هل أصبح المسلمون اليوم بعيدين عن روحانيات شهر رمضان؟.. تساؤل من المنطقي أن يفرض نفسه في ظل اقتصار اهتمام الصائمين على الأطعمة والمشروبات ومتابعة الفضائيات وارتياد المقاهي ليلاً.. الأمر الذي ترتب عليه تفريغ هذا الشهر من مضامينه الروحانية التي تهدف في الأساس إلى التقرب من الله.. انطلاقًا من ذلك، يلقي الشيخ عمر الديب، وكيل الأزهر السابق ورئيس لجنة حوار الأديان بمجمع البحوث الإسلامية، الضوء على بعض السلوكيات السلبية تجاه شهر رمضان الكريم مع بيان كيفية استغلال هذا الشهر بما يحقق أعظم الثواب.. فإلى تفاصيل الحوار.
شهر رمضان فرصة عظيمة للتوبة والتقرب من الله.. في رأيك كيف يمكن للمسلم أن يغتنم هذه الفرصة؟
يغتنم المسلم هذه الفرصة العظيمة من خلال الإكثار من تلاوة القرآن، والصدقة، والبر، وإقامة الليل في هذا الشهر الكريم.. وأن يصر على التوبة النصوح من جميع الذنوب والآثام، وأن يندم على ما فات، ويعزم على ذلك حتى الممات، وأن يحرص على رد الأمانات إلى أهلها، وكذلك المظالم، واستعفاء أصحابها لمن لم يتمكن من ذلك، والاستغفار إن عجز عن ذلك.
وعلى الصائم أن يعتبر هذا الشهر نقطة فاصلة في حياته ليعيد ترتيبها، وفق ما يتوافق مع منهج الإسلام.. ومن الأهمية أن يكثر الصائم من كل ألوان الخير، كل حسب قدرته وإمكاناته، ومن ذلك الحرص على إخراج الزكاة والتصدق على الفقراء والمساكين ودعوة الفقراء خاصة للإفطار، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائمًا فله مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء».
وعن علي «رضي الله عنه» قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفًا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟!. قال: لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام»، وكل هذه الأمور من شأن أدائها تحقيق الهدف الحقيقي من رمضان، وهو التوبة والتقرب إلى الله تعالى.
سلوكيات سلبية
لكن على العكس من ذلك نرى سلوكيات سلبية تصدر عن الكثير من المسلمين لا تتفق مع ما يجب أن يكونوا عليه في هذا الشهر الكريم؟
أعترف أن هناك الكثير من هذه السلوكيات السلبية التي قد تنتهك هذا الشهر، وأهمها البذخ والإكثار من ألوان الطعام والشراب على حساب روحانيات هذا الشهر الذي ميزه الله عن الشهور الأخرى؛ فشهر رمضان هو شهر التقوى لقوله تعالى{..كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، وبالتالي فالتقوى هي الحكمة المبتغاة من الصوم، وعندما يحصر الناس اهتماماتهم خلال رمضان في التسوق بأنواع شتى من المأكل والمشرب، فإن ذلك لا بد أن يأتي على حساب الأهداف الحقيقية.
وماذا عن قيام البعض بتعطيل مصالح الناس في المؤسسات الحكومية بحجة الصوم؟
قلت إن التقوى هي الحكمة الأساسية من الصوم.. والتقوى تقوم على أشياء كثيرة منها النهوض بالواجب والقيام به على خير وجه، أما الارتكان إلى الصوم وتعطيل مصالح الناس فإن هذا أمر غير مقبول، خاصة أنه ثبت علميًا أن الصيام يزيد من مقدرة الإنسان، ويضاعف من قواه، وليس بصحيح أنه يضعف الطاقة الحيوية. بصراحة.. هل أصبح المسلمون الآن بمنأى عن روحانيات الشهر الكريم؟
هذا صحيح إلى حد كبير بعد أن انحصرت حياتهم خلال هذا الشهر في كيفية إضاعة الوقت في نهار رمضان حتى يأتي وقت الإفطار، إضافة إلى السهر أمام شاشات التلفزيون لمشاهدة الأفلام والمسلسلات الرمضانية، ونسيان العبادة، والتكاسل عن أداء الأعمال.. وكل ذلك من شأنه تفويت فرصة الاغتنام من نفحات هذا الشهر في العبادة وقراءة القرآن، وقيام الليل لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «إن في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها».
ولكن هل هذه السلوكيات كانت موجودة من قبل؟
ربما كانت موجودة، ولكنها لم تكن بهذه الدرجة؛ فرمضان في الماضي كان فرصة يدركها الناس لاغتنام ثوابه، وكانت آثاره تلاحظ في سلوك الناس عامة، والشباب تحديدًا، عكس ما هو موجود الآن.
الصوم دون صلاة
يلاحظ أن كثيراً من الناس يثورون لأتفه الأسباب أثناء صيامهم.. ما تعليقك؟
لا أدري ما العلاقة بين الصيام وثورة الإنسان لأي سبب؛ فمن المفترض أن يكون الصيام سببًا لهدوء النفس وسكينتها وليس العكس، والرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول: «الصيام جنة فإن كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم».. وبالتالي فإن من الآداب التي يجب أن يتحلى بها المسلم عمومًا، وفي شهر رمضان تحديدًا حتى يكون الصيام مقبولاً عدم الثورة لأتفه الأسباب.
مفتي الديار المصرية أفتى بأن صوم من لا يصلي صحيح وغير فاسد.. ما رأيك؟
لقد جاء في الأحاديث الشريفة أن الفرق بين المسلم والكافر هو أداء الصلاة، وذهب البعض إلى أن تارك الصلاة يعتبر كافرًا، وذهب الأكثرون إلى أنه عاصٍ لله تعالى إلا في حالة أن يكون مستهينًا بها، وغير معتقد بفرضيتها؛ فإنه يكون كافرًا بالإجماع؛ وما يمكن قوله في علاقة الصوم بالصلاة هو أنه إذا كان الصوم أداء لفريضة فرضها الله فإنه على المسلم أن يقوم بأداء الفرائض الأخرى؛ لأنه لا فرق بين تكليف وآخر؛ خاصة أن أداءه لفريضة لا تعفيه من عدم أداء فريضة أخرى.
وما ذهب إليه المفتي من أن صيام المسلم الذي لا يصلي صحيح وغير فاسد أمر يذهب إليه كثير من العلماء؛ في الوقت الذي يرى فيه علماء آخرون أن ترك الصلاة يعتبر من الكبائر، وارتكاب الكبائر يفسد الصيام، وبالتالي تارك الصلاة صومه غير صحيح وفاسد.
في الشهر الكريم من كل عام تزداد الفتاوى الرمضانية عبر القنوات الفضائية.. ما تعليقك؟
بالطبع هناك فوضى فتاوى تمارس عبر القنوات الفضائية ليس في شهر رمضان فقط، وإنما على مدار العام، والمشكلة أن جزءًا كبيرًا من هذه الفتاوى يؤخذ من أشخاص لا علاقة لهم بالفتوى، وبالتالي فما يقولونه ليس فتاوى بالمعنى المفهوم، وإنما هو مجرد آراء تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ.
في رأيك.. كيف يمكن التصدي لهذه الفوضى؟!
السبيل الوحيد هو تعاون العلماء لبناء ثقافة إسلامية تميز الغث من السمين؛ حتى يعرف المشاهد أو المتلقي أن هناك آراءً شخصية لبعض المتحدثين في هذه القنوات؛ لكن لا يمكن اعتبارها فتاوى شرعية، لأن الفتوى لا تؤخذ إلا ممن هم أهل بها، وهم العلماء والدارسون لقواعد إصدار الفتوى.
أقاويل كثيرة ترددت أخيرًا حول جدوى الحوار بين الأديان في ظل تزايد الهجوم على الإسلام باعتبارك أحد المشاركين في إحدى هذه اللجان.. ما رأيك؟
إيجاد مساحة من التعايش السلمي وإقرار الأمن ونبذ التعصب والعنف من الأهداف الرئيسية للحوار بين الأديان، وهي أهداف قد تتأخر، ولكنها بتعميق الحوار قد تتحقق، خاصة أن الحوار يكون في المساحات المشتركة بين الأديان التي تختص بالحث على الفضيلة، والتخلي عن الرذيلة؛ فضلاً عن بعض الجوانب الإنسانية الأخرى التي تحث على المساواة والرحمة والعدل.. وهذه الأمور من شأنها توضيح صورة الإسلام، وفي الوقت نفسه التقريب بين وجهات النظر في بعض القضايا.