العلاج بالقرآن أو ما يسميه البعض العلاج النبوي أو الرقية الشرعية أمر معترف به شرعًا، ويلجأ إليه البعض في مجتمعاتنا الإسلامية، استنادًا إلى ما ورد في الآية الكريمة: }وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا{، إلى جانب أن هذا النوع من العلاج يعد من الأشياء الطيبة التي حث عليها النبي، وكان يمارسها مع بعض المرضى الذين عجز الأطباء عن علاجهم، الأمر الذي دفع البعض للاستمرار في المطالبة بتدريس الرقية الشرعية وضوابطها ضمن مناهج التعليم، أو إقامة معاهد متخصصة يكون هدفها تخريج المعالجين بالقرآن..
وأمام هذه الأصوات المنادية بالعلاج النبوي تتعالى أصوات أخرى لفقهاء وأطباء تشكك في نوايا المعالجين بالقرآن أو المتربحين به.. محذرين من تحويل القرآن إلى وسيلة علاجية ووضعه في مقارنة مع المنهج العلمي التجريبي الذي يقوم على الشك.
واستند هذا الفريق في رأيه إلى أن هناك فرقًا كبيرًا بين الرقية الشرعية وعلوم الطب على اعتبار أن الطب تجارب علمية ونظريات طبية تخضع لتجارب المعامل.. بينما الرقية الشرعية مجرد أدعية يطلب بها العبد الشفاء.. تفاصيل أكثر حول هذا الجدل في السطور المقبلة.
الدكتور أبوسريع عبدالهادي ـ أستاذ الفقه الإسلامي يرى أن الرقية الشرعية أمر قائم في مجتمعاتنا وتم تجريبه كثيرًا وتسبب بمشيئة الله في شفاء أمراض عديدة؛ لاسيما منها الأمراض النفسية التي عجز الطب البشري عن علاجها؛ لذلك فإن تدريس الرقية الشرعية أمر مستحب ومقبول شرعًا.
أضاف أن الرسول كان إذا وجد مريضًا لا علاج له على يد الأطباء كان يرقيه قائلاً: «باسم الله أرقيك الله يشفيك من كل داء فيك»، ويرى البعض أن هذه الرقية تقال مرة واحدة، ولكن الصحيح وهو ما ورد عن النبي أنها تقال 3 مرات.. مؤكدًا أن الرقية في كل الأحوال سواء درست في كليات الطب، أم لم تدرس فهي خير، وكذلك إذا قرأ البعض آيات الشفاء فإنها نافعة بإذن الله تعالى، لكن بشرط أن يكون القارئ شخصًا تقيًا وطاهرًا. ومن آيات الشفاء التي من الممكن قراءتها قوله سبحانه وتعالى{وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة}، وقوله {ويشفي صدور قوم مؤمنين}، وهنا يؤكد أستاذ الفقه الإسلامي أن هذه الآيات كان يقرأها أناس صالحون.
وروي أيضًا أن بعضا من الصحابة ذهبوا لحي من أحياء العرب فطلبوا الضيافة فرفض أهالي الحي أن يضيفوهم، وبينما كان الصحابة يهمون بمغادرة الحي أُصيب رئيس الحي بمرض قيل إنه كان «لدغة عقرب»، وحاول أهالي الحي علاجه، ولكنهم فشلوا؛ فقالوا للصحابة هل فيكم من راقٍ؟، قالوا «نعم»، لكن على «جعل» يعني أجره؛ فوافقوا على ذلك فجاء أحد الصحابة وقرأ على مكان «اللديغ» سورة الفاتحة فشفي بإذن الله.
أشار عبدالهادي إلى أن المطالبة بتدريس الرقية الشرعية أمر طيب، ويستحق الإشادة والتقدير، ونحن لا نقول شيئًا من عند أنفسنا؛ فأحاديث الرقية الشرعية ثابتة في صحيح البخاري ومسلم، وهو شيء عمل به معظم المسلمين وكذلك الفقهاء.
وعن اتهام البعض للمعالجين بالرقية الشرعية على أنهم دراويش أو متاجرين بالقرآن، قال أستاذ الفقه الإسلامي: إن هذا كلام لا أساس له من الصحة؛ لأن الرقية الشرعية جاءت في أحاديث صحيحة، وحث النبي عليها، لكن هذا لا يمنع أن نستعين بالطب أولاً، وإذا فشل من الممكن أن نلجأ للرقية الشرعية.
يختلف مع الرأي السابق الدكتور أحمد السايح ـ أستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلامية، مؤكدًا أن الرقية الشرعية التي ذكرت في بعض الروايات والأحاديث الواردة عن النبي لا صلة لها بالطب؛ لأنها مجرد قراءة لبعض الآيات والأدعية والقراءة نظرية من النظريات، أما الطب فهو تجارب علمية عملية فيقوم على الشك والاختبار والتعديل، وبالتالي فلا يوجد بينهما أي اتصال.
ويواصل السايح كلامه قائلا: قد يقول البعض إن الرقية الشرعية تعالج من الناحية النفسية، ومن الممكن كذلك أن يقول آخرون إن للرقية علاقة بعلم النفس وعلم الغيب، وهذا كلام غير صحيح لأن علم الغيب لا صلة لنا به، ويعلمه الله سبحانه وتعالى، ومن هنا فلابد من الإيمان بتفويض الأمر في الرقية الشرعية إلى الله وإلى علم الغيب، وهذا مخالف للطب الذي يعتمد فيه الأطباء على العلم الحديث والتجارب المعملية، وما يعرف بقانون الأسباب والمسببات، وهي كلها نظريات تجريبية بحثية تقوم على النتائج التي نستخلصها من الأبحاث العلمية، ومن ثم فأنا أقول إنه يبدو للباحث أن هناك فرقًا كبيرًا بين الرقية الشرعية ـ التي هي أمر جائز ومطلوب ـ وبين علوم الطب، ومن ثم فلا يمكن أن تدرس الرقية الشرعية جنبًا إلى جانب مع ما يدرس في كليات الطب.
وما بين المؤيدين والمعارضين لتدريس الرقية الشرعية في مناهج التعليم، يبدي أستاذ الأديان بجامعة الأزهر الدكتور مصطفى مراد موافقته على تدريس الرقية الشرعية والعلاج بالقرآن في كليات الطب، خاصة في قسم الأمراض العصبية والنفسية، وقال: إن الرقية الشرعية وردت فيها أحاديث صحيحة ومتواترة، وعمل بها الناس منذ عهد النبي حتى عصرنا هذا، وقال إن تدريسها أمر مطلوب، ولا يقل أهمية عن تدريس علوم الطب.
وأكد مراد أن النبي طلب من المسلمين طلب العلاج بقوله «تداووا» أي اطلبوا العلاج، وطلب العلاج يأتي طريقه سواء بالذهاب إلى الأطباء البشريين أم الرقية الشرعية؛ لكن في الوقت ذاته يجب التفرقة بينها وبين ممارسات الدجل والشعوذة التي يقوم بها بعض المتربحين أو المدعين.
أما الدكتور منيع عبدالحليم محمود ـ عميد كلية أصول الدين السابق؛ فيقول: «إن الرقية الشرعية لا تحتاج للتدريس، وهي مجرد كلام مكتوب في الكتب، ولا يحتاج منا أن نخصص له مناهج لتدريسه».
أضاف: «إن الإسلام بجانب العلاج الطبي الذي يهتم به اهتمامًا كبيرًا يهتم كذلك بالجانب الروحي؛ بحيث يكون الدعاء إلى الله أثناء إجراء عملية جراحية للمريض سواء عن طريق الرقية الشرعية أم عن طريق غيرها دعاءً متواترًا وواردًا عن النبي ، وهذا لا يمنع من علاج المريض من الناحية المادية، فالعلم الإسلامي يشتمل على وجود النوعين معًا الطب البشري والرقية الشرعية، وأي دعاء لا يمنعه الشرع، ويدخل ضمن الاسم العام للرقية الشرعية».