لا ينقطع الحديث عن الاجتهاد.. فهناك الكثير من المؤتمرات التي تنعقد في أرجاء العالم الإسلامي لبلورة موقف موحد حول الاجتهاد، بهدف طرح رؤى ووجهات نظر مختلفة لتحويل الاجتهاد من الدائرة النظرية إلى الدائرة العملية، بما يتفق وواقع المسلمين.
وفي هذا السياق، استضافت ـ مؤخراـ العاصمة الماليزية «كوالالمبور» مؤتمرًا حول صناعة المجتهد عقدته الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا تحت عنوان «الاجتهاد والإفتاء في القرن الحادي والعشرين» وتبنى المؤتمر مشروعا خاصا بتأسيس علم خاص بالاجتهاد، برره د.قطب مصطفى سانو - نائب رئيس الجامعة العالمية بماليزيا بأن المسلمين بحاجة لتحويل الاجتهاد من الدائرة النظرية إلى الدائرة العملية.
كي يكون علما خاصا يقوم على تراث ضخم من المعارف والعلوم الإسلامية وتحويل هذه المعارف والعلوم إلى مناهج يمكن من خلالها تأهيل وصناعة مجتهد يستطيع فهم المستجدات المعاصرة، وتنزيل الأحكام عليها مراعيا كل أنواع الفقه من مقاصد وواقع إلى آخره.
وقد لاقت دعوة المؤتمر بتأسيس علم خاص بالاجتهاد ردود فعل متباينة بين علماء الدين، حيث اعتبر المفكر الإسلامي د.حسن الشافعي - أستاذ علم الشريعة والرئيس السابق للجامعة الإسلامية العالمية بباكستان أن الاجتهاد أصل من أصول الشريعة الإسلامية لا ينكر، وجميع الفقهاء يقررون ضرورته.
موضحا أن النصوص المتمثلة في الكتاب والسنة منحصرة أما الوقائع التي تحدث للأمة الإسلامية في كل العصور فهى غير منحصرة، وبالتالي لابد من عملية اجتهاد بجانب الكتاب والسنة، باعتبار أن الاجتهاد أصل من أصول الشريعة وطريق من طرق تعرف الأحكام الشرعية.
أضاف الشافعى أن هناك بعض الفقهاء ممن يرون أن الاجتهاد فريضة على الأمة الإسلامية في كل عصر، ومن الذين قرروا ذلك كتب فيه كتابا مستقلاً الفقيه المصري الشافعي جلال الدين السيوطي الذي اختار عنوانا له «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض».
وبناء عليه فلابد من وجود مجتهدين بطريقة أو بأخرى، غير أنه ليس من الضروري أن يكون المجتهد مجتهدا في كل أبواب الشريعة، فالاجتهاد يتجزأ.. هناك من رجال القانون والشرع ممن يمكنه الاجتهاد في مسائل الجنايات أو في مسائل المعاملات المالية أو في مسائل الأحوال الشخصية بحكم خبرته العميقة بهذا المجال المعين، وما استجد فيه من وقائع مع علمه بالأدلة الشرعية المتعلقة بتلك الوقائع.
ولذلك، والكلام للشافعي، إذا اتفقنا أن الاجتهاد ضرورة شرعية ثم اتفقنا أنه لابد منه، ففي كل عصر ينبغي من يقوم بالاجتهاد، ولابد من أهلية خاصة له فليس كل من قرأ كتابا في الشريعة أو انشغل ببعض القضايا أو كان من أسرة علمية أو كان ميالاً إلى التغيير - بصرف النظر عن الأدلة والأحكام الشرعية - فليس كل هؤلاء من المؤهلين للاجتهاد.
وأضاف: حسب تجربتي المحدودة وقد عشت حوالي نصف قرن في هذا المجال بين الأزهر والمؤسسات العلمية الأخرى في مصر والخارج فإن أكثر الناس حديثًا عن الاجتهاد ويمارسونه هم أقل الناس معرفة بالاجتهاد وشروطه الشرعية، ومادمنا نتكلم عن الشروط المطلوب توافرها في المجتهد فليس الهدف بأي حال هو احتكار الاجتهاد أو أن هناك أصحاب مهن خاصة من خريجي المعاهد يريدون التفرد بهذا الأمر.
ولكن سوف ننقل شروط الاجتهاد من فقيه ومفكر بل فيلسوف مقبول الكلمة من الجميع وهو قاضي قضاة قرطبة ابن رشد الذي قرر في كتابه «فصل المقال في تقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» أن من له حق الكلام في تفسير النصوص الشرعية وتأويلها.
أو بعبارة أخرى الاجتهاد في الدين فهذا لابد أن تتوافر له ثلاثة شروط، الأول: إتقان اللغة العربية والتمكن منها لأن الصحابة وأهل الصدر الأول كانوا عربا بالسليقة ويعرفون لغة الكتاب والسنة، أما نحن الآن فليس الجميع يتقن العربية في التعبير عن المعاني، وبذلك نقول بشرط أحكام اللغة العربية والتعمق فيها.
أما الشرط الثاني فيتمثل في ألا يكتفي المجتهد أو القائم بالتفسير ومعرفة الأحكام بدليل واحد يتعلق بالموافقة، وإنما عليه أن يجمع كل الأدلة المتصلة بالموضوع حتى يأتي اجتهاده شاملاً وسليما، فربما عرف دليلا يحرم وهناك أدلة أخرى تفند التحليل ومهمة المجتهد أن يجمع بينها ويعرف مقصد الشريعة وهدفها من تعدد الأدلة وكيفية الجمع فيها.
الشرط الثالث.. ألا يقوم بهذا العمل كما يقول ابن رشد في كتابه المذكور إلا الراسخون في العلم فهناك دائما في كل عصر عوام لا يعرفون الأحكام الشرعية جيدا، وربما كانوا في ميدان عملهم خبراء لكنهم ليسوا خبراء بالأدلة الشرعية والوقائع المستجدة لانشغالهم في مهنهم وحرفتهم.
ويوضح د. الشافعي أن هناك علماء قد يعرفون الأحكام الشرعية أو جانب منها، ولكنهم لم يتعمقوا فيها ولم يترسخ العلم كما قلنا بالوقائع والأدلة المتصلة أو المرتبطة بها ولم يبلغوا في العلم بالعربية على درجة التعمق والتمكن، فربما جاز لهم الإفتاء طبقا لما هو معلوم من اجتهاد الأئمة السابقين.
أما الاجتهاد الجديد والمتجدد لهذا العصر والذي يليه فلابد فيه من الترسخ في العلم، فالشروط الثلاثة التي ذكرناها من حازها واجتمعت فيه أهلية الاجتهاد حقًا وليس بالإدعاء والتجرؤ على الأحكام الشرعية فينبغي له ممارسة الاجتهاد، وذلك وتلك هي القضية الثالثة التي نوجه إليها النظر، فقد كثر في وقتنا أدعياء الاجتهاد وقلة رجاله القادرين عليه والممارسون له فعلاً.
د.أحمد عبد الرحيم السايح الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر يقول: قد يكون واضحا أن هذا المشروع الذي تريد الجامعة الإسلامية في ماليزيا أن تقوم به يشير إلى افتقاد الأمة الإسلامية إلى علم الاجتهاد.
لكن ينبغي أن يقترن الاجتهاد بعلم التأويل، موضحا أن التأويل منهج عقلي لابد أن يصاحب الاجتهاد، وهذا يمكن أن يكون أولا، وثانيا ينبغي إعداد العلماء المؤهلين لذلك، والترقي بهم حتى يصلوا إلى هذه الدرجة العلمية لأن المجتمع الإسلامي أصيب بالجمود والتخلف والتحجر نتيجة لعوامل مذهبية أدت به إلى الاهتمام بالقشور.
وعلى خلاف الآراء السابقة، يرى د. عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بالقاهرة أن عقد مثل هذه المؤتمرات في العالم الإسلامي إنما هو نوع من تحريك الماء الآسن في بيئة طال ركودها وثباتها العميق.
إلا أنه للأسف لما أفاقت من ثباتها وجدت أن أكثر دول العالم قد خطت خطوات واسعة نحو الرقي والتقدم ولكن العالم الإسلامي يصر على أن يحرث في البحر فيجترأ من ماضيه قضايا بحثت وعفى عليها الزمن التليد وقتلت بحثًا ولاكتها الألسن حتى لفظتها رغبة في أن تتحدث وسائل الإعلام المختلفة عن نشاطها الدائب وجهدها الكبير، وهذا كله إنما يبرهن عن فشل المسعى وسوء الاختيار.
أشار إدريس أن العالم الإسلامي اليوم لا يعاني قلة المجتهدين حتى ينعقد مؤتمرًا عالميا للبحث عن صناعة هؤلاء المجتهدين.. لأنه، على حد قوله، العالم الإسلامي يحتاج إلى أساسيات الحياة والتي لا يتوفر منها قدر الكفاية.
وتساءل: ماذا قدمت هذه المؤتمرات التي نعقدها هنا وهناك من مكاسب للإسلام وأهله في ظل الهجوم والتجني عليه وعلى أهله في الداخل والخارج.. لافتا في هذا الصدد أن العصر الذي نعيشه لا يخلو من مجتهدين وهما في القمة في مجال الاجتهاد حتى أنه يمكن القول عنهم إنهم لا يقلون عن مجتهدي السلف الذين أسسوا المذاهب الفقهية الإسلامية وهؤلاء العلماء المجتهدون هم من الكثرة في كل مكان.
ويوضح إدريس أن الاجتهاد في زماننا بلغ الذروة سواء من ناحية المسائل التي توصل الفقهاء والمعاصرون إلى حكم شرعي فيها والتي تعد من قبل نوازل العصر كما بلغ الذروة في إعادة تأهيل هذه الأحكام وربطها بنصوص الشرع الحنيف.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية