قضية الكشف الطبي قبل الزواج مازالت تشهد جدلاً واسعاً، وامتدت إلى المجالس التشريعية في بعض البلدان العربية، ولكن هناك تقاليد وأعراف مازال العرب والمسلمون يتمسكون بها، انطلاقاً من حتمية زواج الأقارب أو الزواج من ذات القبيلة حسب أعرافهم، وإن كان الحديث عن ضرورة الكشف الطبي للمخطوبين قبل الزواج جاء كأمر موضوعي يضمن زواجاً سليماً، ولكن ازداد الجدل اشتعالاً في ظل ظهور بعض ممارسات الغش من بعض الأسر التي تخفي مرض أحد الطرفين، رغم علمهم أن هذا المرض معدٍ أو يمنع الحمل أو مزمن يرهق بيت الزوجية.
ولعلماء الدين وأساتذة الاجتماع وجهات نظر محددة حول هذه القضية، التي مازال بعض الأزواج يجوبون المحاكم ويبحثون عن الأجوبة لإنهاء أوضاع غريبة بسبب الغش وعدم الأمانة في الإفصاح عن أمراض طرف دون علم الآخر.
وقالت الدكتورة آمنة نصير أستاذ التفسير بجامعة الأزهر إن الزواج في الإسلام هو ارتباط مؤبد ومقدس بين الزوجين، اهتم به الإسلام كثيراً وشرع له مجموعة كبيرة من التشريعات والأحكام التي تضمن استمراره، ومن هذه التشريعات أن يكون الزواج قائماً على الرضا بمعنى رضا كل واحد من الزوجين، وهذا هو الركن الأهم في عقد الزواج.
حيث جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله إن أبي قد زوجني من ابن عمي ليرفع بي خسيسته فخيرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تستمر أو تفسخ عقد الزواج، وكون النبي خيّر هذه المرأة وأعطاها حق فسخ الزواج، فإن هذا يدل على أن الزواج بغير رضا هو أمر غير مشروع، حتى يكون كل واحد من الزوجين راضٍ بالآخر، ولابد أن يكون بين الزوجين قبل عقد الزواج مصارحة ومكاشفة بحيث لا يخفي أي واحد منهما عيباً من عيوبه عن الآخر.
حيث توجد حالات كثيرة يكتشف فيها الزوج أو الزوجة أن أحدهما يعاني من مرض مزمن أو خطير، خاصة الأمراض التي تتعلق بالنكاح، وإذا كان أحدهما لديه مرض متعلق بالنكاح دون علم الزوج أو الزوجة فإنه يبطل الزواج، أما في حالة علم الزوجين بمعاناة الآخر من مرض ورضاه به فهنا لا توجد مشكلة والزواج صحيح، وفي حالة وقوع الطلاق لا يستوجب عليه دفع مؤخر الصداق أو غيره.
أما الدكتور أبو سريع عبد الهادي أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر فيرى أن اكتشاف الزوج أن زوجته تعاني من مرض مزمن دون أن تخبره هي أو أهلها قبل الزواج، ونفس الوضع بالنسبة للزوج فيحق له فسخ العقد، والحال يختلف إذا كان الزوج قد علم بهذه العيوب والأمراض قبل الزواج، فإنه ليس له في مثل هذه الحالة أن يطلب فسخ الزواج؛ لأنه قد علم بعيوبها ورضي بها، وتم العقد بموافقة تامة منه، وبناء على ذلك من أراد الزواج فلا يجوز له أن يكتم عيباً يتعلق بالحياة الزوجية، فإذا فعلت تكون قد غشت من تقدم للزواج بها، والغش في الإسلام محرم بنص الحديث الصحيح »من غشنا فليس منا«.
وطالب عبد الهادي بضرورة إجراء الفحوص الطبية فيما قبل الزواج؛ لتفادي الوقوع في مثل تلك المشاكل، التي يترتب عليها انهيار أسرة وتحطم آمال شباب بعد أن عانى كثيرا في سبيل تكوين أسرة، وسرعان ما يكتشف أنه تعرض للخداع والغش مما يصيبه بحالة نفسية خطيرة في أغلب الأحيان.
الشيخ السيد عسكر الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، أشار إلى أن عقد الزواج يتم على المصارحة والرضا من كلا الطرفين حتى يكون العقد صحيحاً، أما في حالة إخفاء أحدهما عن الآخر بعض الأمور المهمة مثل مرض أحدهما أو غيره، يعتبر هذا الموقف فيه غش وخداع لأن هذا حرام، فضلاً عن أن إخفاء الأمور المهمة عن علم الزواج ثم ظهورها بعد ذلك بطريقة أو بأخرى قد يترتب عليها انهيار الأسرة بتهمة الخديعة والغش، ولذلك فإنني أفضل المصارحة مادام هناك اختيار وتفضيل، ولكن إخفاء معلومات مثل هذه ويصبح الزوج مستغفلا خطأ يترتب عليه خراب البيت وانهيار بنيانه بلا شك، والفيصل الوحيد لعدم التعرض لمثل تلك المشاكل هو إجراء الفحوص الطبية الشاملة قبل الزواج؛ لتفادي التعرض لأمراض خطيرة والتي تنتقل من أحد الزوجين للآخر.
الدكتور مصطفى الشكعة أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر بدأ كلامه بمقولة »ما بني على باطل فهو باطل«، ووصف وضع الزوج في حالة اكتشاف أن الزوجة تعاني من مرض مزمن بعد أن تزوج بها دون أن يخبره الأهل بذلك قبل الزواج بالمغشوش، لأن مثل هذه الأمور يجب الكشف عنها قبل الزواج، خاصة عندما يعلم الزوج قد يراعي حالتها ويوافق على الزواج بها، وقد يرفض.
أما الداعية عبلة الكحلاوي فوصفت الزواج القائم على الغش والخداع بالباطل؛ لأن الأساس في عقد الزواج هو المصارحة والرضا، لأنه في أغلب الأحيان قد ينتقل المرض من أحدهما إلى الآخر، وتصبح المشكلة اثنتين، وطالبت بالمصارحة لإنقاذ الزيجة من البداية، والاعتراف إذا كانت هناك مشكلة تمس الشرف أو كان هناك عيب خلقي في الجسم أو مرض موروث، حتى لا تنهار الأسرة ويعيش كل من الزوجين في حالة نفسية لا وصف لها.
الدكتور محمد منصور - أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق وصف مدى الحالة النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الزوج المخدوع وخاصة من زوجته، وإذا كانت تعاني من مرض مزمن قد ينتقل إليه من خلال الممارسة الجنسية، والمصيبة الكبرى أن الأطفال قد يعانون من نفس المرض بالوراثة، ولذلك فنحن نطالب باللجوء إلى الفحوص الطبية قبل الزواج للتأكد من خلو كلا الزوجين من بعض الأمراض المعدية مثل الإيدز.
أما الدكتورة سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة فأكدت أن نجاح مستقبل أي أسرة مرهون بعدة عوامل، منها أن تكون العلاقة بين الزوجين قائمة على المصداقية والمصارحة، ومن هنا فإن إخفاء أي من الزوجين أي سر على الآخر قد يكون سبباً مباشراً في تدمير العلاقة الزوجية وخراب البيوت.
وأشارت الساعاتي إلى أن هناك العديد من حالات الطلاق التي رصدتها مراكز البحوث الاجتماعية كان السبب الأساسي وراءها هو أن كلا الطرفين أخفى على الآخر إصابته بأمراض معينة قبل إتمام الزفاف، لافتة إلى أن عدداً كبيراً من الأسر المصرية وبحكم العادات والتقاليد وخوفاً على بناتهم من استقلال قطار العنوسة يخفون عن أي شاب يتقدم لابنتهم إصابتها بأية أمراض، وعندما يكتشف الزوج الخدعة لا يكون أمامه سوى حل من اثنين إما أن يطلق زوجته ويستريح، بالرغم من تدمير بيته وأسرته، وإما أن يستمر في الزواج ويظل باقي عمره مخدوعاً.
الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة قالت إن هذه الظاهرة من الظواهر المنتشرة بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل تفشي أمراض خطيرة يعانى منها أغلب المواطنين، مؤكدة أن البعض يلجأ إلى إخفاء ما يعاني منه على الطرف الآخر الذي سيشاركه حياته، وبالتالي تترتب على ذلك نتائج في غاية الخطورة تهدد مستقبل الأسرة، لافتة إلى أن المصارحة لابد أن تتم، وأن يقول كل طرف للآخر عيوبه أو أمراضه حتى تكون حياتهما قائمة على الصدق والصراحة، الأمر الذي ينتج عنه بيت تسوده المحبة والوفاء.
د. عبلة الكحلاوي