الحاج ممدوح اسم على مسمى، كان محبوباً بين التجار والمزارعين وكلما ذكره أحد تطاله كلمات الإطراء والمديح لحسن معاملته ولطفه ولباقته.
كان سعيداً في حياته الزوجية ولديه ابنتان نشأتا في كنفه بعز وكرم إلى أن وصلت الأولى إلى الجامعة، وهنا حار في اختيار البلد المناسب لدراستها، كان يطمح أن يرى ابنته طبيبة، لكن ميولها أدبية وليست علمية، لذا تقول والدتها إن العريس أهم من الشهادة، إلا أن الحاج مصر على تدريسها في إحدى الجامعات الأجنبية، وقد أرسلها فعلاً لتحقق أحلامه، فهو لم يدرس وإنما عمل في التجارة وأبدع فيها وكسب مالاً وفيراً.
كانت ابنته سعيدة جداً، وزادت سعادتها بأن أختها نالت الثانوية العامة وطلبت من والدها الدراسة في الجامعة نفسها لتكونا معاً في الغربة.
لم يتردد الأب في إتاحة الفرصة لابنته الثانية، ومضت في طريقها تتابع الدراسة الجامعية مع أختها.
عند المساء يتصل الحاج بابنتيه ليطمئن وزوجته عليهما، وترتاح الأم كثيراً لسماع صوتيهما وأخبارهما الدراسية وأحوالهما المعيشية.
في الجامعة تعرفت الأخت الأولى على طالب يدرس في الجامعة وهو مغترب عن أهله ومن طبقة ليست غنية، ويعمل ساعات إضافية في أحد المطاعم ليدفع تكاليف المعيشة والدراسة. وبعد أن تعززت العلاقة بينهما قال لها:
ـ لي صديق حميم يرغب في التعرف إلى أختك، فما رأيك؟
ـ إذا كان ظريفاً مثلك لا مانع لدي ويمكن أن نلتقي جميعاً على العشاء غداً.
التقوا على طاولة الطعام وتبادلوا الأحاديث العامة، وسرعان ما أبدى الصديق إعجابه بالأخت الصغرى.
كان الحاج ممدوح يحول الأموال إلى ابنتيه شهرياً كي تعيشا بمستوى عال من الرفاهية، لكن الأختين تصرفان على الشابين دون حساب بعد أن وعداهما بالزواج فور انتهاء الدراسة.
ذهب الأب والأم لحضور حفل تخرج البنت الأولى وكم كانت سعادتهما كبيرة بأن حملت ابنتهما شهادة جامعية، وينتظران تخرج الثانية في العام التالي.
صارحت البنت أمها بأنها تحب شاباً وسيماً، وسردت لها كل المعلومات عنه. وأنه وعدها بالزواج بعد التخرج، كما يوجد شاب آخر ينتظر أختها لتتخرج ويتزوجها أيضاً.
كانت هذه المعلومات مفاجأة كبيرة للأم، ولا تدري كيف تنقل هذه الأخبار إلى الحاج ممدوح! لكن في المساء قالت له كل ما سمعته من ابنتها. وكان رد الحاج:
ـ إذا كان الشابان حسني الأخلاق وسيرتهما حميدة ويعرفان تقوى الله فلا مانع لدي. لكن يجب أن ننتظر لتتخرج ابنتنا الثانية، ولتكن الفرحة فرحتان.
مضى العام الدراسي وتخرجت الثانية وسرعان ما احتفلت العائلة بزفاف ابنتيهما وغمرت السعادة أفراد العائلة.
طوال هذه السنوات كانت البنتان تتحملان تكاليف الحياة والمعيشة وتصرفان على الشابين، وقد تنبه الأب إلى هذا الموضوع متأخراً. وطلب من زوجته أن تخبر الابنتين بقراره وقف دفع تكاليف معيشتهما، وعلى الزوجين تحمل هذه التكاليف.
عندما سمع الشابان قرار الحاج بدأ الشيطان يداعب أفكارهما. ويتساءلان كيف يمكن التخلص من الحاج كي ترث الابنتان أمواله، ويعيشوا بترفٍ كما كانوا.
خططا لقتله بأسلوب الأفلام السينمائية، فقد توجها معاً إلى محله وطلبا منه الذهاب معهما لمشاهدة شقتين يرغبان في اقتنائهما. فرح الحاج لهذه الدعوة وصعد معهما، جلس في الكرسي الأمامي إلى جانب السائق وهو زوج البنت الصغرى، وجلس في الخلف زوج البنت الكبرى.
وما إن خرجا من حدود المدينة حتى أخرج الزوج حبلاً رفيعاً وضعه على رقبة الحاج وبدأ بالشد ليخنقه. لكن الحاج مد يده إلى المقود ليستنجد بزوج ابنته الثانية، ما أدى إلى دوران السيارة في مكانها وقد تزامن ذلك مع مرور شاحنة اصطدمت بالسيارة بقوة أدت إلى وفاة السائق، زوج البنت الصغرى وشلل زوج البنت الكبرى، أما الحاج فقد أصيب بإصابات بليغة لكنه تماثل إلى الشفاء بعد عناية مركزة في أحد المشافي.
رغم كل ذلك تكفل الحاج بنفقات علاج من حاول قتله، وأسقط حقه الشخصي عنه، لأنه أصبح معوقاً وسيمضي حياته مقعداً ولا ينطق.
جلست البنتان أمام والدهما تطلبان المغفرة والسماح منه لما سببا له من ألم بسبب طمع زوجيهما فكان رد الحاج:
ـ الرجلان لقيا عقابهما في الدنيا قبل الآخرة.