عندما كان يأتي إلي البنك لإيداع شيك أو صرف آخر كان الجميع يحاول مساعدته، فهو شاب وسيم لم يتجاوز عمره ال(28) عاماً لكنه تعرض لحادثة أدت إلى إصابته بالعمى، كان الشاب الأنيق لا يخجل من قول ذلك لموظفي البنك وكان يقول أيضاً إنما أقول ذلك لكم باستمرار حتى لا يعرف قصتي الجميع ولا يحاول أحد الإسراع في أثناء قيادته لسيارته، فالسرعة هي سبب لكل المآسي التي يعاني منها الشباب الذين يرقدون في المستشفيات وفي دور العجزة والذين أصبحوا من أصحاب العاهات المستديمة.
العصا الكهربائية
كان الشاب يحمل معه عصاً كهربائية، حيث كان يخرج منها ضوء في الليل والنهار لينبه سائقي السيارات إلى أن الشخص الذي أمامهم أعمى.
كان الشاب يتمتع بروح رياضية، فرغم إصابته التي أدت إلى ما هو عليه من عمى إلاّ أنه كان يحاول جاهداً التغلب على إعاقته وبروحه المرحة استطاع الشاب أن يدخل قلوب معظم العاملين في البنك، حتى ان الساعي الذي يعمل في البنك أصبح يذهب لتحضير القهوة للشاب بمجرد أن يسمع صوت عصاه على أرض البنك، فقد كانت عصاه مصنوعة من الأسفل من الحديد حتى يخرج منها صوت ينبه الناس إلى صاحبها ولحالته.
وعلى ما يبدو فإن زياراته المتكررة للبنك جعلته يحب احدى الفتيات اللواتي يتعامل معهن الشاب مباشرة، فرغم أنه لم ير وجهها كونه أعمى إلاّ أنه أحبها من صوتها ولحسن معاملتها له.
في البداية ظن الشاب أن الفتاة تعطف عليه لكنه شعر بسعادة غامرة عندما أخبرته بأنها هي الأخرى تحبه وأنها على استعداد للزواج منه إن هو تقدم لطلب يدها.
كان الشاب يمتلك شركة لاستيراد المواد الغذائية، لذا كانت حالته المالية جيدة، كما أنه وسيم الوجه جميل الشكل والطول، لذا وجدت الموظفة في البنك بأن مسألة الإعاقة التي يعاني منها يمكن تجاوزها، خاصة وأن تلك الإعاقة لم توقفه مكتوف اليدين وعالة على أسرته، إنه مستمر في إدارة شركته بكل اقتدار.
تمكنت الموظفة أيضاً من معرفة حسابه في البنك فوجدت أنه في بعض الأيام يكون مديناً وفي أحيان أخرى يكون لديه رصيد جيد، وبالطبع فإن هذه هي حالة التجارة والتجار.
في أحد الأيام تقدم لطلب قرض ورغم أن المبلغ كان كبيراً إلا أن البنك وافق على ذلك حيث كانت الموظفة في البنك هي الضمان لرد المبلغ، وفعلاً في الوقت المحدد كان الشاب يأتي ويسدد قسط البنك حتى سدد القرض كله.
هذا التصرف جعل الموظفة تشعر بأنه إنسان طيب وأنه لا بأس من الزواج منه، خاصة بعد أن قام الشاب بخطوة إيجابية وتقدم لأهل الفتاة وطلب يدها.
إلا أن الطلب ووجه بالرفض، حيث إن والد الفتاة رفض الفكرة جملة وتفصيلاً، مما ترك آثاراً سيئة في نفسية الشاب، لكنه استمر في الحضور إلى البنك والتعامل مع موظفة البنك على أنها خطيبته.
أصبح تردد الشاب على البنك واضحاً لكن الجميع كانوا يعرفون أن سبب ذلك هو حبه للموظفة، إضافة إلى أنه من زبائن البنك المعروفين، لذا فإن حضوره للبنك بشكل مستمر لم يترك أي إزعاج على الموظفين، خاصة وأنه ذهب إلى مدير البنك في أحد الأيام كي يتوسط له عند والد الفتاة لعله يوافق على زواجه منها، وقد وعده مدير البنك بذلك، فقد كان الجميع متعاطفاً مع قصة الحب التي نشأت بين الموظفة والشاب الأعمى، لكن أحداً لم يكن قادراً على إقناع والد الفتاة بتغيير موقفه رغم أن الشاب قال له بأنه مستعد أن يدفع المهر الذي يطلبه.
انقطاع الشاب عن البنك
فجأة بدأ الشاب لا يأتي إلى البنك إلا على فترات بعيدة حتى ان غيابه المفاجئ ترك أثراً حزيناً لدى الموظفين، فقد شعروا بأن سبب انقطاعه عن البنك حو إحساسه بالإحباط لعدم قدرته على الزواج من الفتاة التي أحبها، لذا عندما كان يأتي في بعض الأحيان كان الكل يطالبه بالحضور للاستمتاع بأحاديثه، لكن من المواضح أن الشاب بدأ يتغير ويتعامل مع الموظفين بطريقة رسمية، مما استدعى أحدهم لإقناعه بأن يعيش حياته كما كانت في السابق، فالزواج قسمة ونصيب.
في أحد الأيام بينما كان الشاب يجلس في البنك ينتظر إنهاء معاملته حضر بعض الأشخاص من إحدى الشركات لإجراء صيانة دورية للأجهزة الأمنية للبنك، إلا أنه حدث أمر لم يكن متوقعاً ففي أثناء إجراء الصيانة تعطلت عصا الشاب الأعمى عن العمل، مما أثار ضيق الشاب وغضبه.
وهنا تقدم منه أحد الأشخاص الذين يقومون بالصيانة وأخذ العصا وأخبره بأنه سيعيدها إليه بعد إصلاح الأجهزة الكهربائية التي بداخلها.
بعد نحو (15) دقيقة عاد الشخص إلى الشاب الأعمى وأعطاه العصا واعتذر منه قائلاً بأن الذبذبات التي تصدر عن جهاز الإنذار في البنك أقوى من الذبذبات التي في العصا، ولهذا توقفت العصا عن العمل لكن بعد إجراء بعض الصيانة عليها عادت تعمل من جديد.
انتهى الموقف بالاعتذار من الشاب الأعمى وخروجه من البنك، فيما بقيت فرقة الصيانة تقوم بواجبها.
بعد نحو خمسة أيام جاء الشاب إلى البنك وذهب إلى المدير يطلب منه أن يحاول مع والدة الموظفة بالموافقة على الزواج فلعله يتمكن من ذلك.
بينما كان الشاب يتحدث مع مدير البنك حدث أن دخل ثلاثة من الملثمين وهم يبلسون قفازات في أيديهم حيث أشهروا مسدساً وسكاكين وطلبوا من الموظفين أن يركعوا على الأرض إن أرادوا أن ينجوا بأنفسهم.
قال الرجال الثلاثة بأنهم لا يريدون أن يؤذوا أحدا وأنهم يريدون المال الذي في خزنة البنك، وبعد ذلك سينسحبون بهدوء تقدم أحدهم من مدير البنك فيما كان الآخران يوجهان المسدس والسكاكين إلى الموظفين، وطلب منه أن يذهب معه إلى خزنة البنك ليأخذ المال. فما كان من الشاب الأعمى إلا أن وجه عصاه باتجاه السارق وضربه بها، وهنا أخذ السارق العصا محاولاً تكسيرها فيما ضرب الشاب الأعمى بقبضة يده مما تسبب في وقوعه على الأرض.
عندما حاول بعض الموظفين الذهاب للشاب الأعمى كي يساعدوه كان المسدس قد صوب إلى رؤوسهم، حاول مدير البنك أن يتلكأ في الذهاب إلى خزنة البنك لكنه تلقى ضربة بسكين جعلت ذراعه ينزف بشدة.
لم يجد مدير البنك بداً من ذلك حيث ذهب مع السارق وفتح له الخزنة حيث أخذ منها ما تمكن من ملء حقيبة كبيرة.
ترك اللصوص البنك بعد أن حجزوا الموظفين، وبعد أن وضعوا على باب البنك ملاحظة تقول «نأسف لزبائننا الكرام فالبنك مغلق لمدة ساعة بسبب صيانة الأجهزة الأمنية».
بعد أن أحس موظفو البنك بالأمان تم الاتصال بالأجهزة الأمنية التي حضرت على الفور، لكن المفاجأة أن الأجهزة الأمنية وجدت أن الكاميرات المثبتة في البنك تم تعطيلها وكذلك الحال بالنسبة لأجهزة الإنذار، فقد كان اللصوص على ما يبدو يحملون أجهزة لتعطيل أجهزة الإنذار لكن كيف تم تعطيل الكاميرات هذا هو السؤال.
بالطبع لم يترك اللصوص أية علامة تدل على أثرهم فالكاميرات لم تكن تعمل حتى يتم الرجوع إلى الفيلم بداخلها وكذلك أجهزة الإنذار كما انهم لم يتركوا أية بصمات.
عندما رجع مدير البنك إلى مكتبه وجد الدم ينزف من أنف الشاب الأعمى، وعندما حاول طلب سيارة إسعاف له قال له بأنه سيكون بخير ولكنه يريد عصاته.
بحث مدير البنك عن العصا فوجدها قد تكسرت فعلى ما يبدو عندما قام الشاب الأعمى بضرب اللص قام اللص بضربه وتكسير عصاته حزن الشاب حزناً شديداً على عصاته ولأول مرة يراه موظفو البنك حزيناً بعد أن كانت الضحكة والفكاهة لا تفارقه، لكن مدير البنك هون عليه ذلك وقال إن البنك سيتكفل بإصلاح العصا أو شراء واحدة جديدة له.
بدأ الكل يحاول أن يستفيق من هذا الكابوس المرعب الذي مرب به في الوقت الذي أخذت فيه الأجهزة الأمنية على عاتقها البحث عن المال المسروق.
مرت أكثر من ثلاثة شهور دون أن تتمكن الأجهزة الأمنية من الوصول إلى الجناة، وبدأ الموظفون ينسون تلك الذكرى السيئة، حتى الشاب الأعمى بدأت زياراته للبنك قليلة كما أخبر مدير البنك عزوفه عن تلك الفتاة فلم يعد يحبها بسبب رفض أهلها له.
رغم تكثيف الحملات الأمنية لم تتمكن الأجهزة المختصة من الوصول إلى المال المسروق، لكن الأمل كان لا يزال موجوداً.
العثور على المال
في أحد الأيام بينما كان أحد الشباب يجلس في مطعم تقدم منه رجل أمن بثياب مدنية وطلب منه أن يأتي معه للاشتباه في أنه أحد الثلاثة الذين دخلوا إلى البنك وسرقوه، إلا أن الشاب أنكر أن له أية علاقة بالأمر، حيث أثبت بأنه في تلك الفترة كان خارج البلاد.
إلا أن الضابط طلب منه أن يخبره من أين حصل على قطعة النقود التي أعطاها لموظف المطعم، فقال الشاب إن صديقاً له أعطاه مبلغاً من المال على سبيل الدين لأنه يمر بظروف مالية صعبة.
طلب الضابط من الشاب أن يتصل بصديقه دون أن يخبره عن أي شيء وفعلاً اتصل الشاب بصديقه حيث أخبره أنه في البيت، ذهب الشاب ورجال الأمن إلى البيت الذي فيه الصديق حيث وجدوا مجموعة من الشباب يشربون الكحول ويلعبون الورق، قام رجال الأمن باعتقال المجموعة واحضارهم إلى غرفة التحقيق، حيث وجهت إليهم سرقة البنك، لكن الجميع انكر ذلك.
في الوقت الذي كان فيه ضابط التحقيق يحقق مع المجموعة كان بعض رجال الأمن يقومون بتفتيش البيت، حيث عثرت الكلاب البوليسية على حفرة كبيرة مخبأ فيها المال تبين فيما بعد بانها الأموال التي سُرقت من البنك.
تمت مواجهة المجموعة بالسرقة واتهمهم الضابط بالاعتداء على موظفين في أثناء الدوام الرسمي وحمل أسلحة وسرقة البنك ومحاولة قتل مدير البنك.
حاول البعض منهم الإنكار لكن ذلك لم يجد نفعاً فقد كانت بصماتهم موجودة على النقود، إضافة إلى ذلك فقد عجزوا أن يجدوا سبباً لإخفاء هذا المبلغ الكبير في حفرة تحت الأرض كما عجزوا عن إثبات من أين لهم المبلغ إن لم يكن مسروقاً.
هنا تطوع أحدهم بالحديث والاعتراف مقابل تخفيف الحكم عليه وفعلاً حصل على ذلك حيث قال نحن مجموعة من الشباب الضائعين فالكثير منا لا يعمل لأنه لا يوجد لدينا فرصة للعمل، ومن يعمل منا فإنه يعمل بمرتب لا يكفيه سجائر لذا قررنا أن نسرق أحد البنوك فان تمكنا من ذلك كان به وإلاً فنحن لن نخسر شيئاً لأنه ليس لدينا ما نخسره.
وأضاف تطوع «ر» ان يقوم بدور رجل أعمى حتى عرف مداخل البنك ومخارجه والطريق إلى الطابق السفلي حيث الخزنة، وكان يضع في العصا التي يحملها أجهزة لتعطيل أجهزة الإنذار، ولكن كان من الضروري ربط الأجهزة التي في العصا بأجهزة الإنذار التي في البنك، لذا جاء فريق الصيانة وهو في الحقيقة من الشركة التابعة للصيانة فعلاً لكنه كان على اتفاق مع الشاب الأعمى ان يأخذ الفريق نصيبه من السرقة بعد انتهاء العملية، لذا قام فريق الصيانة بتثبيت ذبذبات جهاز الإنذار الذي في البنك والجهاز المربوط بالكاميرات مع الجهاز الموجود في عصا الشاب الأعمى.
وفي الوقت المحدد دخل الشاب الأعمى إلى مكتب مدير البنك وعندما دخل أحد اللصوص إلى مكتب المدير قام الشاب الأعمى بضربه حيث قام اللص بضرب الشاب الأعمى وأخذ عصاته، وتوجيهها نحو أجهزة الإنذار التي في البنك وبعد أن تم ذلك، قام اللص بكسر العصا وأخذ الجهاز منها حتى لا يقع في يد الشرطة.
قال الضابط إذاً فالشاب الأعمى ليس أعمى بالفعل، فرد الرجل نعم ليس أعمى وإنما ادعى ذلك حتى يدخل البنك بالعصا ويتمكن من دراسة البنك قبل عملية السطو عليه وكان يقوم بأخذ بعض الأموال من هنا وهناك لإيداعها في البنك ليثبت لموظفي البنك بانه زبون مهم، وعندما أخذ القرض أعاده إلى البنك لأنه يعرف بانه مقابل ذلك سيأخذ الخزنة كلها.
في أثناء التحقيق مع المجموعة اعترفوا بما نسب إليهم حيث تم إحالتهم جميعاً إلى المحكمة.
أما كيف عرف رجال الأمن باللصوص فقد قام مدير البنك عندما فتح الخزنة بالضغط على زر خارج الخزنة وعند الضغط على الزر انفتح جهاز داخل الخزنة على مادة الـ «celieleems» حيث انتشرت هذه المادة على جميع القطع النقدية الورقية التي كانت في الخزنة.
ولهذا انتشر رجال الأمن في المطاعم والمحلات التجارية، فما تكاد تصل ورقة نقدية كبيرة إلى أحد المحلات التجارية أو المطاعم حتى يتم وضعها في جهاز لمعرفة ان كانت تحتوي على مادة الـ «celieleems» أم لا.
وهكذا استمرت مطاردة النقود حتى وقعت إحداها من خلال الرجل الذي كان في المطعم، والتي كانت سبباً في سقوط العصابة التي كان يقودها الشاب الأعمى.
أحمد سلطان