الكبير الذي يرعى أسرته ويتعهد أولاده ويأخذ بيدهم حتى يجتازوا الصعاب ويشقوا طريقهم في الحياة بنجاح".
وانطلقت عجلة البناء والتعمير في كل مكان تقهر الصعاب وتهزم المستحيل بجهود مخلصة وعزيمة معطاء وإرادة صلبة لقائد فذّ نذر نفسه لازدهار وطنه وإسعاد شعبه.
وكانت مدينة أبوظبي، عندما تولى زايد مقاليد الحكم فيها كما هو الحال بالنسبة لمناطق إمارة أبوظبي الأخرى، جزيرة رملية صحراوية قاحلة تحيط بها مياه الخليج من كل الجوانب، لا يوجد بها سوى مجموعة من البيوت المتناثرة معظمها من "العريش" وكانت تفتقر إلى أبسط الخدمات من طرق أو مياه أو كهرباء أو مدارس أو مستشفيات وغيرها من الخدمات الأساسية الضرورية للسكان.
بنية أساسية
وكانت احتياجات الناس من السلع والبضائع تأتى إلى أبوظبي بواسطة /الصنادل/ التي تقوم بنقل هذه السلع من السفن الكبيرة التي كانت ترسو قبالة كورنيش أبوظبي الحالي نظراً لعدم وجود أي موانئ أو حتى أي نوع من هياكل البنية الأساسية من طرق وجسور ومطارات واتصالات حديثة وغيرها من مرافق البنية التحتية، وكان المواطنون يعيشون حياة قاسية وصعبة، يعانون من شظف العيش والحرمان من الخدمات الضرورية.
تسخير الثروات لبناء الوطن
وكان هذا الأمر يشغل بال زايد الذي كان يردد.. "كنت أفكر دائما وقبل أن تتوفر لي الإمكانات التي أنعم الله بها علينا مع ظهور البترول، أن شعبنا حرم كثيرا في الماضي من الخدمات والمرافق التي كان يتمتع بها غيره وآن الأوان لأن نعوض شعبنا عما فاته لينعم بما أعطاه الله من خير وفير".
وبدأت مرحلة سنوات خالدة حافلة بالعمل الدؤوب والإنجازات المتلاحقة بأن سخّر زايد عائدات الثروة النفطية لانتشال إمارة أبوظبي من حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي التي كانت عليها، حيث أكد في هذا الخصوص.. "إن مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار ويتوجب أن تسبق بالأولوية والاهتمام والغاية أية مصلحة أخرى".
وانطلقت عمليات التطوير والبناء بإرساء قواعد الإدارة الحكومية السليمة وبناء المؤسسات التنظيمية والمالية والإدارية والمرافق والدوائر الحكومية التي تتولى الإشراف على تنفيذ مشاريع التنمية. وتدفقت عائدات الثروات البترولية بسخاء للإنفاق في إقامة مشاريع التطوير والخدمات والبنية الأساسية، وبدأ العمل في تنفيذ برامج طموحة سريعة وأخرى طويلة الأجل للتنمية الشاملة التي استهدفت شتى نواحي الحياة بالتبديل والتحديث للحاق بركب الحضارة والتقدم، فلا فائدة في المال كما كان يقول زايد.. "إذا لم يسخر لصالح الشعب". ولم يسخّر زايد المال فقط ويوظفه لإسعاد أمته، بل نذر نفسه لخدمتها وأخذ يجوب البلاد طولاً وعرضاً يتابع بنفسه عمليات التشييد والبناء ويتنقل بين الحضر والقرى والصحارى يتفقد مشاريع الإنماء والإعمار ويقود تحدياً غير مسبوق للحاق بركب الحضارة والتحديث والتقدم. سيرة ومسيرة
ولد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في نحو العام 1918 في قصر الحصن بوسط مدينة أبوظبي، وهو رابع أربعة أبناء رزق بهم الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان الذي حكم إمارة أبوظبي بين أعوام 1922 و1926 وكان ترتيبه الحادي عشر في سلسلة حكام آل نهيان، وقد عرف عنه شجاعته وحكمته وقدراته على بسط الأمن والسلام والنظام ونظمه للشعر والنشيد واهتمامه بالزراعة والمياه والري، حيث بنى فلج /المويجعي/ مما أدى إلى ازدهار قرية /المويجعي/ في مطلع الستينات.
وقد تفتحت عينا زايد وسط البيئة القاسية والحياة الصعبة التي عاشها سكان إمارة أبوظبي في قلب الصحراء وعلى ضفاف السواحل، في تلك المرحلة من تاريخها، حيث بدأ في الاطّلاع على أصول الدين وحفظ القرآن الكريم ونسَج من معانيه نمط سلوكه ونهج حياته ورؤيته للمستقبل.
ثم بدأت المرحلة الثانية من حياته عندما انتقل من أبوظبي إلى العين، حيث أظهر شغفه المتزايد بالمكونات التقليدية التي يتّصف بها البدوي الأصيل كالصيد بالصقور وركوب الخيل والهجن وإتقان الرماية، وقد أمضى في مدينة العين وضواحيها السنوات الأولى من فجر شبابه وترعرع بين تلالها وجبالها وصحرائها واستمد الكثير من صفائها ورحابتها واشتهر بشجاعته وإقدامه وهو لا يزال صبيا، وشكّلت مكونات تلك الفترة بكل تجربتها وأبعادها خصائص زعامته الفذّة وفلسفته في الحياة.
وأتقن زايد، عندما أصبح شاباً، فنون القتال والصَول والجول والإقدام، وبدأت ثقافته تكتسب بعدا جديدا فولع بالأدب والشعر والتاريخ وأبدى اهتماما كبيرا بمعرفة وقائع تاريخ العرب وأمجادهم، وكان من أمتع أوقاته الجلوس إلى مجالس كبار السن ليستمع منهم عما يعرفونه من سِير الآباء والأجداد وبطولاتهم، حيث بدأت الشخصية القيادية للشيخ زايد تتبلور وتظهر بجلاء خلال هذه الحقبة من بداية الأربعينات. وبعد أن عين حاكماً للمنطقة الشرقية من إمارة أبوظبي في العام 1946، أظهر زايد قدرات كبيرة في إدارة شؤون العين والمناطق التابعة لها، وكرس كل طاقاته وجهوده لخدمة المواطنين وتحسين أحوالهم المعيشية.
وتقدم صفوفهم في العمل رغم شح الإمكانيات التي كانت متاحة. فقد لجأ زايد إلى تنمية الزراعة وحفر الأفلاج وكان يشارك الرجال النزول إلى جوف الأرض ويرفع معهم التراب، حيث شهدت تلك الفترة عملية إصلاح زراعي محدودة أسهمت في تطوير المنطقة وازدهارها. واستحدث أول نظام للري ألغى به تجارة الماء التي كانت سائدة في المنطقة الشرقية، مؤكداً.. "إن مياه الأفلاج الآتية من جوف الأرض يجب أن تكون من حق كل الناس الذين يعيشون فوق هذه الأرض".
وافتتح أول مدرسة في العين في العام 1959 وهي المدرسة /النهيانية/ ثم أنشأ مستشفى العين وسوقاً تجارية وشبكة محدودة من الطرق، نظراً لشحّ الإمكانيات المادية وقتها، واكتسب منذ ذلك الوقت حبّ مواطنيه وثقتهم فيه.
الجرمن : زايد ملهم أجيال الحاضر والمستقبل
على الرغم من مرور ثماني سنوات على رحيل زايد الخير، والدنا وقائدنا والمؤسس لاتحاد دولتنا الإمارات العربية المتحدة، والفراغ الكبير الذي أحدثه هذا الفقد الجلل، إلا أن سيرته العطرة لا زالت منقوشة في ذاكرة كل فرد في هذه الدولة، وفي كل شبر منها، تشهد مآثره الخالدة برجل فذ، رغِب فأخلص، وعمل فأتقن، وآمن بقوة الاتحاد، فكانت إنجازاته بفضل الله تعالى- ماثلة للعيان، وبصماته المباركة لا يختلف عليها اثنان.
وعندما رحل أبونا زايد- غفر الله له وطيب ثراه- ترك لنا أثراً، مشى على خطوه السديد الآباء المؤسسون الذين شاركوه البناء، وساهموا في مسيرة التقدم والنماء، فأثبتوا أن الغرس الطيب يبقى شامخاً زاهياً طول الأزمان، بل ينتشر كشجرة وارفة الظلال، يانعة الثمار، تسر الناظرين.
وعلى ذات النهج المبارك، مشى خليفة العطاء وإخوانه حكام الإمارات، ومحبو هذه الأرض العزيزة، ليكونوا على العهد، وينجزوا الوعد، ويرعوا صرح الاتحاد الذي تجاوز أربعة عقود زاهرة، فبلغ من الرسوخ أشده، ومن الجهد حكمته ورشده.
ومن يتأمل مسيرة المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لا يمكنه أن يسدل الستار على ثلاثة عقود ونيف من عطاء سموه وقيادته، حيث تفرض نفسها أمام القاصي والداني، وتعلن فرادتها وتميزها الوحدوي عن باقي التجارب والنماذج في التاريخ.
لقد آمن زايد بالإنسان باعتباره ثروة للأمم، وكنزاً لأية دولة ناجحة، فاهتم به وأولاه تمام الرعاية والعناية، ولم يفرق بين صغير وكبير، أو امرأة ورجل، أو غني وفقير، بل عاملهم بسواسية وعدل وحب وصدق، فحاز حب الجميع، واقتدوا به فرداً فرداً، وانطلقوا بكل حماس في مسيرة دائمة دائبة نحو العمل والإنجاز والعطاء.
إن معالم المشروع الحضاري التنموي الذي أرسى دعائمه مؤسس الإمارات، عديدة وكثيرة، فقد حققت الإمارات مكانة مرموقة بين دول العالم في زمن قياسي جداً، وبلغ شعبنا أعلى مستويات المعيشة الكريمة في العالم، تعليماً وإسكاناً وخدمات اجتماعية وصحية متقدمة، في ظل قيم وطنية تؤمن بالإسلام وترعى الماضي، وتحفظ التراث، وتغرس الثقافة، وتنسجم مع تراب هذه الأرض، ويواكب كل ذلك اقتصاد قوي، وسياسة حكيمة متوازنة، وعمران متنامٍ يطير بجناحي الأصالة والمعاصرة.
صقر غباش: أهدانا اتحاداً ازدهر بفكر خليفة
قال معالي صقر غباش وزير العمل "ان المغفور له باذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كان ولا يزال في قلوبنا وعقولنا حيث لم تغب ذكراه ومآثره عنا لاي لحظة".
وأكد معاليه "ان شموخ الاتحاد وبنيانه القوي يشهد على ما كان يتمتع به رحمه الله من سمات القائد والمعلم والاب الحاني صاحب الايادي البيضاء وهي السمات والصفات التي ورثها عنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله قائد نهضة دولة الامارات العربية المتحدة التي اصبحت بفكر سموه نموذجا عالميا يحتذى به من حيث التقدم والازدهار والامن والامان الذي ينعم به كل مواطن ومقيم في الدولة". واضاف "ان المغفور له باذن الله تعالى كان مدرسة من الحكمة والتواضع والعزيمة التي لا تعرف الكلل ولا الملل حيث اهدانا دولة الاتحاد التي قامت على اسس وقواعد متينة عمادها حب هذه الارض الطيبة وشعبها المعطاء".
و قال "ان الذكرى السنوية لوفاة المغفور له باذن الله تعالى تشكل للجميع دافعا قويا ومتجددا للعمل والجد كل في موقعه للحفاظ على المكتسبات التي تحققت و تعظيمها في ظل قيادتنا الرشيدة".