من بين المزارع والواحات وعلى امتداد بساط أخضر يطلق عليه المنطقة الشرقية لإمارة أبوظبي، يتناهى إلى مسامعك صوت الأذان الموحد حياً ندياً عربياً واضحاً، منضبطاً، يدعو إلى الصلاة والفلاح، بسكينة وخشوع وجمال ينطلق من نحو 1050 مسجدا هي مساجد العين وسويحان وناهل والساد واليحر ورماح والقوع والوقن.

وإذا كان المسلمون في عصر الكهرباء قد استخدموا مكبرات الصوت لنقل الأذان إلى مسافات واسعة حول المسجد فإن الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة قد نجحت في توظيف التكنولوجيا وهندسة الفضاء، لرفع الأذان الموحّد ولمسافات أوسع على مستوى إمارات الدولة مع مراعاة فروق التوقيت.

ففي مدينة العين المشهورة بمساجدها وباستخدام نظم الاتصالات المتطورة يبث الأذان الموحد خمس مرات في اليوم من مركز البث الحي في مسجد الشيخة سلامة أو من مركز البث الاحتياطي إلى شبكة أبوظبي الإذاعية التي تستقبل الأذان عادة من كل إمارة ثم تحوله إلى القمر الصناعي (عرب سات) بطريقة فنية دقيقة، ومن ثم يقوم القمر بأداء دوره فينقل الأذان الحي المباشر إلى بقية المساجد المزودة بأجهزة الاستقبال، ولكل منطقة توقيتها الشرعي الخاص.

وتأتي مدينة العين وما جاورها من المدن ضمن خطة الأذان الموحد التي أطلقتها الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، بعد العاصمة أبوظبي حيث انطلق منها الأذان الموحد عام 2004 ثم في يوم 11 مايو 2005 انطلق الأذان الموحد في مدينة العين وضواحيها يدعو لصلاة المغرب من مسجد الشيخة سلامة بنت بطي.

وبهذا السياق صرح لـ(البيان) الدكتور محمد مطر الكعبي ـ مدير عام الهيئة أن فكرة الأذان الموحد انطلقت أصلاً من رؤية شرعية معتبرة في المذاهب الإسلامية الأربعة تقوم على شرط أساسي هو أن يكون الأذان حياً لا تسجيلاً فلا بد من أن يرفع المؤذن الأذان في كل وقت من المسجد الذي يعد حالياً مركز البث الرئيس وبهذا الأذان الحي يتحقق شرعاً إعلان شعيرة الإسلام والإعلام بدخول وقتها وهي الصلاة بحسب ما أفتى بذلك نخبة من العلماء الأعلام.

وبناء على هذه الرؤية الشرعية، وبما تحظى به الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف من اهتمام ودعم متواصل من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، ومن أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ـ نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ومن إخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، ومن الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وخطت الهيئة العديد من الخطوات التطويرية وفق الاستراتيجية التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر، ومن أول الإنجازات كان الأذان الموحد في كل إمارة ومدينة في الدولة، بهدف القضاء على اللكنات والأصوات غير المناسبة لهذه الشعيرة الدينية واختيار الأصوات الندية كما وجه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك ضبط الوقت وعدم التفاوت في رفع الأذان من مسجد إلى مسجد، وخاصة في شهر رمضان المبارك مما لم يعد مقبولاً في دولة تعرف كيف تبني نموذجها الحضاري الدقيق والمتطلع نحو التطور والتميز في كل مرافق الحياة فيها.

 

حل جذري

وأضاف الدكتور الكعبي: من هنا كان لا بد من البحث عن حل جذري ينطلق من رؤية شرعية ويواكب ما تشهده الدولة من نهضة رائدة مباركة، فكان الأذان الموحد الذي تم اختيار أجمل الأصوات له من المؤذنين، فهو أذان حي ومباشر يرفعه عبر الوسيلة التكنولوجية المعاصرة، مؤذن تختاره لجنة شرعية ذو دراية فقهية وفصاحة عربية، وموهبة في جمال الصوت، وضبط دقيق للوقت، أصبح يعكس ارتياح الناس واطمئنانهم وثقتهم بدينهم وعبادتهم وخاصة في شهر رمضان المبارك، والآن قد مر على نجاح الفكرة واستمرارها قرابة سبع سنوات في مدينة العين.

 

مركز البث

وبالانتقال إلى مسجد الشيخة سلامة في وسط مدينة العين الذي يحظى بمكانة خاصة لدى أهالي المدينة باعتباره أكبر وأقدم المساجد الموجودة في مدينة العين حيث يتسع بعد تطويره وتوسعته على مساحة 5900 متر مربع لأكثر من 5 آلاف مصل كان ممتعاً مشاهدة المؤذن مراد محمد علي واقفاً خلف الميكرفون في المحراب ويرفع الأذان بصوته الرخيم داعياً إلى صلاة العشاء، فيصل صوته إلى القمر الصناعي (عربسات) الذي يبثه في نفس اللحظة على مسامع الناس في مدينة العين والمنطقة المجاورة لها.

وكان لنا لقاء قد رتبه له فرع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية في العين مع خمسة من المؤذنين الذين تم اختيارهم لرفع الأذان في الأوقات الخمسة، وكان اللقاء فيه الكثير مما لم نكن نعرف، ومن ذلك مراعاة الأصوات الهادئة لأذان الفجر حيث الناس نيام أو أذان العصر، حيث كثير من الناس كذلك فلصلاة الفجر المؤذن أحمد إبراهيم البلوشي.

وهو من المواطنين الذين استعانت بهم الهيئة وشجعتهم للعمل في هذه المهنة الشريفة ولما سئل عن سبب انضمامه إلى فريق الأذان الموحد، قال: كنت من صغري أحب سماع المؤذنين المجيدين، وكنت أقلدهم، بل صرت أرفع الأذان في مسجد الحي أحياناً، والآن أنا مسرور جداً بأن أرفع الأذان لصلاة الفجر أو لغيره من الأوقات، ولكن لأن الفجر خصوصية، فلا بد من مراعاة التلطف وأداء الأذان بما يحبب الناس بالصلاة.

أما المؤذن علي محمد فقال: إن الاعتدال في الأداء الجميل مطلوب، فلا ينبغي التمطيط ولا المبالغة في التنعيم، والمدة المعتدلة لأداء الأذان الجميل لا تتجاوز الدقائق الثلاث وبعض المؤذنين لديهم موهبة الصوت الجميل.

 

تنسيق

التنسيق المتواصل بين الجهات المعنية بالأذان الموحد في كل من الهيئة العامة للشؤون الإسلامية، ومؤسسة الإمارات للإعلام ومؤسسة اتصالات قد أعطى ثماره وأنجح المشروع وعكس رضا الجمهور من شتى المستويات، فالصوت الجميل، والتنظيم وضبط الوقت، قد أعطى لشعيرة الأذان مكانتها في النفوس.

ولدى سؤالنا مدير فرع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في العين عبدالعزيز الغيثي قال: منذ انطلاقة الأذان الموحد في عام 2005 تزداد قناعة الجمهور عاماً بعد عام بمدى أهمية هذا المشروع، وأثره الرائع في النفوس، ففيه وجدوا دقة التوقيت، وجمال الصوت، وفصاحة الأداء والهيئة العامة للشؤون الإسلامية قد اتخذت كافة الإجراءات والحمايات والاحتياطات الفنية لتلافي أي خلل طارئ، فلدينا مركز بث احتياطي، وعدد من المؤذنين الاحتياطيين، وفوق هذا كله، فالمؤذنون في المساجد جاهزون لرفع الأذان فوراً عند تعذر بث الأذان الموحّد، أو بمجرد تأخر البث دقيقتين عن موعده.

وأكد عدد من المصلين في مدينة العين أن نظام الأذان الموحد منذ تطبيقه في مدينة العين قبل سبع سنوات حقق نجاحاً كبيراً واكتسب ثقة كل أهالي المنطقة الشرقية بفضل دقة المواعيد واعتياد أسماع الجمهور والمصلين على صوت واحد وقال حران سعيد الكتبي: أعطي الأذان الموحد رقم واحد وممتازاً بسبب ضبط الوقت وجمال الصوت الذي هو هبة من عند الله.

أما سعيد المرير عضو مجلس بلدية العين فقال: بعض المؤذنين يستحقون الشكر والتقدير فعلاً لما يبذلوه من جهود مشكورة والحمد لله صرنا نسمع الأذان حتى في العزب، ونشكر حكومتنا الرشيدة على اهتمامها بكل ما من شأنه التطوير خدمة للوطن والمواطن فيما أشار إبراهيم عبد الله إلى أن الأذان الموحد فكرة حضارية وأن فوائده عديدة مثل انتقاء الأصوات الندية وضبط ألفاظ الأذان ضبطاً محكماً وكذلك ضبط الوقت الصحيح وفروق التوقيت لكل مدينة.