مريم من مواليد 1964، عاشت وتربت في بادية العين في بيت متواضع لأسرة دخلها الرئيسي من عوائد تربية الإبل. يومها يبدأ في الصباح الباكر لمساعدة أمها في البيت والعناية بإخوتها الثلاثة، وقت فراغها تقضية على «الكرخانة» آلة الخياطة اليدوية القديمة.

طموحها أن تتعلم القراءة، ولكن لم يسعفها الزمن إلا بتعلم بعض سور القرآن الكريم القصيرة والتي كانت تقيم بها صلواتها، تعلمتها من أخيها الذي يصغرها عندما كان يتردد على مطوع القرية، أحبت مريم القرآن وكان أكبر طموحها في الحياة الاستزادة منه وتعلم القراءة، ولكن الحياة بكثرة مسؤولياتها لم تتح لها الفرصة.

فتتزاحم الأيام وتمر السنين وتقترب مريم من سن البلوغ، البلوغ الذي يعتبر في زماننا هذا طفولة، لتجد نفسها أمام واقع جديد يحملها لتكون ربة بيت وأمومة ومسؤولية أكبر تضيق الخناق على طموح مريم من جديد. فينسيها تسارع الأحداث وضغوط الحياة حلم القراءة والقرآن. لتجد الأمل الجديد في أبنائها السبعة.

سنوات قليلة تغير مجرى الحياة في الإمارات فتنشأ المدارس والجامعات والمراكز الصحية.. وغيرها من مظاهر الحضارة. لتدخل مريم مع أسرتها في زوبعة الحياة العصرية، فتغيرت الاهتمامات والأولويات، وأصبحت حياتها ما بين مشكلات أحمد وعبدالله، وطلبات شيخة ونوف وفاطمة، وصراخ سعيد ومصبح.

شغلتها الزيارات الاجتماعية والأوضاع الأسرية، وظلت تتردد ما بين أسرتها وما بين المستشفيات لتعالج أمراض الزمن من سكري وضغط وأوجاع مزمنة في الأعصاب.

يدخل الأبناء الجامعات، يعمل كل من أحمد وعبدالله، تتزوج شيخة وفاطمة، وتظل نوف البنت الصغرى التي أعلنت مع تخرجها من الثانوية العامة ودخولها الجامعة عن حياة جديدة تصادف أمها.

مريم التي لم تتوقع أن تمر بهذه اللحظة بعد 35 عاماً. كبر أبناؤها ومات زوجها وتلتحق نوف بالجامعة بعد أن كانت تشكل محور حياتها. زمن غريب وحياة جديدة صادرت معها هموم الماضي، وفتحت لها نمطاً ملأه الهدوء والسكينة يجب أن تتأقلم معه مريم من جديد.

لتبدأ ساعات الفراغ تعيد لمريم ذكريات الماضي وحلم الطفولة الذي اندفن مع الأحداث. فتقول في نفسها هل »هل يعقل أن تكون هذه فرصتي«. لا.. لا.. كيف وأنا في الأربعين من عمري ولا أجيد القراءة، وصحتي لا تسعفني على ذلك.

ليتردد على مسمعها بعد أيام افتتاح مركز تحفيظ القرآن في منطقة مجاورة من بيتها. فانعش هذا الخبر حياتها من جديد لتبدأ رحلة جمع جاراتها المتقاعدات من الحياة، لتعرض عليهم خوض تجربة جديدة كانت تشكل حلمها منذ الطفولة. لترد عليها إحدى صديقاتها بقول: بعد ما شاب ودوه الكتاب.

ولكنا أصرت أن تدخل المركز، حتى ولو بمفردها. فكانت دافعها وراء دخول جاراتها الأربع للمركز، وبدأت المنافسة بين مريم وجاراتها من جهة وبينها وبين ابنتها نوف التي التحقت بالجامعة في نفس السنة. فبعد أربع سنوات تدخل نوف المنزل وبسعادة غامرة، تبحث عن أمها لتخبرها بإنهاء آخر يوم جامعي لها، لتجد أمها في الغرفة صامتة والدموع تملأ وجنتيها التي أذبلها العمر، فما بال مريم.

ظلت مريم غارقة في صمتها ما يقارب 3 ساعات، وتجمع نوف أبناء مريم جميعاً خوفاً على أمها التي لم تعلن عن سبب دخولها كومة الصمت. لتأتي الجارة خديجة وتكشف السر لأبنائها. خديجة تقول: حبايبي لا تخافوا فمريم أعلنت اليوم بتسميعها آخر سورة في المصحف وختم القرآن الكريم.

فبمجرد ما سمعت نوف الخبر ارتمت في حضن أمها، لتجد خبر تخرجها من الجامعة الذي كادت أن تزفه إليهم صغيراً، أمام إنجاز أمها الأمية. ليعلن بذلك أبناؤها عن إقامة عرس جديد لمريم بمناسبة ختمها للقرآن.

ابتسام الشاعر