في كل عام تثار القضية ويقع الخلاف حولها ما بين مؤيد لها ورافض لمجرد مناقشتها على اعتبار أنها قضية محسومة ومنتهية لا تحتمل الجدل، هي قضية ظهور الصحابة على شاشة التلفزيون من خلال بعض المسلسلات التاريخية والدينية التي يتناول اغلبها السيرة الذاتية لبعض كبار الصحابة رضوان الله عليهم، كما تتناول مواقف وتضحيات الصحابة والرسل.
الاختلاف حول هذه الأعمال يكمن فيما يراه البعض بأن هناك شخصيات من الصحابة يمكن تجسيد شخصياتهم من خلال ممثلين بينما يرى رجال الدين أن كل أصحاب رسول الله ممنوع ظهورهم والأمر تحكمه ضوابط.
وفي العام قبل الماضي احتدم الجدل والخلاف بين علماء الأزهر ومشايخه حول عرض المسلسل السوري «خالد بن الوليد» مما أثار حفيظة مشايخ الأزهر للمطالبة بوقف عرض المسلسل متهمين القائمين عليه بالخروج عن تعاليم الشريعة الإسلامية.
وفي رمضان هذا العام تسبب عرض مسلسل «قمر بني هاشم» الذي يعرض على عدد كبير من القنوات الفضائية في إحداث خلاف حاد بين علماء الدين نظرا لتناوله سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منذ مولده وحتى وفاته وواجه المسلسل جدلاً عنيفا منذ أن أعلن منتجه بداية تصويره نظرا لظهور شخصيات من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمن أحداث المسلسل حيث تظهر السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق التي يؤدي دورها في المسلسل ممثلة قدمت العديد من أدوار الإغراء.
ووسط هذا الجدل كان لرجال الدين رأي واضح في الأمر، حيث اعتبر البعض منهم ظهور الصحابة في الأعمال الدرامية تطاولا وعملا يتنافى مع تعاليم الرسول الكريم، بينما يرى البعض الآخر بأنه ليس هناك اعتراض، ويمكن ظهورهم في الأعمال الدرامية طالما كان هناك التزام بالضوابط والمعايير لظهور الشخصية.
الشيخ علي عبد الباقي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أعلى سلطة دينية بالأزهر كان على رأس الرافضين لظهور شخصيات الصحابة سواء في المسلسلات الرمضانية أم في الأفلام السينمائية أم المسرحيات.
وقال: إن مجمع البحوث الإسلامية أصدر فتوى شرعية ملزمة عام 1950 رفض فيها تشخيص شخصيات الأنبياء أو العشرة المبشرين بالجنة أو أي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مضيفا أن شيخ الأزهر الراحل الدكتور علي جاد الحق علي أيد هذه الفتوى وأصر على الموقف الرافض لظهور أي من شخصيات الصحابة على شاشة التليفزيون.
وأوضح عبد الباقي أن أي عمل يتعرض لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ويتناول سيرة صحابته من غير اللائق أن يظهر فيه ممثلون يقومون بأداء دور أحد من الصحابة لأن هذا تطاول وعمل مرفوض يتنافى مع تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوصى بأصحابه خيرا حين قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، من هنا فلا يمكن اعتبار ظهورهم رضوان الله عليهم نوعا من حرية الإبداع والفكر.
وإنما هذا الأمر جرأة وتطاول على أناس بذلوا ما يملكون من مال وحياة لنصرة الإسلام ولم يتوانوا ولو لحظة في تقديم أرواحهم فداء لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه ضد أي معتد، ولا ينبغي أن يكون رد الجميل لهم بأن يقوم بتجسيد شخصياتهم ممثلون يؤدون أدوارا أخرى في مواقف مخلة كأن يكون الممثل قد أدى دور تاجر مخدرات أو صاحب كباريه أو غيرها من الأدوار المخلة ثم نراه بعد ذلك يؤدي دور حمزة بن عبد المطلب أو خالد بن الوليد أو غيرهما من الصحابة.
أما د. عبد المعطي بيومي - أستاذ التفسير وعميد كلية أصول الدين السابق فقال: إنه من الجائز أن يظهر الصحابة في بعض المسلسلات والأفلام الدينية لكن هذا الأمر له ضوابط وشروط ولا يصح أن يكون في المطلق بحيث يفعل ذلك من شاء وفي أي وقت شاء، ومن أهم هذه الشروط أن تضع جهة الإنتاج في اعتبارها أن الأنبياء والمرسلين جميعا خط أحمر لا يجوز الاقتراب أو تجسيد شخصياتهم سواء الجسد أم بالصوت، لأن الأنبياء مقدسون.
ولهم مكانة عظيمة في عقل ووجدان أي إنسان بخلاف صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فهم بشر لهم كل صفات البشرية من خطأ وصواب ولا يوجد مانع شرعي أو نص واضح يحظر ظهورهم إلا أن هذا الظهور ينبغي أن يتوافر له كل ما يليق بمكانة الصحابة ودورهم العظيم في نصرة الإسلام، وفي ذلك استفادة من الإمكانات التكنولوجية الحديثة في ترسيخ صور ذهنية ومرئية عن الدور البطولي الذي قدمه هؤلاء لخدمة الإسلام، ونشر الدعوة الإسلامية.
أضاف بيومي إن من أهم الشروط التي يجب وضعها في الاعتبار عند تمثيل شخصيات الصحابة أن يكون الممثل الذي يؤدي دورهم ممثلاً مبتدئا وألا يكون قد سبق له أداء أدوار خارجة أو خليعة لا تتناسب مع قيمة وقامة الصحابي الذي يجسد شخصيته ومن الأفضل ألا يؤدي أدوارا أخرى بعد هذا الدور أو أن يتخصص في تقديم الأدوار الدينية فقط.
أما د. أبو سريع عبد الهادي - أستاذ الشريعة الإسلامية فيقول: إن ظهور الصحابة في المسلسلات الدرامية سوء أدب من منتجي هذه المسلسلات الذين يستغلون الصحابة رضوان الله عليهم كسلعة يحصلون منها على الأموال مستغلين الهجوم الذي يتعرضون له ما يجعل الناس تبحث عن مسلسلاتهم لمشاهدتها ومعرفة سبب الجدل حولها.
وأضاف إن الصحابة رضوان الله عليهم لهم مكانة عظيمة في تاريخ الدين الإسلامي، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم»، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر فضلهم فعلينا أن نلتزم بالهدي النبوي في كل معاملاتنا مع هؤلاء الصحابة من حيث الاقتداء بآثارهم والسير على منهجهم لا أن نجعل بعض الممثلين الذين يظهرون في أدوار مشينة يقومون بتجسيد شخصياتهم.
وأوضح عبدالهادي أن ما يحدث في المسلسلات تشويه للتاريخ الإسلامي وإساءة بالغة لمكانة ودور الصحابة رضوان الله عليهم ويجعل الناس يفقدون القدوة والمثل الأعلى الذي كانوا يرونه فيهم.
بينما ترى د.ناهد عبد المجيد - أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم أنه لا مانع من ظهور الصحابة في مسلسلات رمضان الدينية والتاريخية طالما كان هناك التزام بمجموعة من الضوابط والمعايير لظهور هذه الشخصيات حتى يمكن الاستفادة من الانتشار السريع للفضائيات في الرد على الإساءات التي توجه للصحابة وتحاول تشويه دورهم التاريخي.
