ساقطاً عن صهوة حكاية قديمة تتجدد كل يوم، يقترف فعل الإصرار على الحياة بكامل مفرداتها، يزدرد المرارة حين يمسي وحيداً كما الماموث في قلب غابة داهمتها عنوةً عاصفة ثلجية.
يشبهه الحنين حين يكتب الرسالة الأولى لها وهي لما تزل تختال على أول الدرب متوجة بالياسمين وبعناقيد ضوء رمت بها القصيدة الى جدول صغير في جوار القلب فاستحال الى وميض ملائكي يرنو الى اللحظة التالية.. هل يملك الوقت ان يرسم ملامحنا وتفاصيل الأغصان التي ستزين نعشنا في الرحلة الأخيرة؟.. هل يمسك العمر بتلابيب الملهاة التي صنعت طفولتها لحظة حب أبوية لم تدم طويلاً لتسقط منهكة في منتصف الدرب تحت وطأة مقتضيات الأحلام الصغيرة التي تشظت عن الحلم الهلامي الأول الذي سافر بعيداً الى مجاهل النسيان مبكراً..
الانصياع لروح الذاكرة المصادرة والتي سقطت منها الأمنيات منطق جذف «أسامة» عكس تياره فنال الكثير من الحب من أشخاص داعبت روحه ما يمور في داخلهم، ولكنه قوبل بالكثير من الرافضين الذين كشفت لغة الحب التي لا يتقن سواها كمية السواد التي تغطي مسامات قلوبهم الكسيحة.
ـ أين تمضي؟
ـ لن أتأخر كثيراً.. ويمضي أسامة سراً حاملاً معه جل ما يملك لامرأة عجوز هاجر ولدها الى دولة بعيدة تاركاً إياها تجتر العوز والعتمة.. أسامة يغادرها سريعاً تطارده بدعواتها ودموعها التي تنقشع دوماً عن ابتسامة يحب هو فقط أن يراها.. يحط رحاله لدى احد أقاربه صغار السن الذي توفي والده ليعينه في إدارة شؤون لم يعتد على مواجهتها من قبل.. أسامة يخرج من عنده مرمماً صورة الرحيل للظل الكبير، ومعيداً رسم روح الغائب في عيون أسرته.
يدنو ثم يدنو من تقاطع شارعين يحمله الأول الى دروب انسكب في شرايينها أنين اليتامى، وهمسات حزينة لأمهات فقدن الإحساس بروح المكان وهيبته عندما اعتلى ولدهن الأثير صهوة قطار غادر ذات مساء ولم يعد بعد تاركاً لهن الليالي الباردة ومعاقرة الوقت الذي توقف ويمضي سريعاً، وقطة عجماء حولتها لمساته الحانية الى كائن يمكنه البوح وإدمان انتظار تلك اليد الدافئة التي تأتي من البعيد حاملة معها الغذاء واللمسات الحانية..وتقاطع شارع ثان ينوء تحت وطأة أضواء كثيرة سقطت ألوانها من دفتر الرسم ولم تجد ما يستر عورتها سوى الخراب رغم كثرة المتزلفين.. فانتخب الألوان الحقيقية التي روضها طفل في دفتر الرسم لتطلع منها شموس وأقمار تقاوم السواد والعتمة.
ـ من أين جئت؟... يبتسم ..ثم يبتسم ولا يجيب
من معدن صقيل صُنعَ قلبه الذي يرتدي غيمةً ماطرة كل الوقت ويصارع وروداً بلا رائحة، لم تستنزف مع مرور الزمن، بل ولدت هكذا دونما تدخل من أحد، وأسقطت خلفها سحابة لم يختلف الأصحاب كثيراً حول ما أنزلته: هل كان مطراً أم كلاماً عن المطر؟
القليل الذي يحتضنه جيبه كان يأبى إلا أن يقتسمه مع شقيقاته اللواتي كن يقبلن القسمة معه، فيما يمنحن مشاعرهن لأشقائهن الآخرين الذين يمكنهم منحهن حصة أكبر، ويمضي أسامة الى بيته يجتر الخواء قابضاً على يد طفله الوحيد «جهاد» الذي كان ثمرة زواج لم ينجح بسبب خلاف بسيط بين الزوجين على اتجاهات الأحلام..
ـ توقفي ، إلى من تتركين جهاد و.. تتركينني؟
ومن حدقات واسعة رمقته بنظرة ساخرة وقالت له:
ـ أحيلك إلى من تطاردهم لتحصل على صدقة من مشاعرهم البخيلة
ـ ولكن المشاعر الجميلة تشملك أيضاً، بل أنت هي
ـ لقد مللت من الشراكة مع الآخرين فيها.. و.. ومضت
ويعود «أسامة» الى البيت برفقة ولده الحبيب الذي سحبته الملائكة الى سرير النوم تاركاً والده كما «الماموث» يصرخ وحيداً في غابة الثلج.
خالد اللوباني