آية عظيمة من الآيات الكونية في البحار والأنهار وهي آية التقاء الأنهار بالبحار وعدم بغي أحدهما على الآخر، ويقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: «وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً»، ويقول تعالى: «مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان».
ويذكر الباحث عبد الدائم الكحيل أن الظاهرة التي حدثنا عنها القرآن أنه على الرغم من تدفق الأنهار العذبة إلى البحار المالحة لا يحدث أي طغيان لهذا على ذاك، أي أن البحر على الرغم من ضخامته لا يمكن أن يطغى على النهر أو يجعل ماءه مالحاً. وهذه الحقائق لم تكن معلومة زمن نزول القرآن، بل استرعت انتباه العلماء في العصر الحديث، بعدما حدث التلوث الكبير في البيئة وفي الأنهار أيضاً، فكانت منطقة المصب هذه هي صمام الأمان لهذه المياه العذبة التي سخرها الله تبارك وتعالى لنا، وفي رحلة بحث لعلماء أميركان عن مصادر للمياه العذبة، قاموا بدراسة التلوث في الأنهار الذي أحدثته مخلفات التكنولوجيا الحديثة، وكانت المنطقة المهمة والحساسة جداً هي منطقة المصب بين النهر والبحر، فقام هؤلاء العلماء بدراسة هذه المنطقة دراسة دقيقة، وخرجوا بعدد من النتائج وربما نذهب إذا علمنا أن الله تبارك وتعالى قد جمع كل هذه النتائج في آية واحدة، وذلك عندما قال: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً).
فالنتيجة التي وصل إليها هؤلاء العلماء: ان هذه المنطقة يحدث فيها تمازج مستمر للماء العذب مع الماء المالح، وهذا يعني أن الله تبارك وتعالى عندما قال (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) أي خلق البحرين (البحر العذب والبحر المالح ).
ووجد العلماء في هذه المنطقة بالذات أي منطقة المصب أن هنالك تمازجاً واختلاطاً مستمراً للماء العذب مع الماء المالح، ووجدوا اختلافات كبيرة في درجات الحرارة وفي نسبة الملوحة وفي كثافة الماء. والشيء الجديد الذي وجده هؤلاء العلماء ولأول مرة: أن طبيعة جريان الماء العذب داخل الماء المالح هو جريان مضطرب وليس مستقراً.
وهنا يعجب الإنسان المؤمن من دقة هذا التصوير الإلهي في أن الله تبارك وتعالى اختار كلمة واحدة ليصف بها العمليات الفيزيائية الدقيقة التي تحدث في هذه المنطقة، ولذلك عندما قال: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) في كلمة مرج قمة الدقة العلمية.
فعندما درس العلماء البحار وجدوا أن الأنهار ليست هي المصدر الوحيد للمياه العذبة فهنالك في قاع المحيطات وتحت قاع المحيطات خزانات ضخمة للمياه العذبة تتدفق باستمرار من قاع المحيطات، وهذه الخزانات الضخمة يبلغ حجمها أضعاف ما يضخه النهر في البحر، كما أن كل نبع في قاع المحيط يضخ كميات من المياه العذبة أضعاف ما يضخه ذلك النهر.
