شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة أول من أمس المحاضرة التي ألقاها الدكتور ابيجيت بانرجي الأستاذ الدولي للاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بعنوان "العطاء بذكاء: نحو تحقيق الفائدة القصوى من المعونات"، في إطار سلسلة المحاضرات التي ينظمها مجلس سموه الرمضاني بقصر البطين في أبوظبي.
وحضر المحاضرة سمو الشيخ عبدالله بن راشد المعلا نائب حاكم أم القيوين، وسمو الشيخ محمد بن سعود بن صقر القاسمي ولي عهد رأس الخيمة، وسمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل حاكم أبوظبي في المنطقة الغربية، والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية ، ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وفؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان الأسبق رئيس كتلة تيار المستقبل في مجلس النواب اللبناني، وعدد من الشيوخ ورجال السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى الدولة وكبار المسؤولين بالدولة.
وتناولت المحاضرة أربعة محاور رئيسة، وهي: لماذا تخفق المعونات في تحقيق الفائدة المرجوة منها في كثير من الأحيان؟ ونحو تفعيل المعونات ولا تفترض الجواب كن منفتحا على الأجوبة واستعد للمفاجأة واحترام إنسانية الفقراء.
المعونة والفقر
وتساءل الدكتور بانرجي : هل يمكن للمعونة أن تنهي الفقر، وهل تنجح المساعدات والبرامج الحكومية في معالجة الفقر من خلال تحسين التعليم وتعزيز الرعاية الصحية؟
وقال ان معظم الآراء التي تتعلق بالمعونات والمساعدات ترى ان المعونات الخارجية بصورة خاصة والتدابير التي تتخذ في هذا الشأن بشكل عام لا تحقق إلا قدراً ضيئلاً من الفائدة، بل وتتسبب في بعض الأضرار أحيانا، ولذلك بأنه ينبغي على الناس ان يحسنوا أوضاعهم بأنفسهم ، مؤكدا ان هناك أدلة على إساءة استخدام المعونات، وان الكثير من التدابير التي تتخذ لتقديم المعونات ووصولها إلى الفقراء تفشل بسبب سوء تخطيطها أو عدم ملاءمتها أو خضوعها لأيديولوجيات خاصة.
حلول جديدة
واستعرض المحاضر أربعة مبادئ أساسية يمكن من خلالها تفعيل العطاء وتقديم المعونة بشكل افضل لنتمكن من مكافحة الفقر.
المبدأ الأول ان نتوقف عن افتراض الإجابات والانفتاح على الاحتمالات كافة، وان نختبر ونجرب ونحاول تقديم حلول جديدة ونفكر بدون قيود، وعلينا دائماً أن نجمع البيانات الصحيحة وأن ننظر إلى البيانات بعين فاحصة وعقل منفتح بحيث نرى فيها شيئاً جديداً حتى تحقق المعونات الفائدة المرجوة منها.
وقال الدكتور ابيجيت بانرجي إننا يجب ألا نفترض معرفة السؤال بل نجرب الإجابة، فالتطعيم ضد الأمراض من الفوائد طويلة الأمد والرخيصة في الثمن والمتوفرة مجانا، والمشكلة تكمن في الخطوة الأخيرة، وعلى الرغم من توفر كل شيء ولكن لا يتم تطعيم الأطفال، ففي عام 2000 تم تطعيم 1 ٪ فقط، والسبب يرجع إلى ان الحكومات وأنظمتها منهارة، والموظفين كسالى لا يقومون بالتطعيم، وهذا هو السبب في عدم نجاح فكرة نجاح المعونات.
وأضاف ان إحدى المنظمات غير الحكومية لجأت إلى إقامة مخيمات وتقديم حوافز للأطفال مثل المأكولات والملابس لتقديمها، وارتفع عدد الأطفال الذين حصلوا على التطعيمات إلى 38 ٪ وهذا تحسن كبير.
أهداف المعونة
وأضاف أن المبدأ الثاني هو النظر إلى الأدلة، ونتوقع المفاجآت لأن نجاح المعونات في تحقيق أهدافها يتطلب استخداماً حريصاً وأميناً للأدلة التي بين أيدينا حول استحقاق المعونات، وان تقديم المعونات غالباً ما يكون قائماً على الحس العام أو الحدس، الأمر الذي قد يكون مضللاً إلى حد بعيد.
وأوضح الدكتور بانرجي أن تجاهل الأدلة التي بحوزتنا أو نبذها يؤدي إلى نتائج سلبية معروفة، وبالتالي فإن اتباع عدد من المبادئ البسيطة من شأنه أن يؤدي إلى نجاح المعونات بصورة أفضل.
وقال ان التعليم مثير للاهتمام ففي بلدان كثيرة مثل باكستان والهند وكينيا وتنزانيا وغانا وغيرها يؤكد ان هناك حقيقة مثيرة للقلق وهى ان الطلاب في الصف الخامس٪40 منهم يستطيعون القراءة في مقطع واحد و30 ٪ يستطيعون اجراء عملية تقسيم بسيطة في الرياضيات.
احترام إنسانية الفقراء
والمبدأ الثالث احترام إنسانية الفقراء ويجب ألا نفترض بأن الفقير سيتصرف بالطريقة التي نريده أن يتصرف بها فهو كغيره من الناس يريد أن يعيش الحياة وأن يتمتع بكل ما فيها وهذا لا يعني دائماً أنه سيقوم بما نعتقد أنه يصبّ في مصلحته.
وأشار المحاضر إلى أننا يجب ان ننظر إلى الفقراء على انهم بشر وليسوا آلات يرغبون في في شراء طعام بكل بما يحصلون عله من معونة أو مساعدة حيث وجدنا في احد المناطق الريفية في المغرب ان احد الفقراء الذي كنا نعتقد انه يعاني من الجوع ان منزله به جهاز تلفاز و"دي في دي" حيث ان هذه الأجهزة لدى بعض الأشخاص اهم من الطعام لان الفقراء ليسوا مجرد آلات آكلة وإنما هم بشر يريدون ان يعيشون مثلنا تماما ويريدون تسلية وملابس جيدة .
وقال: عندما نعطي مساعدة للناس يقولون انهم سيشترون طعاما، ولكن هناك الكثير من الأدلة والبراهين بأن الفقراء ليسوا آلات ولكنهم بشر يريدون أشياء أخرى للعيش مثلنا، كالكساء والتعليم الجيد والترفيه والتسلية، وليس الحصول على الطعام والأكل فقط، مشيرا إلى أننا لو اعطينا الفقير مثلا عشرة دولارات فإنه سينفق منها ستة دولارات على الغذاء وثلاثة على المغذيات ودولار على طعام افضل، ولكن7 ٪ من إجمالى الإنفاق لديهم على شراء السكر والشاي لأنهم يستمتعون بذلك بشرب الشاي.
ريادة الأعمال للفقراء
والمبدأ الرابع مساعدة الفقراء على تطوير فكرة ريادة الأعمال للقيام بالأعمال التجارية الخاصة بهم وتطوير انفسهم وتمويل المشاريع الصغيرة لانتشالهم من حالة الفقر للقيام بأداء أعمالهم بأنفسهم بدلا من الاعتماد على الوظيفة في القطاعين الحكومي وغير الحكومي وشجعنا ريادة الأعمال للفقراء.
وقال ان 12 ٪من سكان المجتمعات الغربية أطباء وأغنياء وهناك 40 ٪ من فقراء الريف لديهم عملان زراعي وغير زراعي مقابل 60 ٪ الى70 ٪ من فقراء المدن لديهم أعمالهم الخاصة في حوالى 18 دولة غربية والأمر المضلل انهم يريدون ان يكونوا من رواد الأعمال، وفي تجربة أجريت في الهند تبين ان 52 من 140 حصلوا على تمويلات ليكونوا رواد أعمال، ولكن اشتروا بها اجهزة تلفاز وثلاجات ونتيجة العمل كانت صفرا .
وأشار إلى ان الأمر البائس هنا أننا لا ننظر إلى سلوك هؤلاء ولا ننصت اليهم، ولو سألنا احد الفقراء ماذا يريدون لأولادهم لأشاروا إلى انهم يريدون لأبنائهم وظيفة حكومية او غير حكومية، ولا يريدون لهم ان يكونوا رواد اعمال، لأنهم ليس لديهم المال ولا يمتلكون المهارات، اي ان الفقير لا يريد ان يكون له عمله الخاص، ولكن يريد عملا حكوميا او غير حكومي.
تمكين الفقراء وتطوير مهاراتهم
وفي بداية اسئلة ومداخلات الحضور طرح فؤاد السنيورة بعدا ومبدأ آخر لم يتناوله المحاضر حتى يكون العطاء والمعونة بشكل افضل، والمتمثل في تمكين الفقراء في مجال المهارات لكي يستطيع هؤلاء تطوير قدراتهم واستخدم تلك المهارات لكسب أرزاقهم، والتي تؤدي في النهاية إلى اعتمادهم على انفسهم في مكافحة الفقر بدلا من الاعتماد على المعونة والمساعدة.
وقال الدكتور بانرجي ان هيكلية المحاضرة هي التي فرضت محاورها والمبادئ الأربعة التي تناولتها، مشيرا الى ان مسالة تمكين وتطوير مهارات الفقراء مهمة جدا ويكون لها تأثير كبير على المدى البعيد، ولكن علينا ان نتعامل مع مسالة التمكين بطريقة غير اعتيادية والاعتماد على تطوير قدرات ومهارات الفقراء دون الحصول على شهادات علمية ليتمكن هؤلاء من مزاولة اعمال تدر عليهم دخلا ماديا وعدم الاعتماد على المعونات والمساعدات.
وردا على سؤال حول ما الذي نتأكد منه قبل تقديم المساعدات والمعونات لمنظمة ما، اشار الى ان هناك ما هو اكثر من المال لنساعد منظمة ما. وقال: علينا التأكد من الحكمة والرأي السديد ومدى الثقة فيما تقدمه هذه المنظمة او تلك، وتحقيق ذلك يحتاج الكثير من العمل، وهذا ما دعانا الى عمل مختبر في المخيمات التي انشأناها ليقوم مختصون بتلخيص ما يجب فعله ليكون العطاء وتقديم المساعدات بشكل افضل.
وردا على سؤال حول ما اذا كان يعتقد بأن الرأي العام قد ضاق ذرعا بان المساعدات اقل فاعلية قال ان هذا يعتمد على الوعود وعدم الابتعاد عنها واحيانا نعتقد ان المساعدات تحل الكثير من المشاكل ولكن ليست هناك طريقة سحرية للقضاء على كل المشاكل .
وردا على سؤال بأن تقديم المساعدات المالية يحدث تضخم في الدول التي تحصل عليها؟ قال ان هذا يحدث في الدول الفقيرة لأنه يقلل من سعر صرف العملة في هذه الدول ويقلل من القيمة الشرائية لعملتها.